في ذكرى فتح القسطنطينية.. القوة العسكرية العثمانية في عهد محمد الفاتح
ظل فتح القسطنطينية حلمًا يراود المسلمين منذ عصورهم الأولي، فتم حصارها 28
مرة عن طريق الحصار، لكنها استعصت عليهم لقوة تحصيناتها، فمناعة أسوار القسطنطينية
تأتي في المرتبة الأولى في العالم، فارتفاع الشرفات 17 متراً، وما بين الشرفات 15 متراً،
ويبلغ سمكه 4 أمتار، وعرض الخندق أمام الأسوار 18 متراً، وعمقه 9 أمتار مليئة
بالماء، وكان للأسوار المكونة من طوابق عديدة 30 برجًا مكسيًا بالرصاص.
وكان من المعروف أن المدينة لا يمكن إسقاطها إلا بحصار محكم يتمكن من
إجاعتها لمدة 6 سنوات، ومن البدهي أن الدول الأوروبية سوف تأتي خلال هذه المدة، ومن
ثم سوف يتعذر عمليًا استمرار الحصار، لذلك أخفقت محاولات فتح المدينة عن طريق
الحصار، لذلك كان تخطيط محمد الثاني يقوم أساسًا على أن تتكفل مدافعه بإنهاء
العملية قبل أن تصل أي نجدة أوروبية.
تطور صناعة الأسلحة في عهد الفاتح
كان للنشأة العسكرية للدولة العثمانية أثر كبير في الاهتمام بالقوة
العسكرية بصفة أساسية لتدعم وجودهم في منطقة تحيط بهم الأعداء، ويتطلب الدفاع عنها
بناء جيش وأسطول بحري قوي يستطيع الدفاع عن الدولة وتلبية طموحاتها كإحدى القوى
العظمى في العالم.
اهتم السلطان محمد الثاني اهتمامًا كبيرًا بتطوير تكنولوجيا صناعات الأسلحة
العسكرية، فكان أكثر ما يميز الدولة العثمانية أنها كانت تتطلع إلى محاكاة ومواكبة
التكنولوجيا العسكرية العالمية المعاصرة لها وتطويرها بما يكفل لها التفوق العسكري
في ميدان الحرب، لذلك عندما شرع السلطان محمد الثاني في فتح القسطنطينية وتوطيد
الحكم العثماني في شرق أوروبا اتجه إلى الأخذ بكل وسائل القوة، وتطوير الجيش البري
والأسطول البحري، وعمل على مدار سنتين 855 - 857هـ لتطوير سلاح المدفعية لتمكنه من
تدمير أسوار المدينة الحصينة.
أعاد السلطان محمد الثاني تنظيم الانكشارية، وتخلّص من العناصر التقليدية
غير المنتظمة، وكان شغفه بتطور الأسلحة العسكرية له دور أساسي في إعادة تشكيل سلاح
المدفعية وتحديثه بمهندسين مدفعية وفنيين أوروبيين، كما قام بتعبئة جميع المهندسين
والفنيين العسكريين المحليين والحرفيين وصانعي السلاح.
وتم إنتاج عدد من القنابل الكبيرة التي تقذف الحجارة المقطوعة التي تزن
أكثر من 100 كجم، وتم نشرها في بعض الحصون الرئيسة في الإمبراطورية العثمانية، فقد
كانت القطع ذات العيارين المتوسط والكبير في الغالب هي السائدة
في الحصون، وأضحى الجيش العثماني يمتلك أحدث البنادق في الأناضول وجنوب شرق أوروبا
في ذلك الوقت.
وقد أثمرت جهوده الكبيرة في نقلة نوعية عسكرية لجيشه في البر والبحر، وغدت
صناعة الأسلحة العثمانية تضاهي أو تفوق مثيلاتها في أوروبا، واهتم بجهاز
الاستخبارات لرصد التحركات ضده، فاستطاع تكوين أقوى شبكة استخبارات في العالم،
وكان له عيون في مختلف البلاد الأوروبية.
- صناعة المدافع: كان التحدي الأكبر في فتح القسطنطينية أمام
السلاطين العثمانيين قبله يرجع إلى قصور المدفعية العثمانية عن إحداث تدمير مؤثر
في أسوار المدينة، فالأمر يحتاج تطوير تكنولوجيا المدفعية بما يسمح بزيادة مسافة
القذائف مع المحافظة على القدرة التدميرية، إضافة إلى ضعف البحرية العثمانية أمام
قوة أسطول البندقية وجنوة عند المواجهة البحرية في حالة حصار المدينة.
عمل السلطان محمد الثاني على تطوير سلاح المدفعية، وأنشأ مصانع لهذا الغرض،
واستدعى أمهر صناع المدافع والمهندسين والفنيين من المجر وصربيا وغيرهما، وأدخلهم
جميعًا في وحدة الصناعات العسكرية التي أطلق عليها «وحدة بناء المدافع».
وتم توفير كل الموارد في سبيل إحداث تطور فني غير مسبوق لعمل مسبك مؤقت حتى
تم صنع أكبر مدفع كبير وحديث عالي الجودة على الإطلاق يستطيع أن يطلق المدفع كرة
بوزن 1200 رطل (544 كجم)، ويعتبر واحدًا من أعظم مآثر الهندسة في ذلك الوقت، وكان
يرافقه طاقم من 60 ثور، واتبع في تصنيع المدفع نمط إنتاج البارود، وغدت وحدات
المدفعية حديثة التأسيس أسطورة في الصناعات العسكرية ليس داخل العسكرية العثمانية
فقط، بل في العالم الخارجي.
ويعتبر عصر السلطان محمد الثاني العصر الذهبي لصناعة المسابك البرونزية
العثمانية، حيث تم سبك المدافع بأقطار لم يسبق لها مثيل، وتم في عهده صنع مدافع
الهاون التي استعملت لأول مرة في التاريخ، وكانت أدرنة مقرًا لصناعة المسابك التي
عكف بها المهندسون والفنيون على تصميمها وتطويرها من الحديد المطاوع، واختبرت
بطاريات المدفعية الجديدة التي تم إنتاجها حديثًا، ونقل نحو 15 بطارية ميدانية
مجهزة بقطع حديد خفيفة من أدرنة إلى القسطنطينية، واستعملوا قذائف اللهب الطيارة
لأول مرة في فتح القسطنطينية.
- البحرية العثمانية: تطلب تفوق العثمانيين في حروبهم الميدانية وتطلعاتهم
الحربية الدائمة بناء أسطول بحري قوي يساند الجيش الميداني ويحمى حدود الدولة
البحرية، ويواجه تحديات أساطيل جنوة والبندقية القوية في البحر المتوسط والبحر
الأسود.
كان الأسطول العثماني لا يستطيع رد التهديدات البحرية التي تتعرض لها
الدولة، وهو ما ظهر عند المواجهة البحرية، فقد تحطم الأسطول العثماني عام 819هـ/ 1416م
على يد الأسطول البندقي، وتمكنت البندقية من بسط سيطرتهم على الأملاك العثمانية في
ساحل البلقان، وقطع الطريق عن دعم القوات العثمانية لها، فكانت البحرية العثمانية
في هذا الوقت أقل قوة وفاعلية من جيشها الميداني، ولا تلبي طموحات السلاطين
العثمانيين حتى قرب اعتلاء السلطان الفاتح العرش عام 855هـ/ 1451م.
أبدى محمد الفاتح اهتمامًا خاصًا بتطوير البحرية، واتخذ ميناء غاليبولي
مركزًا للأسطول العثماني الذي بلغ عند حصار القسطنطينية 76 سفينة وزورقًا حربياً،
و180 سفينة شراعية، وشرع في إنشاء أكثر من 100 سفينة بحرية حتى أصبح الأسطول
العثماني يضاهي قوة الأسطول البندقي والجنوي وقادر على مواجهتهما وردعهما، وتأمين
حدود دولته البحرية، ونشاطها العسكري والتجاري، وبذلك أصبح السلطان محمد الثاني
قادرًا على إحكام الحصار البحري على القسطنطينية والتصدي للمحاولات البحرية لفك
الحصار عند المدينة.
- من عوامل نجاح فتح القسطنطينية (857هـ/ 1453م): وصل محمد الثاني والجزء
الرئيس من جيشه إلى القسطنطينية بعد عامين من التجهيزات بجيش يقدر بمائتي ألف،
وبعد حصار بري وبحري للمدينة، بدأ في 18 ربيع الأول 857هـ/ 6 أبريل 1453م، واستمر
الحصار نحو 55 يومًا لم يتوقف، وبدأ الهجوم الشامل بقذف أسوار المدينة بالمدافع
يوم 20 جمادى الأولى857هـ/ 28 مايو 1453م، ثم بدأ الهجوم الشامل فجر اليوم التالي،
وانهالت قذائف المدفع الكبير تدك تحصينات القسطنطينية، وتمركزت القوات أمام
الأسوار، منها 12 وحدة من الجيش الأناضولي على الجناح الأيمن في جنوب المدينة في 3
مجموعات غطت نصف الأسوار.
وسقطت المدينة أمام نيران المدفعية وهجوم القوات البرية والبحرية، وعجزت
أوروبا وأساطيل البندقية وجنوة عن تقديم المساعدة للمدينة، وقد كان لعبقرية تخطيط
السلطان محمد الثاني أثر كبير في تحقيق النصر على نحو ما أشار المؤرخ البيزنطي
دوكاس بقوله: «ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الثاني يحول
الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق محمد الثاني
بهذا العمل الإسكندر الأكبر».
الدولة العثمانية في
عهد محمد الفاتح
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً