فقه الجمهور في الخطاب الدعوي
بينما ينشغل
الداعية بإعداد ما سيقوله لجمهوره، هناك من ينشغل بإعداد الجمهور نفسه!
لم تعد المشكلة
في عصرنا أن الناس لا يجدون من يخاطبهم بالدين، بل ربما في أن كثيراً ممن
يخاطبونهم به لا يعرفون العالمَ الذي يعيش فيه جمهورهم، ولا الأفكارَ التي تتشكل
في عقولهم، ولا الأسئلة التي تتزاحم في نفوسهم.
فبينما يُعدّ
الداعية موضوعه، يكون جمهوره قد استهلك ساعات من المحتوى الرقمي، وتلقى عشرات
الرسائل الفكرية والقيمية، وتأثر بمنصات وشخصيات تصنع له تصورات عن الحياة والدين
والنجاح والسعادة والحرية، وهكذا قد يجلس الإنسان في درس علم أو يستمع إلى محاضرة
دعوية، وهو يحمل في ذهنه عالماً كاملاً لم يخطر ببال المتحدث أن يتعرف إليه.
جمهور تغيّرت خريطة وعيه
لم يعد الجمهور
كتلة متجانسة تتلقى المعرفة من مصادر محدودة؛ فقد أصبحت المنصات الرقمية فضاءات
تتنافس فيها المرجعيات، وتتشابك فيها الحقائق مع الآراء والشائعات، والتوجيه مع
الترفيه والتفاهات، ولم يعد التحدي مقتصراً على اختلاف اللغة بين الأجيال، بل امتد
إلى اختلاف طرائق التفكير والتلقي ومصادر الثقة ومعايير الحكم على الأشياء.
وأصبح الشاب
يتلقى يومياً رسائل متناقضة من صناع محتوى ومؤثرين ومؤسسات إعلامية وفكرية، وقد
تتشكل لديه قناعات راسخة بفعل التكرار والتعرض المستمر للفكرة، دون أن يمر بتجربة
نقدية كافية لمراجعتها.
ومع الخوارزميات
واقتصاد الانتباه، لم تعد المنافسة على تقديم المعرفة وحدها، بل على انتزاع وقت
الإنسان وتوجيه اهتمامه، ولذا ترصد المنصات أنماط اهتمام الجمهور وسلوكه أكثر مما
يفعل بعض الدعاة والمؤسسات الدعوية، والسؤال: لماذا يشاهدونه؟ وما الحاجة النفسية
أو المعرفية التي يجدون إشباعها فيه؟ وما الذي يجدونه في تلك المنصات ولا يجدونه
في خطابنا الديني والدعوي؟
قد لا تكون
المشكلة في قوة المحتوى المنافس، بل ربما في سؤال لم نمنحه حقه، أو في حاجة
إنسانية لم نحسن الإصغاء إليها.
حين يتأخر الداعية عن جمهوره
ليس المطلوب من
الداعية أن يلاحق كل جديد، أو أن يحوّل خطابه إلى استجابة عابرة لكل اتجاه رقمي،
وإنما المطلوب أن يدرك أن ثبات المرجعية لا يستلزم جمود الوسائل، وأن المحافظة على
الأصول لا تعني تجاهل التحولات التي طرأت على الإنسان وبيئته.
قد يحذر الداعية
من الشبهات دون أن يعرف طبيعتها وصيغ انتشارها، أو ينتقد المؤثرين دون أن يفهم
أسباب تعلق الشباب بهم، وربما يفسر ابتعاد بعضهم عن الخطاب الدعوي بأنه ضعف في
التدين، بينما تكون المشكلة أحياناً في لغة الخطاب أو عجزه عن ملامسة أسئلتهم
الحقيقية.
فيأتي شاب يسأل
عن علاقاته في البيئة الرقمية، أو عن معنى الحرية والخصوصية على وسائل التواصل
الاجتماعي، فيتلقى إجابة عامة لا تلامس تجربته ولا تجيب عن قلقه، وهنا يظهر الفرق
بين أن يجيب الداعية عن السؤال الظاهر الذي أعدّه الشاب مسبقًا، وأن يكتشف السؤال
الذي جاء به المستمع حقاً ولم يحسن التعبير عنه.
إن الحكمة التي
أرشد إليها كتاب الله تعالى في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)
(النحل: 125)؛ تقتضي معرفة أحوال المخاطبين، واختيار ما يناسبهم من خطاب
دون إخلال بحقيقة الدعوة وثوابتها، وعلى أساس هذه المعرفة يكون حسن الخطاب
والجواب.
فقه الجمهور وفقه الواقع
نحتاج اليوم إلى
ترسيخ ما يمكن تسميته «فقه الجمهور»، بوصفه بُعداً معرفياً وتطبيقياً في العمل
الدعوي، وامتداداً لفقه الدعوة وفقه الواقع، «فقه الجمهور» الذي يمكن تعريفه بأنه
معرفة البيئة الفكرية والنفسية والاجتماعية والإعلامية التي يتشكل فيها وعي
المدعوين، وإدراك اهتماماتهم وأسئلتهم ومرجعياتهم واحتياجاتهم، بما يعين على بناء
خطاب دعوي حكيم مناسب لهم.
هذه المعرفة لا
تكتمل برصد المنصات والمحتوى الذي يتابعه الناس فحسب، بل تحتاج إلى الإصغاء إليهم
ومخالطتهم وفهم دوافعهم وتجاربهم، فالاستبيانات وتحليل المحتوى مفيدة، لكنها لا
تغني عن الحوار والمجالس والإنصات.
ويمكن تحويل هذا
الفقه إلى ممارسة منهجية عبر 5 خطوات: رصد البيئات والمحتويات المؤثرة أولاً، ثم
الإصغاء إلى أسئلة الناس وتعليقاتهم وتحليلاتهم ثانياً، ثم تحليل دوافعهم
وتصوراتهم واحتياجاتهم ثالثاً، ثم الاستجابة إلى كل ذلك ببناء خطاب ديني يناسب
احتياجاتهم ويحاكي أفهامهم رابعاً، ثم يتم تقييم ذلك الخطاب وتقويمه بناء على أثره
في فهمهم وسلوكهم خامساً، وقد تحتاج المؤسسات الدعوية في سبيل تحقيق ذلك إلى فرق
علمية تجمع بين المعرفة الشرعية والعلوم الاجتماعية والتربوية والإعلامية.
وهنا نؤكد أن
معرفة الجمهور لا تعني استرضاءه ولا جعل رغباته معياراً للحق والباطل؛ وإنما تعني
أن نفهم الإنسان لنحسن مخاطبته، وأن نعرف موضع حاجته لنحسن بيان ما يحتاج إليه.
تجديد الخطاب الدعوي
إن تجديد الخطاب
الدعوي لا يبدأ بتغيير الكلمات والمنصات فحسب، بل يبدأ بتجديد معرفة الداعية بمن
يخاطبهم، فالداعية لا يواجه جمهوراً فارغ الذهن ينتظر أن يملأه بالمعرفة، بل يواجه
عقولاً تشكلت بالفعل، وقلوباً تعلقت بأشياء، ونفوساً تحمل أسئلة وتجارب ومواقف،
وليس المطلوب من الداعية أن يتحدث بلغة عصره فحسب، بل أن يفهم الإنسان الذي صنعه
هذا العصر.
إن وراء كل وجه
يجلس أمام الداعية قلباً له حكاية، وعقلاً تحاصره الأسئلة، ونفساً تخوض معارك لا
يراها أحد، وقد يكون بين يديه شاب يبحث عن يقين، أو حائر يتلمس طريقاً إلى رب
العالمين، أو قلب أثقلته الشبهات والشهوات ولا ينتظر موعظة أخرى بقدر ما ينتظر من
يفهمه ويأخذ بيده إلى الطريق المستقيم.
الدعوة إلى الله
ليست مجرد كلمات نلقيها ثم نمضي، بل هي أمانة السماء وعهد الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام من أجل هداية الناس أجمعين، وما قيمة إعداد الخطاب إذا لم يجد الخطاب
طريقه إلى عقول الناس وقلوبهم؟!
وليس أشد إيلاماً
من أن يكون الناس في أمسّ الحاجة إلى نور الوحي ثم لا يجدوا فيمن يحمله من يحسن أن
يأخذ بأيديهم إليه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً