فلسطين.. وطن الشعب وتاريخ وهوية أمة
«أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» كذبة صهيونية
من العبارات المحفورة في ذاكرة التاريخ «A
land without a people for a people without a land»،
لعلها هي عبارة القس الأمريكيّ وليام بلاكستون: «فلسطين هذه تركت هكذا، أرض بغير شعب،
بدلاً من أن تعطى لشعب بغير أرض»، وربما تداولت الصهيونية العالمية عبارة أكثر اختصاراً
في التعبير عن ديار بيت المقدس: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
وهكذا مضت الصهيونية العالمية مدعومة دعماً
لا يقف عند حد تزور التاريخ، وتزور الحقائق، وتلقن الشعوب حول العالم الأباطيل.
حقائق دامغة وجذور تاريخية للمؤامرة
يؤمن اليهود والنصارى حول العالم بكتاب مشترك؛
هو العهد القديم المعروف بالتوراة، نصوصه وتعاليمه وتشريعاته بين الفريقين سواء، وإن
كان هناك خلاف، فهو خلاف لن يضر فيما يلزمهم الإقرار به.
الصهيونية العالمية تيار استعماري هائل، تتشابك
هي والماسونية وغيرها من الحركات التي تتخفى خلف غطاءات إنسانية، لكن أهدافها السيطرة
على الكون، ولعل بروتكولات حكماء صهيون خير ناطق عنها وبلسانها، مفصحاً عن غاياتها
وأهدافها ونظرتها للشعوب والأمم.
ليس العجيب من اليهود أن تكون لهم تلك الأغراض
والأهداف الاستعمارية، وتلك النظرية المتعالية على الشعوب، لكن العجيب أن ترتبط الأنظمة
النصرانية بها، وتسعى حثيثة للتمكين لها والانحياز لصفها.
العبارة التي بدأنا المقال بها صارت ثقافة
يهودية خالصة، تؤمن بها الأنظمة الغربية النصرانية إيماناً مطلقاً، حتى تمخضت عن «وعد
بلفور»، الذي ينسب لوزير الخارجية الإنجليزي.
وتسلسل الاهتمام باليهود يعود به بعضهم إلى
عصر خروج المسلمين من الأندلس، وربما إلى زمن ما يعرف بالإصلاح الديني على يد مارتن
لوثر، إلا أن شكله العجيب والغريب بدأ بعبارات واضحة لائحة على لسان نابليون مخاطباً
ما يزعم أنهم: ورثة منطقة فلسطين الشرعيين؛ أيها «الإسرائيليون»، أيها الشعب الفريد،
الذي لم تستطع قوى الاحتلال والطغيان أن تسلبه اسمه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته
أرض الأجداد فقط، إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين وإن لم تكن لهم مقدرة الأنبياء
مثل إشعيا، ويوئيل؛ قد أدركوا ما تنبّأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع أن اليهود سيعودون
إلى صهيون وهم ينشدون، وسوف تعمهم السعادة حين يستعيدون مملكتهم من دون خوف(1).
إذاً، جذور التخطيط لغرس الكيان داخل الديار
المقدسة يُعمل عليه قبل نشأته بعدة قرون، بل يورد الشيخ محمد الغزالي عن وصية لويس
التاسع (1270م) حين خرج ذليلاً من سجن المنصورة أن من وصاياه لقومه: العمل على إنشاء
قاعدة للغرب في قلب الشرق العربي يتخذها الغرب نقطة ارتكاز له ومركزاً لقواته الحربية
ولدعوته السياسية والدينية، ومنها يمكن حصار الإسلام، والوثوب عليه كلما أتيحت الفرصة
لمهاجمته.
وقد عين لويس التاسع لإنشاء هذه القاعدة الأراضي
الممتدة على ساحل البحر الأبيض من غزة حتى الإسكندرية، وتشمل فلسطين والأردن والبلاد
المقدسة ثم لبنان بأسره (2).
الهدف الحقيقي وراء زرع الكيان الصهيوني
إذاً السؤال هنا: هل هذا الكيان الذي تم غرسه،
وقامت الدول الكبرى على رعايته وحمايته، ولا تزال تدعمه وتقوي جانبه، هل كان غرض وجوده
نصرانياً صرفاً لتفتيت العالم الإسلامي؟ أم كان وجوده ضرورة توراتية يؤمن بها اليهود
والنصارى على السواء؛ لغرض يترتب على وجوده؟
إن الجواب عن هذا السؤال يقودنا لبيان حقيقة
مهمة عن الجهاد في الإسلام.
الكتاب المقدس يتحدث عن أصحاب البلد الأصليين
إن نصوص الكتاب المقدس التي تُستغل اليوم
في الحروب الفكرية لترسيخ الزور من القناعات لدى عموم الناس من قبل الساسة المزورين،
واضحة كل الوضح في الحديث عن أصحاب الأرض، فإنهم اليوم يبحثون عن أي شيء يثبت أنهم
أصحاب الأرض، ليعززوا فكرة ما بدأنا به أول المقال من قولتهم السائرة: «أرض بلا شعب»،
فهل حقاً بيت المقدس وسواحل البحر الأحمر حتى حدود سورية ولبنان، هي أرض بلا شعب؟
لقد تولت نصوص التوراة أو العهد القديم الجواب
عن ذلك بجلاء، وهي في وجه من يستعملون النصوص المقدسة للتأسيس للزور والإجرام، فبينما
يدَّعون أنهم أصحاب الأرض يأتي نص التوراة قائلاً: «وتغرب إبراهيم في أرض الفلسطينيين
أياما كثيرة»(3)، وهكذا تشير التوراة بجلاء إلى أن الخليل عليه السلام،
وهو من يدعون الانتساب إليه ويعتبرونه أصلاً يفاخرون به، لم يكن في أرض الفلسطينيين
إلا غريباً.
وهذا النص الصريح الذي يصرح بغربة الخليل
في أرض الكنعانيين تقوله التوراة على لسان الخليل: «لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين
الذين أنا ساكن في أرضهم»(4).
بل إن الوعود التي تأتي على لسان الكليم وعود
بالذهاب لأرض يكونون فيها وافدين لا من أصلها، وهذا نص التوراة أيضاً: «فقلت أصعدكم
من مذلة مصر إلى أرض الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين»(5).
وفي نص آخر: «كان تابوت الله في بلاد الفلسطينيين
سبعة أشهر»(6).
وتصرح أسفار التوراة أن وجود غير الفلسطينيين
في تلك الديار وجود عارض وطارئ، وهذا الوجود هو الذي أسس لتلك الوحشية المفرطة في الانتقام.
ففي الأسفار: «وأما جبل صهيون فتكون عليه
نجاة، ويكون مقدساً، ويرث بيت يعقوب مواريثهم.. ويرث أهل الجنوب جبل عيسو، وأهل السهل
الفلسطينيين، ويرثون بلاد أفرايم وبلاد السامرة، ويرث بنيامين جلعاد، وسبي هذا الجيش
من بني إسرائيل يرثون الذين هم من الكنعانيين إلى صرفة»(7).
وهكذا يقرأ المتدينون اليهود وغيرهم عن أرضهم
المزعومة المأزومة، التي لم تكن أرضاً لهم قط، بل جاؤوها وافدين، وأكثر الحروب التي
خاضوها هزموا من أهلها الأصليين الكنعانيين وغيرهم.
الجهاد لإزالة الحوائل الفكرية والسياسية
إن كثيراً من الحوائل التي بيننا وبين الشعوب
الغربية هي تلك الصورة المزيفة التي صممتها آلة الإعلام الغربية، وغذتها عصبيات الحاخامات
والقسس ضد المسلمين، وقد شرع الجهاد في الإسلام ليزيل نوعين من الحوائل:
الأول: الحوائل الفكرية، التي تشوه الحقائق
وتلوي عنق النصوص وتخرجها من مساقها إلى أهواء المفسرين لها.
الثاني: الحوائل السياسية والعسكرية للنظم
الحاكمة، فإذا سقطت الحوائل الفكرية والحوائل السياسية والعسكرية ولم يحولوا بين الإسلام
والناس فالقرآن يصرح: (لَا إِكْرَاهَ
فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256).
مواجهة التضليل الإعلامي الغربي
والنزال الفكري أخطر من النزال العسكري؛ إذ
هو دعايات منظمة ووسائل تعليمية تغذي أفكاراً يعتنقها القادة والساسة يضعونها في نفوس
الأطفال والعامة، تستعمل له وسائل التعليم والفنون والصحافة، وكل وسائل التأثير الفكري
والثقافي، وهذا هو الذي يقنع الشعوب الغربية بأمرين اليوم: تحضُّر الكيان الصهيوني،
وتخلُّف من حوله من سكان بلاد العرب، ثم يضع المغتصبين، مجرمي الحرب الصهاينة دائماً
في نفوس تلك الشعوب في موقف أصحاب الحق، وأصحاب البلد وورثتها الشرعيين، متأولين في
ذلك نصوصًا مقدسة لا ليعملوا بقداستها، ولكن ليجعلوها مسوغاً لتغيير القناعات، وإحلال
الباطل محل أصحاب الحق التليد الأصليين.
لقد صار الغي اليوم أساس الآلة الإعلامية
الغربية، تبرر من خلالها نكث العهود وتشريد الأمم، واغتصاب الموارد؛ ولذا ستظل فلسطين
أرضاً لشعب منكور مقهور، ما دامت موازين القوى تميل لصالح نظم سياسية وفكرية تحول بين
الشعوب وبين الحقائق.
«طوفان الأقصى» وطريق التحرير المزدوج
والحقُّ أن «طوفان الأقصى» أسهمت في تبديد جزء منها، لكن الطريق لا يزال طويلاً، يحتاج إلى جهادين؛ السلاح، والفكر، لا غناء لأحدهما عن الآخر، حتى يعود الوطن السليب، والمسجد الأقصى، من يد من جعل الله في أجدادهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
________________
[1] المفاوضات السرية بين العرب و«إسرائيل»،
لمحمد حسنين هيكل، ص27 – 31.
(2) معركة المصحف في العالم الإسلامي، ص146.
(3) التكوين (34:21).
(4) التكوين (24: 37).
(5) التكوين (24: 37).
(6) سفر صموئيل الأول (6: 1).
(7) سفر عوبديا (1: 17-20).