قراءة بيانية في ألفاظ الحسد في القرآن الكريم
يُعدّ الحسد في
القرآن الكريم داءً نفسيا لا يقف عند حدود الشعور الخفي؛ بل يمتد ليكون سلبًا
صريحًا للنعمة. وقد جاءت الألفاظ القرآنية التي تناولت هذا الداء لتكشف عن
مكنوناته ببيانٍ بليغٍ، لا يكتفي بالتحذير، بل يضع الإصبع على جرح النفس البشرية
الغائرة.
وقد وردت ألفاظ
الحسد في القرآن الكريم في مواضع متعددة؛ بعضها يصرح بالحسد، وبعضها يذكر آثاره
التي تكشف حقيقة هذا الداء النفسي. ومن الملاحظ أن القرآن الكريم لم يذكر الحسد
إلا في سياق الذم والتحذير بسبب أثره المُهِلك والمُفِسد، وقد جاء اختيار مادة (ح
س د) اختيارًا بالغ الدقة؛ إذ تدل في أصلها اللغوي على السلب أو السحب؛ فالحاسد
كأنه يريد "سلخ" النعمة عن المحسود.
والحسد في أوضح
معانيه هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو معنى أدق من مجرد الكراهية أو البغض.
ذكر الأصفهاني بأنه تمنى زوال نعمة من مستحق لها وربما كان مع ذلك سعي في إزالتها
[المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني: 118]. ويقال حسَد جارَه: كره نعمةَ
الله عليه، وتمنَّى أن تزولَ عنه، أو أن يُسلبَها [معجم اللغة العربية المعاصرة:
أحمد مختار عمر: 1/492]. وأصله انفعال نفس الحاسد عند رؤية نعمة على المحسود
انفعالا شريرًا يدفعه إلى مباشرة أسباب المضرة سواء أكان ذلك في حضور المحسود أم
في غيبته [الموجز في شرح مفردات القرآن الكريم: محمد أمين: 159]. وقد يبلغ أثره
مبلغًا عظيمًا بحسب قوة نفس الحاسد وضعف المحسود.
دلالة "إذا" في تقييد شر الحسد
قد يُضمر الحاسد
في قلبه شعور الحسد دون أن يؤذي بقولٍ أو فعلٍٍ، إذ قد يجد في نفسه شيئًا من الحسد
بحكم الطبيعة البشرية، ثم يجاهدها ويكفُّها عن التعدي والإضرار بالآخرين. ومن هنا
جاء تقييد الاستعاذة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، " فجاء
التقييد بـ "إذا" فهي تستعمل غالبًا فيما يُتوقع وقوعه أو يُتحقق حصوله،
بخلاف "إن" التي تستعمل فيما قد يقع وقد لا يقع. فدلَّت على أن الشرَّ
المُستعاذ منه ليس مجرد وجود الحسد، بل ما قد يقع مستقبلًا عند تحوّله إلى انفعال
نفسي مؤذٍ وأثرٍ ضارٍّ بالمحسود.
كما جاءت آية
الحسد معطوفة على سياقات الاستعاذة من الشرور المطلقة قبلها، بينما اختصت هي
بالقيد (إِذَا حَسَدَ)؛ وهو ما يدل على خطورة الحسد وعِظم أثره. ويدل عليه الفعل
"حسد" بصيغة الماضي بعد أداة الشرط «إذا» الدالة على الاستقبال، وهي من
الأساليب العربية التي يُعبَّر فيها عن المستقبل بلفظ الماضي لتحقق وقوعه وتأكيده،
فكأن الشر الناشئ عن الحسد أمرٌ متيقَّن الوقوع متى استبدَّ الحسد بصاحبه وظهر
أثره [ينظر التحرير والتنوير لابن عاشور 30/630].
وكذلك فإن قوله
تعالى: (إِذَا حَسَدَ)؛ هو حسد خاص وهو البالغ أشد حقيقته؛ فالشر الحقيقي والتأثير
المادي أو النفسي ينطلق لحظة توجيه هذا الانفعال النفسي الخبيث (إذا حسد) سواء
بالعين، أم بالكلمة [ينظر إرشاد العقل السليم لأبي السعود: 9/215]. كما أن الحاسد
لا يؤثر فيه حسده إذا أظهره بأن يحتال للمحسود فيما يؤذيه. أما إذا لم يظهر الحسد
وأضمره، فإنما يتأذى به هو لا المحسود، لاغتمامه بنعمة غيره [البحر المحيط لأبي
حيان الأندلسي: 10/576]. أمَّا مجرد تمني المرء أن ينال من الخير مثل ما ناله غيره
دون أن يتمنى زواله عنه، فليس من الحسد المذموم، بل هو الغبطة المحمودة، وعلى هذا
المعنى يُحمل قوله ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله تعالى مالا وسلطه
على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس"
[روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي: 15/ 523].
الحسد المتجدد وخطورته
يقول الله
عزوجل: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ
النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]؛ فقد
جاء الفعل (يَحْسُدُونَ) بصيغة المضارع؛ للدلالة على التجدد والاستمرار، وكأن
الحسد ديدنهم المستمر [إرشاد العقل السليم: 2/191].
وفي قوله: (أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ) أي؛ بل أيحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله؟ لأن (أم
المنقطعة) ليست متصلة بما قبلها على معنى التخيير أو الاستفهام نحو: "أزيد
عندك أم عمرو؟"، وإنما تأتي بمعنى (بل) الانتقالية مع همزة استفهام مقدَّرة
غالبًا، فتفيد الانتقال من غرض إلى غرض آخر؛ فهي تنقل الكلام من توبيخهم على أمر
سابق إلى توبيخهم على أمر آخر أشد، وهو الحسد. ولذلك عندما يقول المفسرون:
"أم منقطعة مفيدة للانتقال عن توبيخهم بأمر إلى توبيخهم بآخر" فالمعنى:
أن الله تعالى وبَّخهم أولًا على ما سبق من أفعالهم. ثم انتقل إلى توبيخ جديد،
فقال: بل أحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله؟
فـ"أَمْ"
هنا أداة انتقال واستدراك، لا أداة عطف بين أمرين متقابلين. ومن أسرار اختيار
"أم" المنقطعة بدل "بل" وحدها أنها تتضمن معنى الإنكار
والتعجب من فعلهم، فكأن الآية تقول: أَبَلَغَ بهم الأمر إلى أن يحسدوا النبي ﷺ
والمؤمنين على ما وهبهم الله من فضله؟ وهذا أبلغ في التقريع والتوبيخ.
وفي قوله تعالى:
﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ
مِنْ فَضْلِهِ﴾ إشارة إلى أن النعمة منحة إلهية؛ فلا موجب للاعتراض عليها
بالحسد وعبّر بـ"فضله" دون "ماله" أو "نعمه"؛ لأن
الفضل يشمل كل أنواع العطاء: العلم، والنبوة، والمال، والمنزلة.
خلاصة القول:
إنّ دقة اختيار اللفظ القرآني في سياق الحسد لم تكن عشوائية؛ فالفعل المضارع
(يحسدون) يقرعُ جرس التنبيه لاستمرارية هذا الداء في النفس، بينما يأتي الظرف
(إذا) ليرسم حدود الخطر عند انتقاله من مكنون النفس إلى حيز الفعل والواقع.
إنها رحلةٌ
قرآنية في أعماق النفس، تُعلمنا أنَّ النعمة أمانة، وأنّ الاعتراض عليها هو في
جوهره اعتراضٌ على فضل الله وحكمته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً