فقه الحرب في الإسلام.. قراءة بيانية في دستور الأخلاق النبوية

منذ أن عرفت البشرية الصراعات، كانت الحرب مرادفة للخراب، وصورة مطابقة لتوحش الإنسان إذا غابت عنه الرقابة، وتاريخ الحروب قديما وحديثا يقطر دما وظلما؛ من "سياسة الأرض المحروقة" إلى "الإبادة الجماعية" ووصولًا إلى القنابل الذكية التي لا تفرق بين طفل ومقاتل، وما يحدث الآن في الواقع مما لا تخطئه عين مبصر خير دليل على ذلك.

لكن، في قلب الصحراء العربية، وقبل أربعة عشر قرنًا، خرج صوتٌ لا يهمس بالانتقام، بل يصدح بالعدل في أشد اللحظات حرجًا. إن حديث بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه- الذي يسوق لنا وصايا النبي ﷺ لقادة جيوشه، ليس مجرد "تعليمات عسكرية"، بل هو "بيان حقوقي عالمي" صاغته النبوة لتهذيب النزعة القتالية، وتحويل المعركة من "انتقام للذات" إلى "انتصار للقيم". إننا أمام نصٍّ يجمع بين جلال الوحي، ودقة التشريع، وجمال البيان، ليرسم للمحارب خارطة طريق تبدأ بـ "تقوى الله" وتنتهي بـ "رحمة الخلق".

عَنْ ‌سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ:

‌«اغْزُوا ‌بِاسْمِ ‌اللهِ، ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ (أَوْ خِلَالٍ)، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» (رواه مسلم)

من التجليات اللغوية والبيانية

يقول الراوي: "كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرًا... أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا".

تبدأ البلاغة النبوية هنا بـ "التقديم والترتيب"؛ حيث قدم التقوى على الخطة العسكرية. والتقوى في اللغة هي "الوقاية"، وكأن النبي ﷺ يريد أن يقي القائد من طغيان نفسه قبل أن يقي جيشه من ضربات العدو. إن اقتران "تقوى الله" بـ "الخير للمسلمين" يرسخ مفهوم القيادة الأبوية لا السلطوية.

ثم يأتي الشعار الجامع: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله"..

فاستخدام "الباء" في "باسم الله" للمصاحبة والاستعانة، و"في" في "سبيل الله" للظرفية والغاية. هذا الحصر البياني يخرج الحرب من دائرة المغنم، والقومية، والثأر إلى دائرة "العبادة"؛ فالمحارب هنا لا يقاتل لنفسه، بل هو يدٌ لله تنفذ عدله، ومن كان يقاتل "باسم الله" فلا يمكن أن يظلم، ومن كان "في سبيل الله" فلا يمكن أن يفسد.

من بلاغة النهي الجازم

يأتي النهي في الحديث متتابعًا بصيغة الجزم، وهو ما يعطي إيقاعًا حازمًا يقطع الطريق على أي تأويل:

- "لا تغلوا": الغلول هو الخيانة في الغنيمة. والبدء به تطهير لليد من الطمع.

- "ولا تغدروا": الغدر هو نكث العهد. وهنا نجد عظمة الإسلام؛ فالوفاء بالعهد واجب حتى مع "العدو المحارب"، وهو سموٌّ أخلاقي لم تصل إليه "ميكافيلية" السياسة الحديثة.

- "ولا تمثلوا": التمثيل هو تشويه جثث القتلى. والنهي هنا هو "تكريم للإنسان" من حيث هو إنسان، حتى وإن كان عدوًا صريح العداء.. إنها حرب فرسان لا حرب ضباع.

- "ولا تقتلوا وليدًا": هنا تظهر أنسنة الحرب في أطهر صورها وأبهاها؛ فالوليد رمز للبراءة والضعف، والنهي عن قتله يؤسس للقاعدة الفقهية: "لا يُقتل إلا من يقاتِل".

مهارة الخيارات المتدرجة.. الحوار قبل الصدام

تتجلى عبقرية الترتيب النبوي في قوله: "فادعهم إلى ثلاث خصال". هذا الترتيب ليس عفويًا، بل هو ترتيب منطقي وقيمي:

- الدعوة للإسلام: وهي قمة الإيثار؛ أن تتمنى لعدوك ما تحبه لنفسك من النجاة.

- الجزية: وهي عقد مدني بامتياز، يضمن للآخر حريته الدينية وحماية الدولة له مقابل مبلغ رمزي، وفي ذلك إشارة إلى أن الإسلام لا يُكره أحدًا على اعتناق الدين.

- القتال: ولم يأتِ إلا بعد استنفاد كل سبل السلم، ووصفه بـ"فاستعن بالله وقاتلهم"، وكأن القتال عبء ثقيل يحتاج الإنسان فيه لمدد إلهي لكي لا يزيغ فيه عن الحق.

الفلسفة السياسية في "الذمة" و"الحكم"

في الجزء الأخير من الحديث، نجد دقة بيانية وتشريعية مذهلة في قوله: "فلا تجعل لهم ذمة الله.. ولكن اجعل لهم ذمتك"، وفي هذا تأكيد على:

- التفريق بين المطلق والنسبي: ذمة الله كاملة لا تنقض، أما ذمة البشر فقد يعتريها النقص أو الخطأ. وهذا التوجيه النبوي يحمي "سمعة الدين" من أخطاء الأفراد؛ فإذا أخطأ القائد، يقال: "أخطأ فلان"، ولا يقال: "خان دين الله".

- التواضع المعرفي: فقوله ﷺ: "فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا"، هو قمة الإنصاف؛ إذ يغلق الباب أمام "الحق الإلهي" المدعى، ويفتح الباب لـ"الاجتهاد البشري" القابل للصواب والخطأ، وهو ما يجعل القائد دائمًا في حالة حذر وعدل.

مقارنة تاريخية.. الإسلام وغيره في الميدان

بينما كان الرومان يسبون النساء ويذبحون الأطفال في المدن المفتوحة، وبينما كانت الحروب الصليبية تفتخر بأن دماء الضحايا وصلت إلى ركب الخيول في القدس، وبينما نرى اليوم صواريخ تمسح أحياءً كاملة بمن فيها.. يبرز هذا الحديث ليعلن أن "أخلاق الحرب" ليست ترفًا، بل هي جوهر الدين.

الإسلام هو الوحيد الذي شرع "حقوق الإنسان" في قلب "ساحة المعركة"، وحوّل الجندي من آلة قتل إلى "داعية عدل".

إن هذا الحديث الشريف هو "الدرة الكامنة" في تراثنا العسكري والسياسي. لقد كشف لنا سحر البيان النبوي كيف يمكن للكلمة أن تقيد السيف، وللعقيدة أن تهذب القوة. إن عظمة الإسلام التي تتجلى في هذه السطور لا تكمن في القدرة على الفتح الجغرافي، بل في القدرة على الفتح القلبي والأخلاقي.

لقد وضع النبي ﷺ ميزانًا حساسًا: القوة بلا أخلاق طغيان، والأخلاق بلا قوة استكانة.

وبموجب هذا الحديث، يبقى المسلم محاربًا بقلب راهب، وقائدًا بضمير نبي. فما أحوج عالمنا اليوم، الذي تتقاذفه أهواء القوة العمياء، إلى العودة إلى هذا المنبع الصافي، ليستقي منه كيف تكون الحرب "ضرورة لتأمين السلم" لا "وسيلة لنشر الظلم". إن "سحر البيان" في هذا الحديث هو أنه جعل من المحارب "حارسًا للإنسانية" لا هادمًا لها.



اقرأ أيضاً:

- أخلاقيات للحروب في الإسلام.. كيف غيَّر النبي ﷺ مفهوم القتال؟

معاملة المدنيين أثناء القتال بين التوراة والقرآن

الحرب في الإسلام رحمة بالإنسان وصناعة للسلام

أخلاقيات الحرب.. مراعاة للشريعة وفهم للواقع

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة