فكاك الأسير واجب شرعي.. نداء الشريعة وصرخة الضمير
عندما أغار التتار على بلاد الشام في
أوائل القرن الثامن الهجري، وأسروا من المسلمين والذميين عدداً، ذهب إليهم الإمام
ابن تيمية ومعه جمع من العلماء، وطلبوا من قطلو شاه فك الأسرى، فسمح له بالمسلمين،
ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام: «بَلْ جَمِيعُ مَنْ مَعَك مِنْ
الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ ذِمَّتِنَا؛ فَإِنَّا
نُفْتِكَهُمْ (نطلب فكاكهم) وَلَا نَدَعُ أَسِيرًا لَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ،
وَلَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ»(1).
في هذا الموقف تأكيد على وجوب العناية
بفك الأسير، والسعي في ذلك بكل السبل، وعدم التنازل عن الأسرى أو التخاذل عنهم.
فك الأسير من مصارف الزكاة
قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ
وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 60)؛ أوضحت الآية الكريمة أن من مصارف
الزكاة «في الرقاب»؛ والمراد: فداء الأسرى وعتق العبيد(2).
قال ابن قدامة: «وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِىَ
بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا، لأنَّه فَكُّ رَقَبَةٍ مِن الأسْرِ، فهو كفكِّ
رَقَبَةِ العَبْدِ مِن الرِّقِّ، ولأنَّ فيه إعْزازًا للدِّينِ، فهو كصَرْفِه إلى
المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، ولأنَّه يَدْفَعُه إلى الأسِيرِ في فَكِّ رَقَبَتِه،
أشْبَهَ ما يَدْفَعُه إلى الغارِمِ لفَكِّ رَقَبَتِه مِن الدَّيْنِ»(3).
أمر النبي بفك الأسير
روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي مُوسَى
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فُكُّوا الْعَانِيَ،
وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ»؛ وهو أمر بالسعي في فكاك الأسير
وتخليصه من أيدي الأعداء، وسمي العاني لما يعانيه من آلام وأتعاب، وفي وثيقة
المدينة المنورة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة تأكيد على فداء
الأسرى، حيث تكررت في بنود كثيرة منها جملة: «وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفدي
عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ»(4).
فك الأسير من أعظم القربات
(فَلَا
اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ {12} فَكُّ رَقَبَةٍ)
(البلد)، كما حث الله تعالى في الكفارات على
تحرير الرقاب، قال الطبري: «القول في تأويل قوله تعالى: (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (المائدة: 89) أو فك عبد
من أسر العبودة وذلها، وأصل التحرير: الفك من الأسر»(5)، وقَالَ
عُمَرُ رضي الله عنه: لَأَنْ أَسْتَنْقِذَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ
أَيْدِي الْكُفَّارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ(6).
إجماع الأمة على وجوب فك الأسرى
قال القرطبي: «فِدَاءُ الْأُسَارَى
وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وقد وَرَدَتِ الْآثَارُ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَكَّ الْأُسَارَى وَأَمَرَ
بِفَكِّهِمْ، وَجَرَى بِذَلِكَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ وَانْعَقَدَ بِهِ
الْإِجْمَاعُ، وَيَجِبُ فَكُّ الْأُسَارَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ قَامَ بِهِ مِنْهُمْ
أَسْقَطَ الْفَرْضَ عَنِ الْبَاقِينَ»(7).
وقد نقل العلماء الإجماع على وجوب تخليص
الأسرى من المسلمين بالقتال أو بالمال، حيث لا يحل تركهم تحت الكافر يضطهدهم
ويعذبهم من أجل دينهم(8).
قال د. يوسف القرضاوي: يجب على المسلمين
أن يبذلوا كل ما يستطيعون من أجل فك أسراهم، وتحريرهم من الأسر، وتحكم الأعداء
الكفار في رقابهم، فإذا كان الأمر يتطلب فداء بالأسرى من العدو فادُوهم وبادلوا
أسرى المسلمين بأسرى العدو، وإن كانوا يحتاجون إلى الفداءِ بالمال، دفَعوا لهم من
المال ما يخلِّصهم.
ويجب على أمراء المسلمين أن يسلكوا كل
سبل تؤدي إلى فكّ الأسرى من أيدي الأعداء، ومن ذلك المفاوضة معهم، وإن كان
تحرُّرهم يتوقف على إعلان الجهاد جاهدوا من أجل إنقاذهم، ولا سيما إذا كانوا
يعانون من الإيذاء والضيق والتعذيب.
فإذا لم يجد المسلمون وسيلةً لاستنقاذ
أسراهم فالواجب عليهم أن يدعوا الله تعالى لهم في صلواتهم وفتوحهم وخلواتهم، كما
كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه للنفر الذين أسرتهم قريش، دبر كل صلاة(9).
عدم جواز الصلح مع الأعداء إذا تعمدوا منع فك الأسرى
الصلح مع الأعداء غير جائز إذا بقي في
حوزتهم بعض الأسرى الذين لا يريد الأعداء أن يردوهم إلى المسلمين، وإذا عقد صلح
بين المسلمين وغيرهم في هذه الحالة، فهو صلح فاسد، قال الخطيب الشربيني وهو يتكلم
عن الشروط الفاسدة التي تبطل الهدنة مع الأعداء: «وَكَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ عَلَى
الصَّحِيحِ، بِأَنْ شَرَطَ مَنْعَ فَكِّ أَسْرَانَا، أَوْ تَرْكَ مَالِنَا
لَهُمْ..»(10)؛ أَيْ يُشْتَرَطُ خُلُوُّ عَقْدِ الْهُدْنَةِ مِنْ كُلِّ
شَرْطٍ فَاسِدٍ، كاشتراط منع فك الأسرى.
الوسائل الشرعية لفك الأسرى
لم يحدد الشرع وسيلة واحدة لفكاك الأسرى،
بل فتح الأبواب كلها ما دامت مشروعة، حيث يمكن فعل ما يأتي:
1- الفداء بالمال أو تعليم الكتابة كما
فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدر.
2- المبادلة بالأسرى.
3- العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي.
4- الدعاء والمناصرة والدعم المادي، فكل
جهد في سبيل فك الأسير عبادة يُثاب عليها المسلم.
_______________
(1) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (28/ 618).
(2) التحرير والتنوير: الطاهر ابن عاشور
(2/ 131).
(3) الشرح الكبير: ابن قدامة المقدسي (7/
239).
(4) سيرة ابن هشام (2/ 106).
(5) تفسير الطبري (8/ 645).
(6) مصنف ابن أبي شيبة (6/ 496).
(7) تفسير القرطبي (2/ 22).
(8) أيسر التفاسير: الجزائري (1/ 509).
(9) فتاوى معاصرة: د. يوسف القرضاوي (3/
508).
(10) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ
المنهاج: الخطيب الشربيني (6/ 88).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً