فرنسا ومأساة المسلمين.. خطاب التسامح أم ثقافة العداء؟!
لطالما تغنت فرنسا بشعارات الحرية والمساواة والإخاء، ورفعت راية الدفاع عن
حقوق الإنسان، وتبنت مبدأ العلمانية كضمانة للفصل بين الدولة والدين.
لكن الواقع، على مر العقود، كشف عن هوة سحيقة بين الخطاب والممارسة، وبين
ما تعلنه فرنسا على منابر العالم، وما تمارسه فعليًا داخل حدودها وخارجها.
لقد بدأت الأقنعة تتساقط، وظهرت الحقائق جلية، حتى بات من الصعب تجاهل
التناقض الصارخ بين الشعارات البراقة وسلوك الدولة الفعلي.
انكشاف زيف الشعارات الفرنسية
لم تعد دعاوى فرنسا بشأن حماية الحريات سوى واجهات زائفة تخفي وراءها
سياسات ممنهجة من التمييز والإقصاء، فكيف يمكن لدولة تدّعي التنوير أن تُضيّق
الخناق على طائفة كاملة من مواطنيها بسبب معتقداتهم الدينية؟ وكيف لبلد يُقدَّم
كرمز للحداثة، أن يُعلي من شأن الكراهية تحت عباءة «اللائكية»؟
لقد خُدع كثيرون ببريق «بلاد النور»، حتى ظنها البعض ملاذًا للعدل والتسامح،
لكنهم غفلوا عن الوجه القبيح الذي عرفته شعوب كثيرة، عانت ويلات الاحتلال الفرنسي،
وتذوقت مرارة الاستعلاء الحضاري، والعنصرية الثقافية، وتهميش كل ما هو مختلف.
إن تاريخ فرنسا في العالم الإسلامي ليس سوى سجل حافل بالجرائم والمآسي، واستعمار
دموي، وهدم للمقدسات، وطمس للهويات، ومحاولات حثيثة لفرض ثقافتها بالقوة، لم تكن
فرنسا مستعمِرة بالمعنى التقليدي فقط، بل كانت مستعمِرة للعقول والأرواح، تفرض
لغتها، وتُهمّش دين السكان، وتُحوّل المساجد إلى كنائس.
نهر السين شاهد على المجازر
من أقبح مشاهد ذلك التاريخ الأسود، ما حدث لأبناء الجالية الجزائرية في
باريس، حين خرجوا في مظاهرات سلمية في 17 أكتوبر 1961م، ليُقابَلوا بالقمع الوحشي،
حيث أُلقي المئات منهم في نهر السين وهم أحياء، في مشهد يصعب على الإنسانية تقبله
أو نسيانه، لقد أصبح نهر السين شاهدًا صامتًا على جريمة لا تزال فرنسا الرسمية
تُحاول التهرب من مسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية.
وتبقى الجزائر الجرح المفتوح في جسد الأمة الإسلامية، والنموذج الأبشع لبطش
فرنسا الاستعمارية، فقد أزهقت فيها أرواح الملايين، ومُورست بحق أبنائها كل أصناف
التنكيل والتعذيب، من الإبادة الجماعية، إلى التهجير القسري، إلى محاولة محو
الهوية الدينية والثقافية للشعب الجزائري، ومع ذلك، لم تنكسر عزيمتهم، ولم يخضعوا،
حتى انتزعوا استقلالهم بشرف ودماء وتضحيات لا تُنسى.
ظن البعض أن السلوك العنصري مقتصر على المستعمرات، وأن فرنسا المتحضرة
تختلف في جوهرها عن ممارسات جنودها في الخارج، لكن الوقائع أثبتت أن فرنسا في
قلبها –في شوارع باريس وليون ومرسيليا– لا تقل عنفًا ولا كراهية، فالعنصرية ليست
طارئة، بل متجذرة، وتتغلغل في مفاصل الدولة، وتظهر في نظرات الشارع، وفي سياسات
البلديات، وفي مواقف النخب السياسية والثقافية.
خطاب الكراهية وثقافة التمييز في مؤسسات الدولة
الأخطر من السلوك الفردي، هو ذلك الذي تمارسه الدولة بمنهجية، تحت مسمى
الحفاظ على النظام العام، أو حماية قيم الجمهورية، فخطاب الكراهية ضد المسلمين
يتسلل إلى مناهج التعليم، ويُكرّس في القوانين، ويُغذى في وسائل الإعلام، ويُبرر
على لسان مسؤولين حكوميين، إن فرنسا اليوم، بدلاً من أن تكون نموذجًا للتعايش،
تحولت إلى أرض خصبة لخطاب الانقسام، وسياسة التمييز، وثقافة الشك والخوف من الآخر
المسلم.
لطالما تغنت فرنسا بمفهوم «اللائكية» (laïcité) كأحد أعمدة
جمهوريتها الحديثة، مدعية أنها ضمانة للحرية الدينية، وحياد الدولة تجاه جميع
الأديان، غير أن التطبيق العملي لهذا المبدأ كشف عن تحريف واضح له وتحويله من فكرة
قانونية إلى أداة أيديولوجية لقمع دين بعينه؛ الإسلام، وهكذا تحولت اللائكية من
مبدأ يُفترض أن يحمي الحريات، إلى سلاح سياسي وإعلامي يُشهر في وجه المسلمين دون
غيرهم.
واللائكية، في صورتها الأصلية، نشأت لفصل المؤسسة الدينية عن الحكم، لا
لفصل الدين عن الحياة، ولا لإقصاء المتدينين من المجال العام، لكن ما يُمارس اليوم
في فرنسا هو محو للهويات الدينية من الفضاء العام، لا سيما الهوية الإسلامية، تحت
ذريعة «الحياد»، فالدولة التي تُفترض فيها الحيادية، أصبحت تتدخل في أدق تفاصيل
التعبير الديني، من اللباس إلى السلوك، وتفرض وصايتها على ضمير الأفراد.
ازدواجية المعايير تجاه الإسلام والمسلمين
فرنسا تُظهر تساهلًا لافتًا مع تعبيرات دينية معينة، وتمنحها حرية التعبير،
بل وتدافع عنها حين تُنتقد، بينما تضيق الخناق على مظاهر الإسلام، تُدافع عن حرية
السخرية حين تُهان المقدسات الإسلامية، وتستنكر الإرهاب الفكري إن رُد على هذه
الإهانات، لكنها في الوقت ذاته تُجرّم أي انتقاد لمحرّمات يهودية أو قومية،
وتُعامِل المسلمين كمشتبه بهم دائمين، إنها سياسة الكيل بمكيالين، بل نفاق مكشوف.
لقد باتت «الإسلاموفوبيا» ظاهرة ممنهجة في المجتمع الفرنسي، وليست مجرد
مواقف فردية، المسلم في فرنسا يعيش تحت مجهر الشك، وتُحمّله الدولة والإعلام
مسؤولية كل حدث أمني، بل تُطالبه بإثبات ولائه لفرنسا في كل مرة، يُعامل المواطن
المسلم كغريب، ويُختزل في رموزه الدينية، ويتعرض للإقصاء الوظيفي والتهميش
الإعلامي والتجريم القانوني.
ومن أكثر ملامح هذا القمع وضوحًا، الحرب المستمرة ضد الحجاب، فالمرأة
المسلمة تُمنع من ارتداء الحجاب في المدارس، ثم الجامعات، ثم في بعض الوظائف،
وصولًا إلى منع الأمهات المحجبات من مرافقة أطفالهن في الرحلات المدرسية، بل بلغ
الأمر حداً أصبحت فيه قطعة قماش تُعامل كتهديد أمني، وتُناقش في البرلمان، وتُجرّم
في الإعلام، أما اللباس الشرعي الكامل (كالنقاب)، فقد صار مجرمًا رسميًا، يُعرض
صاحبته لغرامات وملاحقات.
لم يعد كثير من المسلمين في فرنسا يشعرون بالأمان، لا في مساجدهم، ولا في
أماكن عملهم، ولا حتى في شوارعهم، بات الخوف من الاعتداءات العنصرية، أو الرقابة
الأمنية، أو التمييز الوظيفي جزءًا من يومياتهم، تُغلق المساجد بتهم فضفاضة، وتُحل
الجمعيات الإسلامية الخيرية دون محاكمات عادلة، ويُمنع الأئمة من الخطابة إذا لم
تتوافق مضامينهم مع قيم الجمهورية.
جرائم الكراهية وأمثلة واقعية
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا مرعبًا في جرائم الكراهية ضد المسلمين؛ من
اعتداءات جسدية على نساء محجبات، وتخريب مساجد، وتهديدات بالقتل، بل وحتى عمليات
قتل صريحة بدوافع عنصرية، وغالبًا ما تُقلّل وسائل الإعلام من حجم هذه الجرائم، أو
تُبررها، أو تتعامل معها بفتور شديد، في مقابل التهويل الفوري لأي حادث يُنسب
لمسلم.
في فرنسا اليوم، لم يعد من الغريب أن يتحول المسلم من ضحية إلى متهم، فالمرأة
التي تُعتدى عليها بسبب حجابها، تُلام لأنها استفزت المجتمع بلباسها! والمؤسسة
الإسلامية التي تُغلق بحجة التطرف، لا تُمنح حق الدفاع، حتى الطفل المسلم الذي
يرفض تناول لحم الخنزير في المدرسة، يُعتبر «مشروع متطرف» ويُستدعى والداه للتحقيق،
إنها عقلية تُجرّم الوجود المسلم نفسه.
لقد تحوّل الحق في ممارسة الشعائر الإسلامية إلى امتياز مشروط، تُحدده
الدولة وفق أهوائها، تصدر القوانين التي تمنع الذبح الحلال، وتُضيق على بناء
المساجد، وتُفرض رقابة مشددة على الخطاب الديني، وتُشترط الموافقة الأمنية لكل
نشاط دعوي أو تعليمي، هذا ليس دفاعًا عن العلمانية، بل انتهاك صارخ لحرية الدين
التي تضمنها المواثيق الدولية، وتدّعي فرنسا احترامها.
تبرير العنف باسم «العلمانية»
الأدهى أن كل هذا القمع يُبرر باسم العلمانية وقيم الجمهورية، وكأن
العلمانية تحولت من مبدأ حياد إلى دين جديد، لا يُقبل فيه سوى تفسير واحد، ولا
يُسمح فيه بالاختلاف، ومن يخرج عنه يُقصى ويُشيطن ويُحاصر، وهكذا أصبح الإسلام
ضحية مشروع سياسي، يُخفي عداءه الأيديولوجي خلف قناع القانون والنظام العام.
ورغم أن الاستعمار الفرنسي في العالم الإسلامي قد انتهى رسميًا، فإن آثاره
لم تُمحَ، بل تجلّت مجددًا داخل فرنسا نفسها، عبر السياسات العنصرية، والتهميش
المنهجي، والنظرة الدونية للمنحدرين من الشعوب المستعمَرة سابقًا، لم تكن جرائم
فرنسا في الجزائر مجرّد انحراف، بل كانت انعكاسًا لعقلية متجذّرة في البنية
السياسية والثقافية للدولة الفرنسية.
من الاستعمار العسكري إلى الثقافي
فرنسا، وإن انسحبت عسكريًا من مستعمراتها، فإنها لم تتخلّ عن مشروعها في
فرض الهيمنة الثقافية واللغوية، فرضت لغتها وثقافتها كنموذج متحضر، واعتبرت ما
عداه بدائيًا متخلفًا، خاصة ما يتعلّق بالثقافة الإسلامية، ولا تزال تُمارس ضغطًا
ناعمًا على الجاليات المسلمة في فرنسا لتذويبها داخل النموذج الفرنسي الأحادي، حتى
لو كان على حساب هوياتهم وديانتهم.
وأبناء المهاجرين من الجزائر والمغرب وتونس وغيرها، الذين وُلدوا في فرنسا، لا يزالون يُعاملون كمواطنين ناقصي الهوية، تسكن غالبيتهم في الضواحي المهمّشة، ويواجهون تمييزًا وظيفيًا وتعليميًا ممنهجًا، حتى لو حصلوا على شهادات عليا، تظل أسماؤهم وألوانهم حواجز غير مرئية أمام اندماجهم الكامل، كأن فرنسا تُريدهم بلا هوية، بلا دين، وبلا ماضٍ.
حتى اليوم، ترفض الدولة الفرنسية الاعتراف الكامل بجرائمها الاستعمارية،
ناهيك عن تقديم أي اعتذار رسمي، تصف مجازرها بـ«الأخطاء»، وتُعرقل محاولات البحث
في أرشيفها الأسود، بل تُجرّم أحيانًا الأصوات التي تُحيي هذه الذاكرة، وتتهمها بتقويض
الوحدة الوطنية، والهدف واضح؛ إخفاء الماضي، حتى لا يُفضح الحاضر.
وليست السياسات وحدها ما يُشكل العقلية الجمعية، بل الإعلام والمدرسة أيضًا،
وهنا تمارس فرنسا دورًا مزدوجًا في تغذية الصورة النمطية عن الإسلام، وتثبيت رواية
أحادية للتاريخ، تتجاهل المظالم، وتُشيطن الآخر.
وتُهيمن على الإعلام الفرنسي سرديات تُصور المسلم كمصدر خطر وتهديد، حتى لو
لم يُرتكب أي جُرم، يربط بين الإسلام والإرهاب، وبين الحجاب والتطرف، ويُقدّم
تقارير منحازة تُضخم الحوادث وتُحمّل المسلمين مسؤولية جماعية، لا يُستضاف في
المنابر الإعلامية إلا من يهاجم الإسلام أو ينقده من داخله، في حين تُقمع الأصوات
المعتدلة.
وتُدرّس المناهج الفرنسية تاريخًا مشوّهًا عن الاستعمار، يُركّز على التمدين
ونشر الحضارة، ويتجاهل المجازر والنهب والعبودية، لا يتعلم الطلاب شيئًا عن مجازر
17 أكتوبر 1961م، أو تعذيب الجزائريين، أو حرق القرى، بل تُصوّر الدولة الفرنسية
نفسها كمنقذ لا كمحتل، وهكذا تُنقَل الكراهية المبطّنة من جيل إلى جيل.
سقوط الأقنعة.. ومسؤولية المواجهة
لم تعد فرنسا قادرة على إخفاء تناقضاتها، فقد سقط قناع حقوق الإنسان، وسقط
قناع الحرية، وسقط قناع العلمانية المتسامحة، وبات واضحًا أن ما يُمارس ضد
المسلمين في فرنسا ليس سوى امتداد لعقلية استعمارية قديمة، اتخذت أشكالًا جديدة.
إن مسؤولية المواجهة لا تقع على المسلمين وحدهم، بل على كل أحرار العالم،
من داخل فرنسا وخارجها، ممن يؤمنون بالعدالة وحقوق الإنسان الحقيقية، يجب فضح
النفاق، وكشف التمييز، والدفاع عن حرية العقيدة، وحق الإنسان في أن يكون مسلمًا
فرنسيًا، دون أن يُجبر على التنازل عن هويته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً