فرنسا.. أزمة صحية.. وتخوّف من تداعياتها السياسية   

 

أمام موجة ثالثة من جائحة كورونا، عمدت السلطات الفرنسية أخيراً إلى إغلاق مدينة باريس وضواحيها وبعض المدن والمناطق الشمالية لمدة شهر، بعد أن أكدت الاحصائيات اليومية تصاعد نسبة المصابين بهذا الوباء وتحديداً بالنسخة المستجدة منه التي تعرف بالنوع البريطاني.

وتجاوزت أعداد الذين تم تحويلهم الى أقسام الإنعاش ما كان عليه الوضع خلال الموجة الثانية في شهر نوفمبر الماضي.

 

الأزمة النفسية

ويسود انطباع لدى الرأي العام وأصحاب القرار في فرنسا أن جائحة كورونا انهكت الأجسام والمعنويات وأرهقت الأسر والمؤسسات، بل إن تداعيات هذا الوباء قد وصلت إلى فئة الطلبة، حيث تشاهد طوابير من الطلبة الذين أصابهم العجز المادي إلى حد الالتجاء إلى المطاعم والجمعيات التي تقدم وجبات مجانية أو شبه مجانية.

فهناك تململ واضح لدى الرأي العام من طول مدة الوباء، حيث ارتفعت نسبة المقبلين على الأطباء النفسيين خاصة من الشباب الذين لم يتعودوا على التضييق على حريتهم ومنعهم من وسائل الترفيه والجلوس في المطاعم ودخول قاعات السينما والمسرح والذهاب إلى الملاهي والمراقص الليلية.. كما لم يكن من السهل التكيف مع نظام الدراسة عن بعد أو مع نظام التناوب بين الحضور المباشر في الدروس والمتابعة عن بعد.

كما أن أصحاب الشركات والمطاعم وغيرها من الخدمات التي تضررت بسبب الجائحة لا يخفون قلقهم جراء الأزمة الاقتصادية الصعبة وتخفوّهم من الوصول إلى حالة الإفلاس بالرغم ما تقدمه الدولة من مساعدات مادية. 

وألقت الأزمة النفسية بظلالها على العلاقات الاجتماعية في ظل الخوف من المستقبل المجهول وعدم معرفة متى تنجلي الأزمة، ومتى يظهر شعاع النور بعد طول السير في هذا النفق الذي دخلت فيه البشرية. وكلما يلوح الأمل، تأتي المنغصات، فهذا اللقاح "الحلّ" تبيّن بعد طول انتظار أنه غير متوفر بالشكل الكافي بعد أن أعلنت شركة فرنسية تأخرها في صنع اللقاح، فتم الالتجاء إلى شركات أخرى وتأخر استيراد كميات التلقيح وتأخرت بذلك المناعة المطلوبة لمقاومة هذا الوباء.

ثم ظهرت مشكلة مع لقاح استرازنيكا البريطاني وأعلنت فرنسا وأوروبا إيقاف التعامل به ثم التراجع عن ذلك، بل إن رئيس الحكومة صرح بأنه سيأخذ هذا اللقاح لتشجيع الرأي العام وعدم التخوّف من آثاره.

 

قرار صعب   

لقد حيّر هذا الوباء دوائر السلطة، الأمر الذي جعل القرار يتأرجح بين إجراءات الضبط والتضييق من ناحية وبين إجراءات الترخيص في الحركة بحذر كبير من ناحية أخرى، وفي كل مرة تعمد السلطات قبل اتخاذ أي إجراء إلى تهيئة الرأي العام عبر وسائل الإعلام واسعة الانتشار، وبالرغم من كل ذلك، فإن النفوس ملّت الحديث عن الجائحة.

 

في هذا السياق، لم يكن قرار الاغلاق هذه المرة بالأمر السهل خاصة لما له من تأثير مباشر على شريان الاقتصاد والخدمات أي العاصمة باريس وضواحيها في فضاء يقارب سكانه 13 مليون ساكناً إضافة إلى مناطق أخرى في الشمال بما يقدر في المجموع بـ 21 مليون ساكناً أي ما يعادل ثلث سكان فرنسا.  

وبقي الرئيس ماكرون متأرجحاً بين مطرقة اللجنة العلمية المختصة بالوضع الصحي التي تدعو إلى اتخاذ موقف حازم لكسر سلسلة الاصابات بمرض كورونا خاصة نسخته البريطانية، وبين سندان الرأي العام الذي ملّ الحديث عن الوباء وعن اللقاح وينتظر شيئاً واحداً وهو الخروج من الأزمة وسرعة احتواء الوباء.

ولهذا كان ماكرون من  بين رافضي عملية الاغلاق ليس لأسباب اقتصادية فحسب وإنما لتداعياتها النفسية والاجتماعية والسياسية، لكنه اضطر أمام خطورة الأزمة الصحية إلى اعتماد سياسة الأمر الواقع، فجاء قرار الاغلاق ولكن بصيغة مخفّفة.

 

التداعيات السياسية

وتبقى التداعيات السياسية هي مربط الفرس بالنسبة لأصحاب القرار، حيث ارتفعت أصوات في المعارضة للتشكيك في قدرة الحكومة على معالجة ملف الجائحة، مستدلة على ذلك بسياسة التخبط في الإجراءات بين تضييق وتوسّع غير مدروس العواقب، والنتيجة أن فرنسا من بين البلدان الأوروبية المتضررة بشكل كبير بهذا الوباء، وأقسام الإنعاش المكتظة بالمصابين بهذه الجائحة يجسّد هذا التخبط.

 

ويلاحظ تجنّب الرئيس ماكرون الظهور إعلامياً في ملف الجائحة مقابل ترك رئيس الحكومة تولي مهمة الحديث المباشر إلى الرأي العام، بعد أن كان دائم الظهور في بداية انتشار الوباء مقدماً وعوداً بسرعة محاصرة الجائحة وتداعياتها، لكن بمرور الوقت، تحول الأمر إلى معضلة، وبات التخوف من احتجاجات شعبية في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.. ولعل الرئيس الفرنسي يريد الاحتفاظ برصيده للاستحقاق الرئاسي القادم سنة 2022م، وهو يدرك أن ملف الأزمة الصحية وتداعياتها سيلقى بظلاله بدون شك على الانتخابات القادمة، وهو ما يسعى ماكرون بكل جهده إلى التقليل من انعكاساته السلبية على شعبيته، ولا يمكن نسيان حملات الاحتجاج لأصحاب السترات الصفراء التي أخذت صدى بعيداً وجاءت جائحة كورونا لتغطي عليها، وهناك خشية من عودتها في ظل الأزمة الحالية.

 

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة