قانون «الإيجار القديم» في ميزان «عقد الإجارة» في الإسلام
حالة من الانقسام المجتمعي والخلاف السياسي يشهدها الشارع المصري هذه
الأيام، على أثر مشروع قانون تقدمت به الحكومة لتعديل ما يُعرف بـ«قانون الإيجار
القديم»، وسط تبادل الاتهامات بين طرفي الأزمة: المُلَّاك والمستأجرين؛ ففي حين
أجمع المُلَّاك على تأييد مشروع القانون الذي أعطاهم الحق في زيادات إيجارية عادلة
لوحداتهم، قبل طرد المستأجرين منها بعد خمس سنوات من إقرار مشروع القانون –ساد
الغضب أوساط المستأجرين الذين طالبوا بإسقاط الحكومة التي اعتبروها مؤيدةً
للمُلَّاك، رافضين ما أسموه «التهجير القسري» من مساكنهم.
ورغم تأكيدات الحكومة أنها لن تنحاز لطرف على حساب الآخر؛ فإن دائرة
الانقسام بين الطرفين باتت تتسع يومًا بعد يوم، وتشهد وسائل التواصل الاجتماعي
الجزء الأكبر منها.
بداية الأزمة
تعود الأزمة ليوم التاسع من نوفمبر 2024 بعد حكم لـ«المحكمة الدستورية
العليا» يقضي بعدم دستورية الفقرة الأولى من كلٍّ من المادتين الأولى والثانية من
القانون رقم (136 لسنة 1981)، ومن ثم عدم دستورية ثبات الأجرة المنصوص عليها
بالقانون. وقد أعطت المحكمة الحكومة مهلة تنتهي بانتهاء الانعقاد التشريعي لـ«مجلس
الشعب» في السابع من يوليو 2025 كي تتدخل وتنظِّم العلاقة بين المُلَّاك
والمستأجرين؛ لتقدِّم الحكومة إلى البرلمان في 29 أبريل 2025 مشروع القانون الذي
أشعل الأزمة.
ينص مشروع القانون على إلغاء جميع القوانين السابقة المنظِّمة لما يُعرف
بـ«الإيجار القديم»، وأن تُرفع القيمة الإيجارية لأماكن السُّكنَى إلى عشرين ضعفًا
من القيمة الحالية بحدٍّ أدنى ألف جنيه للوحدات الموجودة في المدن وخمسمائة جنيه
للوحدات الموجودة في القرى وتوابعها، وأن تنتهي جميع عقود الإيجار في مدى زمني
أقصاه خمس سنوات من تاريخ إقرار القانون، وذلك في حال عدم الاتفاق على إنهائها بين
الطرفين قبل هذه المدة، وفي خلال السنوات الخمس تكون هناك زيادة سنوية للقيمة
الإيجارية بنسبة 15%.
نظرة على «قانون الإيجار القديم»
ينظِّم «قانون الإيجار القديم»، رقم (136) لسنة 1981، العلاقة بين المالك
والمستأجر بعقد طويل الأجل، غير محدد المدة، وبأجرة ثابتة، ولا يتيح للمالك فسخ
العقد أو رفع قيمة الإيجار، ويمتد هذا العقد إلى ورثة المستأجر؛ وهو ما جعله أكثر
القوانين الإيجارية إثارة للجدل، خصوصًا أن تأثيره امتد لعقود شهدت تغيرات
اجتماعية واقتصادية كبيرة. ووفق آخر إحصاء حكومي معلن عام 2017، توجد ثلاثة ملايين
وعشرون ألف وحدة عقارية بنظام الإيجار القديم، 55% منها سكنية، يقدّر عدد القاطنين
فيها بنحو سبعة ملايين مواطن، ثلثاها في «القاهرة الكبرى»، فيما يتوزع المتبقي على
محافظات الجمهورية الأخرى، تتراوح أجرة غالبية الوحدات ما بين ثلاثين إلى مائتي
جنيه.
تاريخيًّا؛ يمتد هذا القانون إلى زمن «الحرب العالمية الأولى»، التي اندلعت عام 1914؛ حيث واجهت البلاد أزمة سكنية حادة، ألزمت الحكومة بالتدخل في سوق الإيجارات، ثم عادت للتدخل مرة أخرى عام 1947 بتثبيت القيمة الإيجارية؛ من أجل حماية المستأجرين من احتكار المُلَّاك، ثم توالت التشريعات التي عزّزت هذا الاتجاه، خصوصًا بعد ثورة عام 1952 التي رسّخ القائمون بها فكرة الامتداد القانوني وتجميد القيمة الإيجارية. وجاء قانون عام 1996 ليحرر العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر فيما يخص العقود الجديدة فقط، أي لم يطبق بأثر رجعي؛ ما أبقى العقود القديمة خاضعة للقوانين السابقة. لكن في ظل التطورات المجتمعية المتسارعة عاد ملف «الإيجار القديم» إلى الواجهة، وبدأت الحكومة في اتخاذ خطوات لتغييره، كان أولها إصدار قانون ينظم أوضاع الوحدات المؤجرة للأشخاص الاعتباريين، قبل أن تلتفت إلى الوحدات السكنية وتدفع بمشروعها الأخير المثير للجدل.
القانون في ميزان «عقد الإجارة»
تُعرَّف «الإجارة» في الفقه الإسلامي بأنها: تعاقد على تحصيل منفعة معلومة
مباحة مقصودة مقابل عوض معلوم. وهو من العقود المشهورة والمشروعة بالكتاب والسنة
والإجماع، والتي تشبه في مضمونها عقود الإيجار في القوانين الوضعية، لكنها تتمتع
بضوابط فقهية خاصة. ويُشترط لصحة عقد الإجارة: رضا المتعاقدين، وأن تكون المنفعة
المعقود عليها معلومة، ومباحة شرعًا، وقابلة للانتفاع بها دون تلف، وأن تكون
الأجرة مالًا معلومًا، وأن تُحدد مدة الإجارة. ومن الأحكام المتعلقة بها: جواز فسخ
العقد إذا أخلّ أحد الطرفين بالشروط، وعلى المالك أن يضمن العين وعلى المستأجر أن
يضمن الأجرة.
وإذا قِسْنا «قانون الإيجار القديم» بمقياس قانون الإجارة الإسلامي فإنه
يصير عقدًا باطلًا حتى لو تدّثر بسلطة قانون الدولة ورضا طرفي العقد؛ لأنه كما
يقولون: لا أثر لقانون مخالف للشرع، فما كان من العقود خاليًا من بيان المدة ولم
يكن مشاهرةً وجب فسخه وردُّ العين المستأجرة إلى المالك. ومن ثم فلا عبرة بتأبيد
الإيجار أو ثبات القيمة وحرمان المالك من حق الانتفاع بملكه أو التصرف فيه، وهذا
ما قالت به «دار الإفتاء المصرية»، والتي أكدت أن عقد الإيجار لا يورَّث؛ حيث
ينتهي العقد بوفاة المستأجر الأصلي، ولا يجوز شرعًا توريثه للورثة.
«اللي حضّر العفريت يصرفه»:
أحد إشكالات «قانون الإيجار القديم» هو تداخل المدني بالديني؛ ما يعقّد
الأزمة ويدفع إلى مزيد من المخالفات الدستورية والشرعية، ويجعل كل طرف مصرًّا على
مظلوميته.
يرى المهتمّون من غير المُلَّاك والمستأجرين أنه تركة تشريعية فرضتها
الدولة لعقود دون تدخل جذري لمعالجتها، وأن الأزمة تحتاج إلى حلٍّ عادل؛ حق
المستأجر في سكن مستقر بقيمة تتناسب مع دخله، وحق المالك في الاستفادة بوحدته، وما
خلا ذلك يعد عبثًا بالسلم الأهلي، ومخالفة صريحة لأحكام محكمتي النقض والدستورية
العليا والتي تمنع المساس بالعقود المستقرة.
«اللي حضّر العفريت يصرفه».. مثل مصري يلقي بالمسؤولية على كل من تسبب في
مشكلة أو ورّط فيها غيره. وهذا لسان حال الجميع الآن: شرعيين ومدنيين؛ فترى «دار
الإفتاء المصرية» أن «تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر هو من الأمور المدنية
التي يجوز لولي الأمر التدخل فيها لتحقيق التوازن والعدل بين الطرفين، خاصة في ظل
الظروف الاقتصادية المتغيرة»، فهي بذلك تلقي بالمسؤولية على الحكومة، بإعادة
التوازن بين حقوق كل من المالك والمستأجر حسب قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»، وبالتدرج
–كما اقترح البعض- في إنهاء تبعات هذا القانون، وإيجاد حلول عادلة تحفظ كرامة
المستأجرين وحقوق المُلَّاك. فالمؤكد أنه لو تمّت معالجة الأزمة بالموافقة على
المشروع الذي تقدمت به الحكومة فستكون العواقب وخيمة على الجميع، وكما حدث في
أزمات مماثلة، في مصر وغيرها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً