قراءة في تصريحات د. سعد الهلالي حول مسألة إنهاء الحياة: أين ينتهي الفقه ويبدأ ركوب «الترند»؟!

لم تكن فتاة الإسكندرية، وهي تخطو خطوتها الأخيرة، تفكر في خلاف فقهي، ولا في رواية تاريخية تمثل سنداً شرعياً لما أقدمت عليه، ولا في مساحة للتأويل، كانت فقط تغرق في ألم إنساني حاد، لا يرى بالعين، لكنه يبتلع صاحبه في صمت.

لكن وكعادتنا في زمن الشاشات، وفي صراع اللقطات الأبرز، لم يظل الألم ألماً طويلاً، بل تحوّل سريعًا إلى مادة قابلة للنقاش، وإلى «ترند» مفتوح، تتسابق فيه الأصوات، لا لتواسي بقدر ما تسعى للحضور.

وفي قلب هذا الزخم، خرجت تصريحات د. سعد الهلالي، التي لا يمكننا تسميتها فتوى، لا لشيء إلا لافتقادها أبسط قواعدها، لكن وللأسف فإن الوسائط الناقلة والجمهور المتلقي اعتبرها فتوى لصدورها من الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بالجامعة الأزهرية العتيقة!

المهم أن تلك التصريحات أو الفتوى خرجت مستحضرة روايات تفهم، عند اقتطاعها من سياقاتها، على أنها تشير إلى وقائع «قتل نفس» في زمن الصحابة أو المسلمين الأوائل، في محاولة لفتح أفق أوسع للنظر في الحادثة.

غير أن هذا الطرح، كما تم تقديمه، لم يضبط الفارق بين مقام التحذير ومقام التقرير، ولا بين الرواية المؤولة والحكم المستقر، فبدا وكأنه ينقل الفعل من دائرة الإدانة الواضحة، إلى مساحة ملتبسة تحتمل أكثر مما ينبغي، مع أنه كان يمكن أن يجد ضالته لو أراد المواساة والتخفيف في غير ذلك، وهو كثير معروف مشهور، لكنها الرغبة في «الترند» من بابه غير المتوقع.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الخطأ في النقل أو التأويل، بل يتجاوزه إلى ما هو أعمق، إلى لحظة صار فيها «الترند» لاعباً خفياً في تشكيل الخطاب، حتى في المساحات التي يُفترض أنها الأكثر انضباطاً، ومنها مساحة الفتوى أو ما يفترض أن تكون كذلك لصدورها من متخصص.

حينها لا تعود الفتوى مجرد بيان للحكم، بل تتحول –وعياً أو دون وعي– إلى جزء من سباق الحضور، حيث تتم مكافأة الصوت الأكثر إدهاشاً، لا الأكثر ضبطاً، ويتم استدعاء النادر غير المتوقع، لا لأنه أرجح، بل لأنه أقدر على لفت الانتباه.

المأساة كمدخل للفتوى

المشكلة لم تبدأ من التصريح، بل من توقيته! فهناك فارق عميق بين أن تناقش مسألة في مجلس علمي هادئ، وأن تقحمها في سياق حادثة إنسانية مشتعلة، ففي الأولى أنت تُعلم، وفي الثانية أنت تُؤثر، وهنا يتغير كل شيء.

لأن الكلمة –في لحظة الألم– لا تفهم كطرح علمي، بل كرسالة ضمنية عن الفعل نفسه، ومن هنا، يصبح استدعاء روايات ملتبسة عن قتل النفس أياً كان تأويلها مخاطرة منهجية، قبل أن تكون خطأً فقهياً.

صناعة اتجاه أم عرض خلاف

من أخطر ما يتسرب إلى الخطاب المعاصر فكرة الخلط بين سعة الفقه وسيولة الحكم، فالفقه الإسلامي بالفعل واسع، لكن الإفتاء ليس استعراضاً لهذه السعة، بل هو عملية منضبطة تقوم على:

1- تحرير محل النزاع: فهل نتحدث عن قتل النفس عمدًا؟ أم عن حالة فقدان وعي؟ أم عن إكراه؟ الخلط هنا يعني إنتاج حكم مشوش لا يقف على معطيات ثابتة.

2- وزن الأقوال لا جمعها: فليس دور المفتي أن يقول هناك من قال كذا فقط، بل أن يحدد أي هذه الأقوال يصلح، بعد تحقيق مناط الواقعة واستيعاب سياقاتها، أن يتم تنزيله عليها؟

وهنا يظهر الفارق بين العالم الذي يرجح، والناقل الذي يكتفي بالسرد، والباحث عن الشواذ لإثبات تفرده وتفوقه عمن يصفهم بضيقي الأفق من المفتين!

3- مراعاة حال السامع: من بدهيات منهج الإفتاء القويم، أن يكون المفتي قادراً على التفرقة بين ما يقال لطالب العلم، وما يقال لجمهورٍ عام في وسيلة لها خصوصيتها.

ثم إن هناك فارقاً آخر يدركه أهل الاختصاص يتعلق بالسياق، فما يقال في درس داخل مسجد، لا بد أنه يختلف كلياً عما يقال تعليقاً على حادث مأساوي يتعلق بروح إنسان أو شأن من شؤونه أضحى قضية رأي عام.

4- سدّ الذرائع: وهو أصل مهمل في هذا السياق تحديدًا، فلو كان طرح ما صحيحاً في ذاته، لكنه قد يفهم على وجه يخفف من قبح فعل خطير يصبح تركه أولى، ومن المؤكد أن في سعة التراث الإسلامي؛ أحكاماً ووقائع واجتهادات، ما فيه الغنى عن هذا الذي يمكن أن يؤدي إلى عكس ما أراد المفتي أو الفقيه.

«النكش» في التراث

«النكش» مصطلح عربي فصيح يدور حول معاني البحث والتنقيب والاستخراج، ولكي نفهم الإشكال في تصريحات أو فتوى د. الهلالي، لا بد من التأكيد على أنها قائمة على هذا «النكش» بمعناه السلبي، فالأمثلة التي يدور حولها خطابه لا تخلو من أزمات منهجية، ومنها:

1- قاتل نفسه في المعركة: ورد في صحيح البخاري أن رجلًا قاتل بشدة في إحدى المعارك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أصيب فلم يحتمل ألم إصابته فقتل نفسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه من أهل النار»؛ هذه الرواية لا يمكن ذكرها في مجال الانتحار تدليلاً على أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلوا الفعل ذاته، بل تذكر إذا استدعت الضرورة للتحذير الشديد من أمور منها سوء الخاتمة، ومنها معاني إيمانية مهمة لتزكية النفس، مع ضرورة ذكر ملابسات لها علاقة بما اكتنفها من تخريجات العلماء.

لكن نقلها هكذا دون هذا الإطار قد يحولها من زاجر إلى شبهة يمكن أن تلقي بظلال غير مقصودة حتى من المفتي نفسه.

2- اقتحام الصفوف وحده: بعض الفقهاء أجازوا أن يقتحم المقاتل صفوف العدو وحده إذا غلب على ظنه النكاية، فهل هذا انتحار؟ لا، الفارق أنه نية إعلاء كلمة الله، مقابل نية إنهاء الحياة، لكن إسقاط أحدهما على الآخر تشويه للمعنى.

3- شواذ التراث: وفي عملية «النكش» داخل التراث يستخرج هواتها كل شاذ، أو كل ما ذهب سياقه، ليظهروا بمظهر الآتي بما لم يستطعه الأوائل! فليس لديهم مانع أن يطرحوا على العوام آراء تتحدث عن حل بعض أنواع الخمر على اعتبار أنها ليست خمراً، وإجازة بعض صور الربا في حالات نادرة، أو آراء من وسّع في الطلاق بحجج غير معتمدة.

«ترند» الفقيه الإنسان

ما يلفت في خطاب بعض المعاصرين –ومنهم د. الهلالي– هو هذا النمط المتكرر من اختيار قول غير مشهور، ثم تقديمه باعتباره رأياً معتبراً، والإيحاء بأنه يعكس فهماً أعمق أو أرحم!

وهنا تتشكل صورة الفقيه الذي يرى ما لا يراه غيره، لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، فليس كل ممكن في الفقه مناسباً في الإفتاء، وليس كل موجود في الكتب يصلح للطرح العام.

ولعل أخطر ما في هذا المنهج أنه يتخفى وراء قيمة نبيلة هي الرحمة، أو بالتعبير الإعلامي الإنسانية!

لكن الرحمة أو الإنسانية في الشريعة ليست بإلغاء الأحكام، ولا بتذويب الفروق، ولا بفتح كل الاحتمالات، بل بوضع كل شيء في موضعه، وإعطاء كل حالة حكمها المنضبط، أما الرحمة التي تتحول إلى تخفيف دائم فهي أقرب إلى الانفلات منها إلى الفقه.

ليست الرحمة في الشريعة باباً مفتوحاً بلا ضابط، ولا مساحة يعاد فيها تشكيل الأحكام كلما اشتد الألم، بل هي ثمرة منهج دقيق، يضع كل نص في موضعه، وكل حالة في سياقها.

فالرحمة لا تحتاج إلى افتعال أمثلة شاذة، ولا إلى استدعاء روايات ملتبسة لتبدو أوسع، لأنها حاضرة أصلاً في بنية الشريعة نفسها، في إحالة السرائر إلى الله، وفي التفريق بين الحكم على الفعل، والمآل عند الله.

وهنا يظهر جوهر الفقه، أن تُبقي الحكم منضبطاً دون أن تغلق باب الرجاء.

ولهذا كان جواب أبو حنيفة، حين سئل عن رجل مات على كبيرة، وامرأة جمعت بين الزنى وقتل نفسها، نموذجاً نقياً لهذا التوازن؛ إذ لم يبحث عن استثناء يخفف به وطأة الحكم، ولم يستدع قولاً نادراً، بل أعاد المسألة إلى أصلها، فأثبت لهما الإيمان من حيث الظاهر، ثم أحال أمرهما إلى الله، مستشهداً بقول إبراهيم، وعيسى، عليهما السلام: (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (إبراهيم: 36)، (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة: 118).

هكذا تصان الأحكام دون تمييع، وتفتح أبواب الرحمة دون افتعال، فيبقى الفقه هادياً للناس، لا متكئاً على الصدمة ليقنعهم بسعته.

وهنا أيضاً تتجلّى الرحمة في أصفى صورها، حكم لا يتبدل، وقلب لا يقنط، وإحالة صادقة إلى عدل الله ورحمته، دون تكلف في إعادة تعريف الفعل، أو توسيع مصطنع لدائرته.

تحول المنصات

الأزمة الكبرى أن المفتي لم يعد اليوم يتحدث إلى عشرات، بل إلى ملايين، وهذا يفرض عليه تحولاً من باحث يناقش كل شيء إلى موجه ينتقي ما يقول، لكن ما يحدث أحياناً هو العكس، حينما يتحول الخطاب إلى أداء إعلامي، فتكون الدهشة جزءاً من الرسالة، وهنا لا تعود الفتوى بياناً، بل تصبح حدثاً ينبغي أن يساير قواعد الوسيط.

المشكلة ليست في الهلالي كشخص، بل في نموذج يتكرر، نموذج يرى أن إظهار الخلاف يعني عمقاً فقهياً، واستدعاء النادر يجعله أكثر موثوقية لدى الجماهير، وكسر المألوف يصبح معه مجدد القرن، وتمييع الأحكام يكسوه ثوب الفقيه الإنساني الذي تريده السلطة وتفضله طبقات المجتمع الأرقي.

بينما الحقيقة أن العمق في الترجيح، وأن الموثوقية في الفهم المنضبط، وأن التجديد في حسن التنزيل والقدرة على فهم سياقاته، وأن الإنسانية كل الإنسانية في اتباع نهج من وصفه ربه بأنه رؤوف رحيم.

أما نقل الناس من يقين واضح إلى احتمالات مفتوحة فليس توسيعاً لأفقهم، بل تشتيتاً لوجهتهم، وفي زمن تتكاثر فيه المآسي لا يحتاج الناس إلى من يقول لهم: إن كل شيء محتمل، بل إلى من يقول لهم: هذا هو الطريق حتى لو بدا صعباً.



اقرأ أيضاً:

الاحتواء لمواجهة الانتحار

ظاهرة الانتحار .. كيف عالجها القرآن؟

الانتحار.. والانسحاب من المهمة الكبرى

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة