فخ الإنفاق الرمضاني.. كيف يُهدر ملياراتنا؟

أميرة زكي

19 فبراير 2026

208

يغمر رمضان العالم العربي بأمواج الفرحة، وتنبض السوق بموجات شراء كبيرة مدفوعة بالاستهلاك العاطفي وضغط التقاليد الاجتماعية، والشعور بالفرحة الجماعية التي تحول الشهر الفضيل إلى احتفال مادي مفرط يُشبه السيل الذي يغرق الوادي قبل أن يرويه متنافياً مع الهدي النبوي في الترشيد.

ففي رمضان، تتحول السوق إلى ساحة إغراءات؛ عروض ترويجية تضيء الشوارع، وأرفف مليئة بحلويات براقة تجذب الجائعين، لكن خلف هذا الزخم، يكمن الفخ العاطفي الذي يدفع الإنفاق إلى ذروته.

دعونا نغوص في الأرقام لنفهم مدى الظاهرة عبر هذه الإحصاءات:

في المغرب: حسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط، ترتفع مصروفات الأسر بنسبة 16% خلال رمضان مقارنة بالشهور الأخرى، مع تخصيص نحو 37% منها للطعام فقط، في بعض الأسر، تصل زيادة فاتورة الغذاء إلى 40%؛ ما يعكس ضغطاً هائلاً على الميزانيات الشهرية.

تونس: يرصد معهد الاستهلاك التونسي زيادة تصل إلى 40% في إنفاق الأسر، في وقت تعاني فيه البلاد من تضخم أسعار، تخيلوا أسرة تكافح يومياً لتغطية احتياجاتها الأساسية، فتجد نفسها مضطرة إلى إنفاق إضافي هائل!

مصر: الأرقام هنا أكثر إثارة، ينفق المصريون ما بين 75 - 80 مليار جنيه مصري (حوالي 4 مليارات دولار أمريكي) على الطعام وحده في رمضان، بزيادة 25 مليار جنيه عن الشهور العادية، وفقاً لتقديرات الهيئة العامة للإحصاء.

الأردن: ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 20-30% منذ بداية العام، مع عجز سنوي في إنفاق الأسر يصل إلى 1400 دولار، كما أفاد دائرة الإحصاءات العامة.

ولا تقتصر الظاهرة على هذه الدول؛ في السعودية والإمارات، يتجاوز الإنفاق على المناسبات الرمضانية مليارات الريالات، مدفوعاً بتجارة الإفطارات والسحور في الفنادق والمطاعم، كما أن هدر الطعام يصل إلى ثلث الكميات المعدة، حسب دراسات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)؛ ما يفاقم الأزمة البيئية والاقتصادية.

هرمون الجوع

تقول اختصاصية التغذية هاجر حسن في حديثها لمجلة «المجتمع»: إن الصيام يُفرغ مخازن الجلوكوز في الدم قبل الإفطار؛ ما يضعف ضبط النفس، هنا يفعل هرمون الجوع دوره؛ يرسل إشارات عاجلة إلى مركز المكافأة في المخ، فنشعر بتوتر عاطفي يدفعنا للتسوق الاندفاعي؛ ونتيجة ذلك نشتري كميات هائلة من المنتجات –حتى غير الضرورية– خاصة مع العروض التي تبدو صفقة في زمن يتجاوز فيه إنفاق المسلمين على رمضان مليارات الدولارات سنويًا.

وتوضح حسن الدورة الغذائية التي تحدث للكثيرين في رمضان قائلة: عند الإفطار، يغلب الإغراء بالسكريات السريعة مثل العصائر المضاف لها السكر الأبيض والأطعمة الدسمة، هذه الأطعمة تحول دهونها وسكرياتها إلى جلوكوز فوري، فيرتفع مستوى السكر في الدم بسرعة صاروخية، يهرع البنكرياس ليفرز جرعات عملاقة من الإنسولين ليسيطر عليه، لكن السكر ينهار بعد ساعات قليلة، مسببًا خمولًا مدويًا ونعاسًا يعيق التراويح، وزيادة وزن تصل إلى 2-4 كيلوجرامات في الشهر.

ضغط على الجيب

وتضيف الأسوأ أن الدهون المشبعة تزيد مقاومة الإنسولين، والنشويات تُنتج أكسدة للدهون تخزنها في الأنسجة الدهنية؛ ما يعقد التحكم في السكر ويفاقم الضغط على الجيب مع غلاء الأسعار.

هنا يبرز الترشيد النبوي كعلاج شامل، اقتصاديًا وصحيًا فتنصح حسن قائلة ابدأ الإفطار بـ3-7 تمرات وزجاجة ماء بارد، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فالتمر به جلوكوز بطيء الامتصاص للطاقة الفورية، فركتوز للاستدامة، وألياف طبيعية تُبطئ الهضم، فلا إفراط في الإنسولين، ولا جوع مفاجئاً أو خمول، ثم الصلاة لتهدئة النفس، تليها وجبة خفيفة معتدلة.

وتبين أن هذا الأسلوب يُعد الجسم للامتصاص الأمثل، ويمنع الشراهة في السحور التي تؤدي إلى نوم ثقيل.

تستشهد الاختصاصية بالحديث النبوي: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» (رواه أحمد)، وتبين أن هذا التقسيم الثلاثي يحمي المعدة من التمدد، ويثبت الوزن دون زيادة، ويقاوم الارتجاع المعدي والتخمة، ويحافظ على اليقظة للعبادات، وهو من الناحية الاقتصادية يقتصر على الضروريات البسيطة بدلاً من الأصناف الباهظة، محولاً رمضان إلى شهر توفير لا إسراف.

نموذج للوجبات الرشيدة

وتقدم اختصاصية التغذية نموذجاً عملياً للوجبات الصحية اليومية الرشيدة في رمضان كالتالي:

الإفطار: تمر + ماء + ثم صلاة + طبق متوازن (أرز، خضراوات سلطة، بروتين).

في السحور: فول مدمس أو عدس مطبوخ (بروتين نباتي رخيص ومشبع)، بيض مسلوق، زبادي، جبنة بيضاء قليلة الملح، وخبز أسمر، وهي عناصر كلها تمنع الجوع الشديد وتدعم الطاقة طوال اليوم.

إستراتيجيات عملية

ويضع خبراء الاقتصاد إستراتيجيات عملية، مستمدة من تجارب ناجحة، منها:

التخطيط قبل الشهر: اجلس مع أسرتك مسبقاً، حدّد ميزانية دقيقة للطعام (بناء على عدد الأفراد)، العزومات (حد أقصى 2-3 أسابيع)، والعيد، استخدم تطبيقات بسيطة لتتبع الإنفاق.

الدعم المحلي: اشترِ المنتجات المحلية؛ أرخص سعراً وتدعم المزارعين والتجار الصغار.

التكافل والصدقة: شارك في موائد الرحمن أو وزع وجبات على المحتاجين، بدلاً من إهدار الفائض، حوّله إلى صدقة؛ هذا يحقق الأجر الروحي والتوفير، تذكير قرآني يومي: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)، قبل كل شراء، اسأل: هل هذا حاجة أم إغراء إعلاني؟ خطط الوجبات الأسبوعية لتجنب الزيادة، ولا تملأ الثلاجة عشوائياً.

في النهاية، يُحوّل هذا النهج رمضان من سباق استهلاكي إلى دروس في الاقتصاد النفسي والروحي، حيث يوازن بين الجوع الجسدي والرضا الداخلي، محافظًا على الصحة والمحفظة معًا.



اقرأ أيضاً:

رمضان.. كيف نبدأ؟

خيام الشهوات في رمضان!

الإسراف والتبذير في رمضان.. بين السُّنة النبوية والحكمة الشرعية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة