مدير مركز «منبر» للبحوث والدراسات بألبانيا ‏في حوار ‏لـ«المجتمع»..‏

د. فريد بيكو: خطابنا الديني نوجهه عبر التدريب والبحث ‏العلمي ‏وبناء جسور التواصل

هاني صلاح

19 يناير 2026

195

في بلدٍ خرج من قبضة نظام شيوعي عمل عقوداً على تجفيف منابع الدين وتشويه صورته، لم يكن استعادة الخطاب الديني مسألة عودة شعائر فحسب، بل معركة وعي ومعرفة ومنهج.

من هذا السياق المركّب، يطلّ د. فريد بيكو، مدير مركز «منبر» للبحوث والدراسات في ألبانيا، بوصفه أحد أبناء الجيل الذي انتقل من الفراغ الإيماني إلى التأسيس العلمي الواعي، ومن الجهد الفردي إلى المشروع المؤسسي المنظّم.

في هذا الحوار لـ«المجتمع»، يفتح د. بيكو نافذة على واقع الخطاب الديني في ألبانيا، ويكشف خلفيات تأسيس مركز «منبر»، وتحديات العمل البحثي في مجتمع متعدّد الأديان، ورهانات بناء خطاب ديني وسطي، قادر على مخاطبة المجتمع كله بلغة العلم والمسؤولية.

  • نودّ التعريف بضيفنا الكريم، حدّثنا عن مسارك العلمي والفكري.

- اسمي فريد بيكو، من مواليد 14 أكتوبر 1975م، في ألبانيا بمحافظة ديبرا، تلقيت تعليمي العام في ظل النظام الشيوعي، ثم مع سقوطه في تسعينيات القرن الماضي انفتحت أمامي فرصة التعرّف إلى الدين، فاخترت دراسة الإسلام ضمن الجيل الأول من الشباب المتدينين بعد تلك المرحلة.

بدأت دراستي في ألبانيا، ثم واصلتها في مصر واليمن حيث أنهيت المرحلة الجامعية والماجستير، قبل أن أُكمل دراساتي العليا وأحصل على الدكتوراة في إسطنبول، ومنذ عام 2002م، أعمل في إلقاء الدروس بالمساجد، والتواصل مع الشباب والجاليات في المهجر، إلى جانب الكتابة والمشاركة في المؤتمرات العلمية داخل البلاد وخارجها.

  • ما أبرز التجارب التي شكّلت رؤيتك للمعرفة والدين ودور الباحث؟

- شكّل الخطاب الذي روّجه النظام الشيوعي عن الدين دافعاً لي للتعمّق في دراسة الإسلام بوصفه دين العقل والحجة والتوازن، ومن هنا بدأ اهتمامي بالإعجاز القرآني والنبوي وربطه بالعلم والتقدّم، إلى جانب السعي لتصحيح الصورة النمطية عن رجل الدين عبر الجمع بين العلوم الدينية والمعرفة الإنسانية، وهو ما أثبت مع الزمن أن الالتزام الديني لا يتعارض مع العلم والحياة، بل يثريهما.

  • متى شعرتَ بأن العمل المؤسسي فيما يتعلق بالخطاب الديني أصبح ضرورة؟

- تبلورت قناعتي بهذه الضرورة انطلاقاً من إيماني بأن البناء يبدأ فردياً، لكن التنظيم والتأثير الحقيقيين لا يتحققان إلا بالعمل الجماعي، ومن هنا برزت الحاجة إلى تنظيم الأنشطة والخدمات الموجَّهة للمجتمع، بما في ذلك الخطاب الديني والبحث العلمي.

وأرى أن الوعّاظ ومراكز البحث والمؤسسات الدينية مدعوون إلى ترسيخ ثقافة التعاون وبناء منصات مشتركة تعالج قضايا المجتمع بأسره، لا شؤون المتدينين فقط، إذ إن الخير المنظَّم وحده قادر على الصمود في مواجهة التحديات.

  • كيف وُلدت فكرة مركز «منبر» للبحوث والدراسات؟ ولماذا كان تأسيسه ضرورة؟

- يُعدّ الانخراط الفكري والعمل البحثي مؤشراً على نضج أي جماعة واستعدادها لأن تكون عنصراً فاعلاً في معالجة مشكلات المجتمع، ومن هذا الوعي نشأت فكرة مركز «منبر»؛ للإسهام في توجيه الخطاب الديني العام، والتعامل مع قضايا المجتمع، وتقديم حلول مستندة إلى التعاليم القرآنية والنبويّة.

وكان من أبرز دوافع التأسيس ما أراه نقطة ضعف لدى مسلمي ألبانيا؛ فعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على استعادة الحرية الدينية وتوفر كفاءات أكاديمية متميزة، لا تزال المؤسسات البحثية المتخصصة محدودة، وهو ما ينعكس بوضوح على مستوى الخطاب الديني العام.

  • ما أبرز تحديات الخطاب الديني والفكر الإسلامي في ألبانيا؟

- التحديات متعددة، ونحن لا نزعم أننا نقدّم حلولاً شاملة لها جميعاً، غير أن بعض القضايا باتت ملحّة، وفي مقدمتها ضعف تقنيات الخطاب الديني؛ إذ لم يعد الداعية يخاطب جماعة مسجده فقط، وإنما جمهور أوسع، ولا سيما في مجتمع متعدّد الأديان كما هي الحال في منطقة البلقان، وهذا يفرض وعياً أعمق بالسياقات التاريخية والهوية الوطنية، إلى جانب الأبعاد الاجتماعية والنفسية، ومن هذا المنطلق، يعمل المركز على تنظيم دورات تدريبية دورية لترشيد هذه الجوانب وتوجيهها الوجهة الصحيحة.

  • كيف يحدّد مركز «منبر» رسالته العلمية ومنهجيته؟

- تتمثل رسالة المركز في توجيه الخطاب الديني وتحسينه، من خلال التدريب، والبحوث التاريخية والاجتماعية، وبناء جسور التواصل بين الوعّاظ والمتخصصين في مجالات أخرى، إلى جانب التواصل المستمر مع الجمهور عبر المؤتمرات، والبرامج الإعلامية، والبودكاست، والمشاركة في وسائل الإعلام.

وترتكز فلسفتنا على أن الرسالة الدينية موجّهة إلى المجتمع كله، بوصفها خطاباً وسطياً مرناً، لا يقتصر على الجانب العقدي، بل يقدّم حلولاً عملية لمختلف مجالات الحياة، مع مراعاة خصوصيات الواقع المحلي.

  • ما أبرز برامج المركز لتطوير الخطاب الديني؟

- تحرص أنشطة المركز على تحقيق توازن دقيق بين اهتمامات الجمهور والصياغة الأكاديمية الرصينة، من خلال تناول القضايا التي تشغل المجتمع بلغة تخاطب العقل والمنطق، دون الاكتفاء بالبعد العاطفي.

وفي هذا الإطار، ينظم المركز مؤتمرات وندوات علمية، ويصدر مقالات وكتباً، ويُنجز دراسات وبحوثاً دينية وتاريخية، مع تقديم هذه الأنشطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأساليب معاصرة، مع الحفاظ الصارم على المعايير الأكاديمية والجدية العلمية.

  • كيف يوازن المركز بين الخصوصية الألبانية والقضايا الإسلامية العامة؟

- شهدت مرحلة ما بعد الشيوعية ترجمة واسعة للكتب الإسلامية إلى اللغة الألبانية، غير أن ذلك ترافق مع إهمال نسبي للخصوصية الألبانية وتراث علمائها، ومن هنا جاء تركيز المركز على إحياء هذا التراث، وتسليط الضوء على تاريخنا الديني والعلمي، بما يتيح بناء خطاب ديني متوازن، قادر على التموقع الصحيح محلياً، والانفتاح الواعي إقليمياً ودولياً.

  • ما فلسفتكم في إعداد الباحث الديني علمياً ومنهجياً وأخلاقياً؟

- على الرغم من توفر كفاءات علمية مؤهلة، فإن الثقافة الأكاديمية المؤسسية ما تزال ضعيفة، ومن هنا نركّز على ترسيخ أهمية الدراسات الأكاديمية الرصينة، ودعم الكفاءات القائمة، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، مع تشجيع التخصص العميق، ولا سيما في الدراسات التاريخية والاجتماعية والنفسية المرتبطة بواقع مجتمعنا.

  • ما أبرز التحديات التي تواجهكم في العمل البحثي والمؤسسي؟

- من أبرز التحديات ضعف الاهتمام المجتمعي بالدراسات المعمّقة، خاصة في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي التي تميل إلى الرسائل السريعة والمختصرة، كما يشكّل ضعف التمويل عائقاً حقيقياً أمام استدامة العمل البحثي؛ ما يدفع بعض الكفاءات العلمية إلى الهجرة أو العمل خارج المجال الأكاديمي.

  • كيف تتعاملون مع حساسية بعض القضايا الدينية والفكرية في ظل الاستقطاب؟

- نستلهم في ذلك تجارب العلماء الكبار الذين راعوا خصوصيات البيئات والسياقات المختلفة، وفي ظل حالة الاستقطاب القائمة اليوم، نؤمن بأن الخطاب الديني يحتاج إلى قدر عالٍ من الحذر، وإلى فهم عميق للواقع الاجتماعي والثقافي، بما يضمن معالجة القضايا الحساسة بوعي ومسؤولية.

  • كيف يؤثر ضعف ثقافة البحث وقلة الموارد على مراكز الدراسات الدينية؟

- يؤثر ذلك تأثيراً بالغاً في أداء مراكز الدراسات الدينية واستمراريتها، ولا يمكن تجاوزه إلا من خلال تعزيز ثقافة البحث العلمي، وتوفير الدعم المالي الكافي، وتشجيع الكفاءات الشابة على الانخراط في هذا المجال وبناء مسار بحثي مستقر.

  • ما أبرز إنجازاتكم؟

- على الرغم من حداثة تجربة المركز، فقد بدأ يرسخ حضوره تدريجياً بوصفه مرجعية موثوقة في مجالي الفكر الديني والدراسات العلمية، مع إدراك دائم لأهمية التوسع والتطوير المستمرين.

وقد أظهرت الاستبيانات والملاحظات الميدانية تزايداً ملحوظاً في الاهتمام ببرامج المركز، وارتفاعاً في مستوى التفاعل معها، إلى جانب تنامي التوقعات الإيجابية تجاه أنشطته ومساراته المستقبلية.

  • ما رؤيتكم المستقبلية؟

- نطمح، بعون الله، إلى تطوير المركز ليغدو مرجعية فكرية وأكاديمية راسخة، تضم أقساماً متخصصة، ومعهداً للتدريب، وأكاديمية تُعنى بإعداد الكفاءات الشابة في مجالي الدراسات الدينية والاجتماعية.

ونسعى إلى أن يكون المركز فضاء للثقة والتكامل، ينهض بمستوى الوعي الديني والإنساني، ويسهم في توحيد المجتمع لا في تقسيمه، على غرار منبر المسجد الذي يجمع الناس جميعاً بخطاب رشيد يسمو بالوعي ويخدم المجتمع بأسره.

كما تحتل الشراكات العلمية مكانة محورية في رؤيتنا المستقبلية، لما لها من أثر بالغ في تعزيز التواصل الأكاديمي، وبناء جسور البحث المشترك، وتبادل الخبرات والمعارف.

وفي السياق ذاته، نؤكد أهمية دعم البحث العلمي، وتأهيل الكفاءات، وتطوير أساليب الخطاب الديني، بما يواكب التحولات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات، ويعزز قدرته على الاستجابة لتحديات العصر.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة