فرنسا الرسمية الحالية هي امتداد للاستعمارية القديمة

المجتمع

27 أكتوبر 2020

17

يرى القيادي بحركة مجتمع السلم الجزائرية، ناصر حمدادوش، أن التحركات الفرنسية في الإقليم العربي، ووقوفها ضد تركيا في قضية التنقيب على النفط في حوض المتوسط، وما استتبعه من خلافات وملاسنات، مرده أساساً إلى السعي الفرنسي الحثيث وراء منابع الطاقة والنفوذ في المنطقة، متكئة في ذلك على رصيد كولونيالي دموي، وطموحات تغذيها الخلافات التاريخية والدينية مع العالم العربي والإسلامي، بالإضافة إلى طموحها في أن تكون فاعلاً دولياً منافساً للقوى الكبرى الأخرى المهيمنة على هذه المنطقة.

وأكد في الحوار الذي أجرته معه «المجتمع» أن النفوذ الفرنسي لا يرجع بالضرورة إلى قوّة فرنسا الذّاتية، بقدر ما هو اتكالٌ على الرّصيد التاريخي السّابق، وارتهانُ الأنظمة غير الشّرعية لها، ووفاءُ نخبها وأدواتها المتنفّذة، مشيراً إلى أن نفوذ فرنسا الحالي ما هو إلا امتدادٌ للحنين التاريخي والأطماع الاستعمارية القديمة، في حرب استنزاف لما تزخر به مستعمراتها من ثروات وطاقات، لضخّها في اقتصادياتها وتلبية احتياجاتها وتغطية عجزها واختلالاتها.

ترمي فرنسا بكل ثقلها في العديد من الملفات العربية والإقليمية، ولا تبدي حرجاً في التدخل السافر بالشؤون الداخلية للبلدان العربية؛ فما مقدرات القوة التي تمتلكها حتى باتت تحاول التأثير والهيمنة بهذا الشكل المتنامي؟

- تشكّل المنطقة العربية والأفريقية منطقة حيوية وإستراتيجية لدى الدول الكولونيالية عموماً ولدى فرنسا خصوصاً، كما أنّ نفوذ فرنسا الحالي ما هو إلا امتدادٌ للحنين التاريخي والأطماع الاستعمارية القديمة، في حرب استنزاف لما تزخر به مستعمراتها من ثروات وطاقات، لضخّها في اقتصادياتها وتلبية احتياجاتها وتغطية عجزها واختلالاتها المالية والطاقوية.

وبالرّغم من تراجع النّفوذ الفرنسي تحت وطأة تغيّر موازين القوى الدولية، فإنّ فرنسا مستفيدة من تقاسم الدول الكبرى لمناطق النّفوذ والسيطرة، كما أنّ استقلال بعض هذه الدول كان استقلالاً مشروطاً بديمومة التعاون المالي والاقتصادي والثقافي معها، وهو ما شرعن لهذا النّفوذ والتّبعية.

ولذلك، فإنّ هذا النّفوذ الفرنسي لا يرجع بالضّرورة إلى قوّة فرنسا الذّاتية بقدر ما هو اتكالٌ على الرّصيد التاريخي السّابق، وارتهانُ الأنظمة غير الشّرعية لها، ووفاءُ نخبها وأدواتها المتنفّذة.

هناك تنافسٌ دولي يطعن في هذا النّفوذ الفرنسي ويهدّده، وهو ما يبقي على هذه الجدوى والحرارة في محاولات الحضور الإقليمي والدولي لها كشريك وكجزء من الهيمنة الدولية باسم عضويتها في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي والعضوية الدائمة في مجلس الأمن.

هل يمكن القول: إن فرنسا مدفوعة بحنين كولونيالي، وهي اليوم تعرف نشأة مستأنفة للروح الاستعمارية، التي تمكنت في السابق من احتلال العديد من البلدان العربية، وتكريس الانتداب على البعض الآخر؟

- إنّ فرنسا المتهالكة حالياً بأزماتها الداخلية المتعدّدة، وهي المثقلة بأعباء الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والأزمات المالية المتتالية، وتراجع مكانتها الدولية، وتصاعد قوى إقليمية ودولية منافسة لها لا تستند إلى قوّتها، بل إلى ضعف هذه الدول العربية والأفريقية، فهي التي تمتدّ في ضعف الآخرين.

ولذلك تستثمر الآن في ذرائع جديدة للتدخّل والوجود، مثل: الإرهاب والهجرة غير الشّرعية والجريمة المنظمة.. 

وبالرّغم من التراجع في التواجد العسكري المباشر وفي النّفوذ السّياسي والاقتصادي، فإنّها تكابر من أجل الوجود بدوافع أمنية، أمام المنافسة الأمريكية والصّينية والتركية مؤخراً؛ لأنه لا تاريخ لفرنسا دون أفريقيا ومستعمراتها القديمة، كما أنها تريد صناعة تاريخ استعماري جديد على أنقاض الاستعمار التقليدي القديم.

ما دلالة التوقيت الذي ظهرت فيه نوازع الهيمنة الفرنسية؟ وما دوافعها الإستراتيجية التي تقودها حالياً إلى التدخل في شؤون لبنان مثلاً، والاصطفاف عسكرياً مع اليونان ضد تركيا؟

- هناك عدّة دوافع إستراتيجية وحيوية لفرنسا في التدخّل، وهي مصالحها الأساسية؛ لأنّ الدول ليست جمعيات خيرية تتعامل بحسن النوايا، بل تقوم على المصالح الحيوية لها، وهي تختلف من بلد إلى آخر؛ ففي الوقت الذي تتستّر على أهدافها الخفيّة في التدخّل بأفريقيا، ومنها المصالح الاقتصادية، مثل بسط يدها على «اليورانيوم» في الصحراء الأفريقية وتحديداً في النيجر، إذ تعتمد عليه في تلبية نحو 75% من احتياجاتها من الكهرباء على الطاقة النووية، تتثمل مصالحها في لبنان وليبيا واحتكاكها مع تركيا واصطفافها مع اليونان في الصّراع من أجل الطاقة والنّفوذ في المنطقة، تغذّيها الخلفيات الدّينية والخلافات التاريخية.

إلى أي مدى تتحمل النخب السياسية في البلدان العربية هذا الخضوع إلى الإملاءات الفرنسية؟ وهل يمكنها تحدي رغبتها في الهيمنة والسيطرة من جديد، خصوصاً أن تاريخها الاستعماري شاهد على جرائمها البربرية وحجم الخراب الهائل الذي خلفته وراءها؟

- المؤكد أنّ فرنسا الرّسمية الحالية هي امتدادٌ لفرنسا الاستعمارية القديمة، وهي لم تتحرّر بعدُ من فكرها الكولونيالي وعاداتها القديمة، ولذلك لا تزال تمجّد تلك الحقبة الاستدمارية، وترفض الاعتراف بجرائم الحرب والإبادة والجرائم ضدّ الإنسانية التي لطّخت تاريخها الأسود، ومنه ذلك التاريخ الدّموي الطويل في الجزائر، إذ بيننا وبينها بحار من الدّماء وجبال من الجماجم.

ولا يمكن القضاء على هذا الإرث المثقل بالمآسي إلا إذا استعادت هذه الدول استقلالها التام وسيادتها الكاملة، وذلك بإرادة شعوبها الحرّة، وعبر تلازم الديمقراطية الحقيقية بالتنمية الفعلية، وهو ما يغلق كلّ أبواب النّفوذ والهيمنة والتبعية وانتهاك الخصوصية.

وعلى الشّعوب الحرّة والنّخب الشّريفة أن تحرّر بلدانها من هذا النّوع من الاستعمار الجديد، والسّبيل إلى ذلك هو القوّة النّضالية للنّخب، صانعة الوعي والرأي والفكر، وقائدة الكفاح والمقاومة السياسية، وأنّ إرادات الشعوب عبر الثورات الشعبية السّلمية أو عبر الانتخابات النزيهة ما هو إلاّ عامل حاسم في ميزان القوّة المرجّح لصالح التتويج بالتحرير والتغيير والتعمير.

هل هناك تخوف فرنسي-مسيحي من صعود تركيا في السنوات الأخيرة كقوة إقليمية وعالمية، ومن شأن هذا الصعود أن يخلخل ميزان القوة في العالم، خصوصاً أن تركيا أثبتت وجودها في العديد من بؤر التوتر بالمنطقة وأفشلت الكثير من المخططات، لا سيما الفرنسية؟

- المؤكّد أنّ حساسية الدول الغربية والدول الوظيفية الوكيلة عنها في المنطقة والنّخب التغريبية المرتهَنة لها يزعجها هذا الصّعود المتنامي لتركيا إقليمياً ودولياً، والانزعاج الأكبر هو من الخلفية الحضارية والتاريخية والهوياتية لهذا المارد الإسلامي الصّاعد، الذي يفضح ويرفع السّقف عن الفساد والتزوير والظلم والاستبداد والاحتلال، وهو الغطاء الذي تتدثّر به هذه الأنظمة الغربية والعربية؛ وهو ما يقضّ مضاجعهم بهذه العودة الحضارية للإسلام، وهذا الاستئناف الحضاري وإعادة استدعاء الحضارة الإسلامية من جديد.

هذا الوَصل المتصالح بين تركيا وهويتها، وهذه التجربة التنموية الناجحة لها، وهذا النموذج الذي يجمع بين القيم الإسلامية والإنسانية المعاصرة هو الذي يفجّر كلّ هذا الزّخم من الصّراع ضدّها، وكلّ هذه العدوانية عليها، وكل هذا التآمر ضدّها، مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: 120).

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة