فقه القلم من السُّنة النبوية (2 - 2)
فقه القلم
ومنهجيات الاستكتاب موضوع جديد ربما لم يطرق بابه من قبل، قد بينت في المقال الأول
بعض المنهجيات التي تتعلق بفقه القلم والكتابة من خلال السُّنة النبوية من عناصر
مهمة تتعلق بأوائل ما ينبغي أن يكون في خلد الكاتب وممسك القلم، فكانت البداية مع
الله أن تكتب له أولاً إخلاصاً وتوجهاً ومقصدًا، وهو ضمين القبول وبقاء الأثر.
وثنيت بأن على
الكاتب أن يكتب لنفسه أولاً ويعمد إلى أن يخاطب نفسه بما يدونه ويشاغل عملياً به، وألا
يكون ممن يقولون ما لا يفعلون، ويكتبون وينظّرون بما لا يستفيدون.
وانتهيت في
المقال السابق أن على الكاتب أن تكون الأمة في خلده عند كتابته نفعاً وإضافة
وتقوية ودفاعاً في أغراض متعددة وواجبات ماثلة حتمية في خدمة الأمة الإسلامية
وقضاياها، ولنكمل منهجيات الاستكتاب وفقه القلم في هذا المقال.
المنهجية الرابعة: اكتب في تخصصك وما فتح لك:
إن من أهم أغراض
فقه القلم والكتابة أن تلتزم بابك الذي فتح لك، وتخصصك الذي عكفت عليه دراسة
وتحصيلاً وإنتاجاً، فالعلم أبوابه كثيرة، وإن أخطر ما في استكتاب اليوم أن ترى
عالماً في الفقه يدوّن في السياسة كتاباً أو في الحديث وعلومه مقالاً، وآخر في
الهندسة يؤطر في اللغويات والأدبيات، وثالثاً في الطب والعلوم التطبيقية يسطر في
الأصول والعقائد، وغير هذا كثير في واقعنا.
وهنا لا نقلل
ممن كتب من هؤلاء في هذه الأغراض، ولا ننفي العلم عنهم فيما كتبوه، وإن كانت بعض
هذه الكتابات تعج بمضللات وبعضها سمجة في التناول والأطروحات، ولكن السؤال المهم:
لماذا لا أخدم علمي الذي أكرمني الله به واتسعت مداركي فيه وقراءاتي الطويلة في
جمعه واستيعابه؟!
إن البعد عن هذه
العلوم والتخصصات وجعلها ميدان الإبداع والإنتاج العلمي وتوجيه للقلم أورثنا تخلفاً
حضارياً في هذه العلوم، وبُعداً عن فقه الاستخلاف فيها، وتأخراً عن ركب من سبق
بمراحل وقطع عنا شوطاً بمفاوز.
والحقيقة أن
العالم في أمسّ الحاجة إلى الإصدارات العلمية والكتابات التخصصية التي يكتبها
أبناء العقيدة الإسلامية المرتبطون بالوحي الإلهي ومنهجه، فيخدمون علومهم الكونية
والطبية من منطلق دينهم وتعاليمه، ويربطونها بما ينبغي أن يربط به ولا ينفك عنه،
وينشغلون بهذه العلوم انشغال المحتسب الواقف على ثغره الذي صدره الله فيه وأوقفه
عليه.
الملائكة.. والكتابة المتخصصة
إن الله تعالى
جعل من أعمال ملائكته الكتبة لأعمال العباد تخصصات يختصون بها ويحصونها ويتتبعونها
بأقلامهم تدويناً وحصراً، فهذا مَلَك يكتب بقلمه الحسنات، وآخر يكتب السيئات،
وثالث يكتب المقادير، ورابع يكتب ما يتعلق بالأجنة عند تشكيلها ونفخ الصور بها،
وغيرهم يكتبون الوافدين على الجمع والجماعات ويحصون المسارعين إليها.. وغير هذا
كثير في دنيا الملائكة الكتبة الذين أوقفهم الله تعالى لتخصصاتهم وجمعوا بهذا
العمل منتهى الإحصاء والرصد والدقة، عندها تفهم معنى قوله تعالى عندما يمسك العباد
كتبهم قائلين: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) (الكهف: 49).
وقد جلت لنا السُّنة
النبوية بعضاً من هؤلاء الملائكة، فعند أحمد من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اشْتَكَى الْعَبْدُ
الْمُسْلِمُ، قِيلَ لِلْكَاتِبِ الَّذِي يَكْتُبُ عَمَلَهُ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ
عَمَلِهِ إِذْ كَانَ طَلِيقًا، حَتَّى أَقْبِضَهُ أَوْ أُطْلِقَهُ»، وعند البخاري
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ
الْجُمُعَةِ، جَلَسَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، يَكْتُبُونَ
كُلَّ مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ، طَوَتِ
الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ، وَدَخَلَتْ تَسْمَعُ الذِّكْرَ».
وكذلك ملائكة
ليلة القدر فقد سميت ليلة القدر كما قال العلماء: لما يكتب فيها للملائكة من
الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة لقوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان: 4)، وكل هذا دليل التخصصية التي تدفع إلى التركيز والدقة والإبداع
والإنتاج.
المنهجية الخامسة: واكب العصر لغة وطرحاً وطريقة:
فمن فقه القلم
أن تواكب العصر الذي تكتب فيه وتخاطبه بقلمك وكتابتك، هذه المواكب في إطار اللغة
أولاً وذلك بالجمع بين الأصالة والمعاصرة، فلا تقعر وتشدق وتشقق لما يصعب فهمه
ويبعد استعماله ويقصر لسانه على أفراد معينين وبيئة معينة، فتكاد لا تفهم شيئاً
بسبب هذا مما كتبه صاحبه، كما جاء عند البخاري عن عَلِيٌّ: «حَدِّثُوا النَّاسَ،
بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ».
وفي المقابل، لا
امتهان وتهميش وتسفيه يضيع جمال اللغة ومفرداتها وسحرها الذي أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم بقوله فيها: «إن من البيان لسحراً».
المنهجية السادسة: تحديد الفئة المستهدفة بالكتابة:
ومن فقه القلم
اختيار وتحديد جمهور الذي تكتب له والمعنين بطرحك وقلمك، فالكتابة للعلماء وطلبة
العلم، غير الكتابة للعوام والأطفال مثلاً، وكتاب في التخصص يحتاج من فقه القلم
ومصطلحات الفن ما لا يحتاج إليه في الرقائق والتربويات وما يصلح لقراءته لعموم
الناس، ومثال على ذلك: علماء الأمة الذين أثروا المكتبة الإسلامية بتنوع رائع في
التأليف والتصنيف، فأنت ترى منهم تفاوتاً مدروساً وملحوظاً عند كتابتهم، وذلك على
حسب من يقصدون ويخاطبون ويكتبون.
فالإمام أبو
حامد الغزالي مثلاً الذي كتب بقلمه في الأصول والفلسفة كما في المستصفى والتهافت،
اختلف قلمه في كتابته المتعلقة بالتربية والتزكية كما في بداية «المهتدي» و«الإحياء»،
والنووي الذي كتب محرراً في «الفقه» و«شرح صحيح مسلم» قلمه مختلف عن الذي كتبه في «الأذكار»
و«التبيان» وغيرهما.
وأما مواكبة
الطريقة فيكون القلم مراعياً ما جبلت عليه الأفكار وارتضاه العرف وصاحبه الواقع
كما جاء عند أحمد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى نَاسٍ مِنْ هَذِهِ
الْأَعَاجِمِ، قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ،
قَالَ: «فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ»، وَقَالَ ابْنُ بَكْرٍ: «وَنَقْشُهُ
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم بفعله هذا وما أشير
عليه فاستجاب له واتخذه طريقة في كتاباته.
العمق التاريخي لحركة الترجمة
وقد أعجبتني
فكرة الاستكتاب فيما يعرف بحركة الترجمة لما يؤلفه الآخرون من الغربيين، فوجدت أن
فيها خيراً يضاف إلى الإبداع الصادر من التأليف الداخلي، وهو استخدام القلم
وتوجيهه في نقل ما كتبه الآخرون وتذليله من باب التعرف على ثقافات الآخرين، ودراسة
ما يكتبون في ضوء شريعتنا، وفوائد هذا لا يعد ولا يحصى، ولعل أعظم أنموذج قديم برز
في حركة الترجمة نموذج ورقة بن نوفل كما جاء عند البخاري عن عائشة: «فَانْطَلَقَتْ
بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ
عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً
تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ،
وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ»،
فهو ينقل ويترجم إلى لغته، وكل هذا مهم في فقه القلم.
المنهجية السابعة: التفرغ للفكرة والانشغال بها:
فالقلم الذي
يكتب عن صاحبه لفكرة عاشها وانشغل بها وأوقف حياته وأنفاسه على خدمتها والخروج
بأفضل صورها غير القلم الذي صاحبه منشغل عنه أو يحضر مقمشاً لضبابية الأفكار، فإن
العجلة في الكتابة والسرعة في الكثرة آفة عظيمة أعيت القلم وضيعت الإبداع وأورثت
التشويه وكثرة الخطأ ومجانبة الصواب.
ونستحضر نموذج
اختيار زيد بن ثابت لجمع القرآن وكتابة المصحف كيف عاش الفكرة بعد أن عرضت عليه
واستشعر عظمتها وثغرها بقوله صلى الله عليه وسلم: «فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي
نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ
مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ..»؛ وهذا يحيى بن معين كما جاء عنه يقول: «اكْتُبِ
الْحَدِيثَ خَمْسِينَ مَرَّةً فَإِنَّ لَهُ آفَاتٍ كَثِيرَةً»؛ أي كلما كتبته ظهرت
لك فيه علل إن كان فيه علل أو استفدت منه فائدة لا تحضر في كتابتك الأولى ومرورك
السريع.
إن فقه القلم
موضوع جديد بتتبعه وقراءة فهوم أصحابه واستحضار دواعي كتابتهم ليخرج هذا الموضوع
في ثوب كتاب وإصدار يكون مرجعاً في بابه لعل الله أن ييسر له.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً