في محراب «الضاد».. قراءة في كتاب «عربية القرآن» للدكتور عبدالصبور شاهين
ارتبطت اللغة
العربية بالقرآن الكريم ارتباطاً وثيقاً يتجاوز حدود الوصف؛ فهو ارتباط وجودٍ
وبقاء، وصيرورةٍ وارتقاء. ويأتي كتاب «عربية القرآن» للدكتور عبد الصبور شاهين (18
مارس 1928 - 26 سبتمبر 2010) الذي يعد أحد أبرز أقطاب اللغة العربية وحراسها في
العصر الحديث- ليغوص في أعماق هذه العلاقة، ليس بمجرد سرد لغوي، بل برؤية تحليلية
ناضجة تبرهن على أن القرآن كان الصخرة التي تحطمت عليها عوامل الفناء والتشظي التي
أصابت لغاتٍ سامية أخرى.
تنبع أهمية هذا
الكتاب من شجاعة طرحه؛ فهو لا يقف عند حدود التوصيف التاريخي، بل يتجاوز ذلك إلى
تحليل البعد الحضاري والفكري للعربية، مُثبتا بالمنهج الصوتي الحديث أن لغة
التنزيل هي «الفصحى العليا» التي انصهرت في بوتقتها صفوة لغات العرب.
لقد جاء هذا
المؤلَّف ليجيب عن بعض الأسئلة المهمة: كيف طوع القرآن مفردات العرب؟ وكيف تحول
اللسان من أداة تعبير بشرية إلى وعاء إعجازي يستوعب المطلق؟ إنه سفرٌ فكري يجمع
بين صرامة البحث اللساني وعذوبة البيان، ليقدم للعقل المعاصر دليلاً مادياً على أن
العربية ليست لغة تراثية فحسب، بل هي لغة حية، متجددة، وقادرة على قيادة الوجدان
الإنساني في كل زمان.
فلسفة اللغة وإعجاز التنزيل
يقدم كتاب
«عربية القرآن» رؤية لغوية تحليلية معاصرة، تتجاوز النظرة التقليدية الضيقة؛ إذ
ينطلق المؤلف من أطروحة مركزية مفادها أن لغة القرآن تتمثل في «العربية الفصحى
العليا»، وهي تلك اللغة المشتركة التي تبلورت بين قبائل العرب كأرقى مستوى تعبيري،
ولم تكن مجرد انعكاس للهجة قريش وحدها كما شاع عند البعض.
يعتمد د. شاهين
في كتابه على المنهج الوصفي التحليلي، إذ يمزج ببراعة بين علم الأصوات الحديث وبين
دراسة البنية اللغوية، وهو ما مكنه من الكشف عن أبعاد دلالية جديدة للألفاظ
القرآنية. وتتجلى القيمة المضافة للكتاب في استخدامه لمعطيات علم الأصوات –الذي
تميز فيه د. شاهين- لتحليل القراءات القرآنية، مبينًا كيف يؤدي الاختلاف الصوتي
إلى توجيه الدلالة وتعميق المعنى، كما أعاد النظر في قضايا صرفية ونحوية كانت
تُصنف قديماً كـشواذ، مفسراً إياها في ضوء التطور الصوتي للغة العربية.
رباط الوجود بين الوحي واللسان
يؤصل الكتاب في
مقدمته للعلاقة العضوية بين العربية والقرآن؛ فهي علاقة وجود وبقاء؛ فالعربية لم
تكن لتكتسب ديمومتها وعالميتها لولا أن الله اصطفاها وعاءً لوحيه؛ إذ يحلل د. شاهين
أثر القرآن في تثبيت قواعد اللغة وارتقائها من لغة محلية إلى لغة إنسانية حضارية
تستوعب مستجدات الحياة. وأهمية الكتاب تنبع من كونه لا يكتفي بالوصف اللغوي الجاف،
بل يغوص في البعد الحضاري والفكري؛ وهو ما يجعله مرجعا يجمع بين اللسانيات وعلوم
القرآن.
ثنائية اللغة والبيان
يتناول المؤلف
في الفصل الأول طبيعة العلاقة المتلازمة بين اللغة بوصفها أداة صوتية للتعبير،
والبيان باعتباره قدرة كاشفة عما يختلج في النفس البشرية. ويميز شاهين تمييزاً
منهجياً دقيقاً بين لغة البشر المحدودة وخصائص البيان الإلهي المعجز، مبرزاً كيف
يتفوق التعبير القرآني في دقته وشموله على أي نتاج لغوي إنساني.
مرونة اللغة بين القديم والمعاصر
يناقش هذا الفصل
مفهوم اللغة القديمة، موضحا أن كثيرا من اللغات تتراجع أمام الاستعمال الشعبي
لصالح لغات أخرى أكثر مرونة، إلا أن العربية كسرت هذه القاعدة بفضل ارتباطها
بالقرآن والسنة.
ويسلط الضوء على
دور تعريب الدواوين في ترسيخ أركانها، مؤكداً أن معاصرة اللغة تكمن في جريانها على
الألسنة واستجابتها لمتطلبات العصر، بينما يقاس قدمها بمدى انسحاب مفرداتها من
التداول، ضارباً المثل باللغة الإنجليزية وتطورها التاريخي.
الجذور التاريخية قبل الإسلام
يرصد المؤلف
الجذور التاريخية للسان العربي قبل البعثة، مستشهداً بآراء كبار المفكرين مثل عباس
العقاد ومحب الدين الخطيب. ويوضح موقع العربية بين أخواتها من اللغات السامية،
مؤكداً أن القرآن لم ينزل في فراغ لغوي، بل نزل ليُتوج مسيرة لغوية طويلة، ثم أصبح
هو المحرك الأول لنشأة علوم اللغة (نحواً وصرفاً وبلاغة) لخدمة النص المقدس
واستنباط إعجازه.
مفهوم الأمية وإشكالية التدوين
يقدم المؤلف
قراءة مغايرة لمفهوم الأمية عند العرب؛ فهي كانت أمية في الكتابة والتدوين لا في
القراءة والتعلم والبيان. ويشير إلى الخلل الذي أصاب التراث الشعري الجاهلي بسبب
الاعتماد الكلي على الرواية الشفهية وما يعتريها من نسيان أو تحريف، مقارناً ذلك
بحضارة القدماء المصريين الذين برعوا في التدوين والتوثيق.
واقع اللهجات وظهور الفصحى
يستعرض شاهين
واقع اللهجات العربية القديمة وتأثرها بالقبلية والمستويات الاجتماعية والبيئة
الجغرافية. ويوضح كيف لعبت الأسواق التجارية (مثل سوق عكاظ) والمحافل الأدبية دور البوتقة
التي صهرت هذه اللهجات المتباينة لتولد منها اللغة المشتركة.
وفي هذا السياق،
يوجه المؤلف نقداً لاذعاً للدعوات التي تنادي بالاعتماد على العامية في التعليم،
مؤكداً ضرورة تعميم الفصحى في المؤسسات التعليمية والإعلامية للحفاظ على وحدة
الأمة.
المجتمع وسلطة اللغة
يرى المؤلف أن
المجتمع هو الصانع الحقيقي للغة والمتحكم في مساراتها؛ فاللغة العربية قبل تدوين
قواعدها كانت تخضع للذوق الاجتماعي والقوانين العرفية. ويؤكد على أهمية ثبات
القواعد النحوية كدرع حامٍ للغة، مع الإقرار بقابلية المفردات للتطور، مستشهداً
بكيفية استيعاب العربية لمصطلحات العصر الصناعي وتطويعها لخدمة أساليبها.
العربية والحدث الفريد
يتناول الفصل
السابع مكانة العربية كاختيار إلهي؛ إذ ميزها الله عن سائر اللغات السامية التي
كتبت بها الكتب السماوية السابقة. إن نزول القرآن بالعربية كان حدثاً فريداً حماها
من التشظي والتحول إلى لغات مستقلة بمرور الزمن، فبقي بيانها حياً نابضاً بخلود
آياتها.
منظومة الإعجاز والتحدي
يؤصل الدكتور
شاهين لفكرة أن إعجاز القرآن لا يُختزل في جانب واحد، بل هو تكامل فريد بين اللفظ
والمعنى والنظم. فالبنية اللغوية تتآلف مع الدلالة في صورة يستحيل محاكاتها.
أما التحدي فهو
ظاهرة قرآنية مقصودة، تحدى بها العرب في قمة فصاحتهم، وهو ليس تحدياً بلاغياً
فحسب، بل هو حجة عقلية وتاريخية مستمرة تثبت المصدر الإلهي للقرآن.
عبقرية الجذور الثلاثية
من خلال دراسة
إحصائية لجذور المفردات في القرآن، يثبت المؤلف هيمنة الجذور الثلاثية، وهو ما
يتسق مع عبقرية اللغة العربية التي تميل إلى الإيجاز والتركيز، وتبتعد عن التعقيد،
مما يسهل عملية الاشتقاق والتوليد اللغوي.
معركة الهوية ومحاربة الفصحى
يختتم المؤلف
فصوله بالتحذير من المخططات الفكرية التي تستهدف محاربة العربية وإحلال العامية
بدلاً منها، متهماً تيارات فكرية معادية (كالماركسية والعلمانية) بمحاولة تغريب
الفصحى لعزل المسلم عن قرآنه وتاريخه، وقطع الصلة بين الأدب المعاصر وبين منبعه
الأصيل.
إن كتاب «عربية
القرآن» ليس مجرد ترف فكري أو دراسة لسانية باردة، بل هو صرخة استنهاض لحماية
الهوية. لقد أثبت عبد الصبور شاهين أن اللغة هي الوعاء الحافظ للوحي، وأن تهميشها
ليس إلا سعياً لقطع الجذور.
وفي النهاية تظل
الفصحى هي الرابطة التي توحد الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج، والتمسك بها هو
انحياز للحق وصيانة للعقل وحفاظ على معجزة خالدة. إن معركتنا مع اللغة هي معركة
وجود، والاعتزاز بها هو خط الدفاع الأول عن مستقبل أجيالنا وحضارتنا.
اقرأ
أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً