في حضرة «دولة التلاوة» وأخواتها
قرآنٌ يُتلى ولا يُفهم.. عن صعود التدين الصوتي وسقوط المعنى!
في السنوات
الأخيرة، لم يعد حضور القرآن في المجال العام كما كان؛ لم يعد نصًا يُتلقى للفهم
بقدر ما صار -في مساحات واسعة- مادةً تُستهلك للتأثر.
وبين التلاوة
بوصفها عبادة، والتلاوة بوصفها محتوى، تشكّل نمطٌ جديد من التدين، يُمكن وصفه بـ«التدين
الصوتي»، فلم يعد الأمر مجرد أصوات جميلة تُسمع، ولا لحظات خشوع عابرة تهزّ
القلوب، لقد صار مشهدًا كاملًا أقرب إلى الطقوس العابرة.
مقاطع قصيرة
تتكاثر بلا توقف، أصوات تتنافس، مقامات تُحلَّل، ولجان مرئية وغير مرئية تُصدر
أحكامها في التعليقات: من أبكى أكثر؟ من أتقن المقام؟ من استحق الإعادة؟!
وفي مكانٍ ما من
هذا الصخب كان القرآن حاضرًا، لكن معناه لم يكن كذلك، وشيئًا فشيئًا انزاح النص من
مركزه، وتقدّم الأداء إلى الواجهة.
لم يعد السؤال:
ماذا قال الله؟ بل كيف قيلت الآية؟ تحوّلت التلاوة في برنامج «دولة التلاوة» وغيره
من البرامج المماثلة، من بابٍ إلى الفهم، إلى بديلٍ عنه، ومن جسرٍ للهداية، إلى
منصةٍ للاستعراض.
ومن هنا، لا
يعود السؤال: هل نحن أمام موجة من الاهتمام بالقرآن؟ بل أيّ قرآنٍ هذا الذي نحسن
الاستماع إليه، ونعجز عن أن نحسن تلقيه؟
والمفارقة التي
لا يمكن تجاهلها، أن هذا التحوّل لا يُقدَّم باعتباره انحرافًا، بل باعتباره -في
وعي كثيرين- ذروة التدين.
أن تبكي، فهذا
يكفي، أن تتأثر فهذا دليل، أن تُعيد المقطع مراتٍ، فهذا اقتراب، أما أن تفهم فتلك
مسألة أخرى لم تعد مطروحة بالقدر نفسه.
ليست المشكلة في الصوت، ولا في جمال الأداء، ولا حتى في التأثر العابر، فكل ذلك له أصله، وله مكانه المشروع في تاريخ التلقي الإسلامي، بل إن تحسين الصوت بالقرآن كان ولا يزال بابًا معتبرًا من أبواب التأثير.
لكن الخلل يبدأ
حين يتحول هذا كله من وسيلة إلى غاية، ومن مدخل إلى خاتمة، ومن جسرٍ إلى المعنى
إلى بديلٍ عنه.
لقد أخذت ظاهرة «تديين
الأداء» في التوسع داخل مجتمعاتنا، حتى بات الدين -في أحد تجلياته الأبرز- يُستهلك
بوصفه تجربة جمالية سريعة، لا بوصفه بناءً معرفيًا عميقًا، وصار القرآن في مساحة
واسعة من حضوره المعاصر أقرب إلى منتج صوتي منه إلى خطابٍ يُتلقى ويُفهم ويُحتكم
إليه.
هذا التحول لم
يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تداخل معقد لعدة عوامل، لعل أبرزها منطق العصر نفسه، من
حيث إننا نعيش زمن القابلية للانتشار، حيث تُعاد صياغة القيم -ومنها القيم
الدينية- وفق قدرتها على العبور السريع عبر الشاشات.
فالخوارزميات لا
تكافئ العمق، بل تكافئ الاختزال؛ لا تُبرز التفسير والتعليل والتدبر، بل تُبرز
اللقطة المؤثرة؛ لا تصنع عالمًا، بل تصنع لحظة.
وفي هذا السياق،
يصبح الصوت الجميل أكثر قابلية للحياة من المعنى العميق، وتصبح القشعريرة المؤقتة
بديلاً عن الفهم.
ومع هذا التحول
التقني، يتجاور عامل آخر لا يقل أهمية وهو الفراغ المعرفي، فحين يغيب الخطاب
التفسيري الجاذب، وتضعف مشاريع الشرح التي تربط النص بالواقع، يبحث الناس عن أقرب
ما يمكنهم التفاعل معه؛ الصوت، الإحساس، اللحظة، ليس لأنهم يرفضون المعنى، بل لأن
الطريق إليه أصبح أطول، وأكثر وعورة، وأقل حضورًا.
ثم يأتي عامل
ثالث، أكثر خفاءً لكنه شديد التأثير، وهو الحنين إلى الهوية، فحياتنا داخل عالم
مرتبك، تتكاثر فيه الضغوط والتناقضات، تجعل الإنسان كثيف البحث عن علامات سريعة
تؤكد انتماءه، والصوت الديني، والمشهد الطقوسي، والمقطع المؤثر.. كلها أدوات جاهزة
لتوليد هذا الإحساس الفوري بالانتماء، دون الحاجة إلى رحلة طويلة من الفهم أو
التغيير.
وفي ظل هذا كله،
نشهد ما يمكن تسميته بـ«تسييل المعايير»؛ حيث لم يعد هناك ذلك الحضور القوي للسلطة
العلمية التي تضبط الإيقاع، وتحدد الفروق بين الأداء والمعنى، بين الوسيلة
والغاية، فكل شيء أصبح متاحًا للتقييم، وكل أحد قادرًا على التحليل، وكل مقطع
قابلًا لأن يتحول إلى مادة للنقاش، حتى لو غاب عنه الحد الأدنى من العمق أو الضبط.
ولعل اللافت في
هذه المرحلة أن هذا النمط من التديّن الطقوسي قد اكتسى -في كثير من تجلياته- بلونٍ
صوفيٍّ مخفف؛ ليس التصوف العميق الذي كان يبني الإنسان عبر المجاهدة والمعرفة، بل
نسخة وجدانية سريعة، تحتفي بالإحساس أكثر مما تحتفي بالبناء، وكأننا نعيد إنتاج
مشهد قديم، لكن بأدوات جديدة.
وهنا نقصد أننا
لم نغادر منطق الاختزال، بل غيّرنا ملامحه فقط؛ من سلفية الشكل -لحية وجلباب قصير-
إلى صوفية الطقس، مسبحة لا تفارق اليد، وإنشاد يملأ المشهد، وحضور وجداني كثيف،
بينما يظل الخطر ذاته قائمًا وهو أن يُختزل الدين في بُعدٍ واحد، يتبدّل شكله ولا
يتغير جوهره، وهنا تكمن الإشكالية الأعمق.
حين يُفرغ النص
من سلطته المعرفية، ويتحول إلى مجرد مادة للتأثر، فإننا لا نخسر فقط فهمًا دقيقًا
للدين، بل نخسر أيضًا قدرته على التوجيه، حيث يصبح الإنسان متدينًا من حيث الشعور،
لكنه هشّ من حيث البنية؛ يتأثر سريعاً، لكنه لا يتغير بعمق؛ ينفعل، لكنه لا يبني
موقفًا.
والأخطر من ذلك،
أن هذا النمط من التديّن يُنتج قابلية عالية للتوجيه؛ لأن العاطفة حين تنفصل عن
الإطار المعرفي تصبح سريعة التشكّل، وسهلة التوجيه، وقابلة لأن تُستثمر في أي
اتجاه.
ومع ذلك، فإن
الإنصاف يقتضي أن نقول بوضوح: ليست المشكلة في الجمال، ولا في الصوت، ولا في
المسابقات، ولا في الاهتمام بحسن التلاوة.. كل ذلك يمكن أن يكون بابًا من أبواب
الخير، ومدخلًا إلى المعنى، لكن الخلل يبدأ حين يتحول هذا الباب إلى جدار، وهذا
المدخل إلى نهاية، وهذه الوسيلة إلى بديل.
ليست القضية إذن
صراعًا بين التلاوة والتدبر، بل أزمة في ترتيب العلاقة بينهما.
نحن لا نحتاج
إلى إلغاء الصوت الجميل، بل إلى استعادة وظيفته؛ لا نحتاج إلى محاربة التأثر، بل
إلى تعميقه وربطه بالمعنى؛ لا نحتاج إلى هدم ما هو قائم، بل إلى إعادة توجيهه.
أن يعود القرآن
مرجعية تُفهم، لا مجرد صوتٍ يُسمع، أن يصبح التأثر بداية طريق، لا نهايته، أن نخرج
من لحظة الشعور إلى رحلة التغيير.
ربما تكون هذه
المهمة أصعب وأطول، وأقل جاذبية في منطق العصر، لكنها وحدها الكفيلة بأن تعيد
للدين وزنه، وللنص سلطته، وللإنسان توازنه، وإلا سنظل نُحسن الاستماع، بينما نفشل -بهدوء-
في أن نُحسن الفهم.
اقرأ
أيضاً:
«دولة التلاوة».. ودور النساء بين الماضي والحاضر
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً