قراءة في كتاب «المستقبل لهذا الدين»
المؤلف:
الأديب الكبير، والداعية المفكر، والمجاهد الصُّلْب، صاحب القلم السيَّال،
والأسلوب الرفيع سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي (1324 – 1386هـ/ 1906 – 1966م)(1).
حُكم عليه بالإعدام، وتم التنفيذ في فجر الإثنين 13 جمادى الأولى 1386هـ/
29 أغسطس 1966م.
تعريف بالكتاب:
يتناول الكتاب فكرة أن الإسلام هو المستقبل الحتمي للبشرية باعتباره الدين
الخاتم والكامل، والذي يحمل كافة عومل بقائه وتجدده وصلاحيته لكل زمان ومكان، ثم
يتناول الأسباب التي تسببت في تنحية الدين جانباً وانفصاله عن الحياة في بلاد
المسلمين وعزله عن حياة الناس، ودحض تلك الأسباب، ويتكون الكتاب من 7 فصول، و106
صفحات.
مع الكتاب:
ينقسم الكتاب لـ7 فصول:
1- الإسلام منهج حياة:
يوضح الكاتب في هذا الفصل عظمة هذا الدين في كونه منهج حياة متكامل لكافة
البشر، فهو ليس مجرد دائرة اعتقاد قلبي وعلاقة بين العبد وربه، وإنما هو منهج له
معالم واضحة، سياسي واقتصادي واجتماعي وأخلاقي، علاوة على خصائصه المرنة التي
تجعله صالحا للتطبيق العملي وليس النظري.
ثم يشير إلى المحاولات الحثيثة والجبارة التي مارستها الصليبية الحاقدة
والصهيونية العالمية لاحتواء الدين الذي واجههم بإشكالية جعلته عصياً على الاحتواء
والتطويق والانعزال، وهي: الشمول، والواقعية والهيمنة، وقد ظنتا أنه بتولي أتاتورك
لمقاليد الأمور وإلغائه للخلافة الإسلامية وغرس الفكرة القومية مكانها أن الإسلام
يمكن أن ينحسر، لكنه في الحقيقة أضخم بكثير من أن تكسره قوة دولة، أو حتى قوة
العالم مجتمع أن تحصره في زاوية في مسجد.
لقد باءت كل تلك المحاولات بالفشل الذريع، فطبيعة هذا الدين ألا ينحصر ولا
يقتصر لطبيعة شموله واهتمامه بكافة مناحي حياة الإنسان.
ويطمئن البشرية بأنها سوف تدور في كثير من الدوائر، وأنها سوف تدخل في
العديد من التجارب، لكنها حتماً ستصل للدين الخاتم كحل وحيد وأكيد لكافة مشكلاتها
النفسية والحياتية.
2- كل دين منهج حياة:
ويوضح المفكر في هذ الفصل أن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى دين، وعقيدة، وركن
قوي يركن إليه، وباعتباره هكذا فإن العقيدة أو الاعتقاد هو أصل أي نظام مجتمعي،
ليس بالضرورة أن يكون معتقداً صحيحاً، فمن لم يتبع الحق، سوف يتبع الباطل، ولن
يتوقف الأمر عند مجرد الاعتقاد، وإنما سوف يترجم لسلوك وحركة.
3- الفصام النكد:
في هذا الفصل يتعرض قطب لإشكالية الفصام الذي حدث في أوروبا بين الدين والإنسان،
وأن الدين المسيحي الذي كتبته الكنيسة وصاغه القساوسة كان السبب الرئيس في هذا
الفصام والعداء القائم، والرهبانية التي صنعتها الكنيسة كانت لأسباب قد تبدو
قاهرة، وهي مواجهة الشهوات التي استولت على الرومانيين، وكلما توحشت تلك الشهوات، أمعنت
الكنيسة في مزيد من اللاهوتية والرهبانية وأحكام الحرمان من كافة أشكال الحياة
ومتعها، وهي أمور لا طاقة للإنسان بها، فاضطر الناس للتعاطي مع الكنيسة داخل
أروقتها فقط.
بينما الحياة عندهم شأن آخر لا سلطة للدين عليها، وكيف لا وهو دين يخالف
الفطرة ويحاربها ويتبرأ منها، بينما هي حقيقة واقعة تبحث لها عن مصرف شرعي، فلم
تجده في شريعة مكتوبة بأيدي الناس.
وسرعان ما انهار هذا المفهوم بعد أن واجه الفطرة البشرية بشكل واضح وبعد أن
وقع القساوسة أنفسهم ورجال الدين في الكبائر وإقحام نظريات علمية وجغرافية بشرية
في الكتاب المقدس وعدم أحقية تفسيرها إلا من خلال الكنيسة التي سرعان ما انهارت
أمام الاكتشافات العلمية والجغرافية على يد جاليليو وغيره.
4- انتهى دور الرجل الأبيض:
يطلق قطب مصطلح «الرجل الأبيض» كناية على الجنس الأوروبي، فيقوم بعرض
المناهج الفكرية التي تؤثر عليه بشكل مباشر وتشكل تفكيره ومعتقداته وثقافته، سواء
كان أوروبياً أو أمريكياً، فمهما اختلفت المسميات سواء كانت شيوعية أو رأسمالية أو
علمانية، فهي أنظمة منتهية لا محالة.
ويثبت أن أي تركيبة مشابهة لهذا النسيج لا تهتم إلا بجانب واحد من الجوانب
الإنسانية هي إلى زوال حتمي، فالإنسان إلى جانب حاجته الجسدية، فهو في حاجة لإشباع
حاجته العقلية، وكذلك حاجته الروحية والقلبية والاجتماعية والاقتصادية.
فالرجل الأبيض بكل ما يملكه من مظاهر مادية هي في الأساس منتج حضاري أعرج
يسير بقدم واحدة، قد أفلس في إسعاد البشرية وتقديم الجديد لها لتضمن عملية
استمرارها، قد أفلس في إشباع الإنسان بحاجات الضرورية بجوانبها المخلفة والمتعددة
والمتشعبة، هو قد ملأ الجانب البهيمي للإنسان، لكنه افتقد الغذاء الذي يغذي روحه
وقلبه، وذلك لحقيقة واحدة، وهي أنه لا يملكها، ولا يعرفها، هو في النهاية قد أفلس
وانتهى أمره.
5- صيحات الخطر:
في هذا الفصل يعرض الكاتب نموذجين من داخل المنظومة، أو من داخل دائرة
القصور، استطاعا ببقايا فطرة إنسانية لديهما أن يريا أن هناك خطراً يهدد البشرية،
وأن هناك خطأ ما يجب علاجه، وأن الأمر لا يمكن أن يستمر هكذا، لكنهما يظلان في
دائرة القصور، فلم يستطيعا بقدراتهما البشرية دون الاستعانة بدين سماوي لم تمسه يد
بشر أن يريا حقيقة الأمر.
هذان النموذجان هما مستر دالاس في كتابه «حرب أم سلام»، وأليكسس كاريل في
كتابه «الإنسان ذلك المجهول»، أطلق كل منهما من خلال كتابه صرخة تستغيث من سطوة
المادة عليهم وعدم جدوى حصر البشرية في قفص العلم المحدود.
6- المخلص:
ويصف د. كاريل الدين الذي يحمل سمات الخلاص، فلا تجده ينطبق إلا على
الإسلام؛ فهو الدين الذي طلبه د. كاريل الذي يخلص الإنسان من المادية الصناعية ومن
سيطرة المادة والآلة على الإنسان، وهو أيضاً ما أراده مستر دالاس في أنه لا يهمل
الحياة الروحية للإنسان ولا يغرقه في المادية الشيوعية ولا الفردية الرأسمالية
الأمريكية، وهذا ما يقدمه الإسلام المخلص الذي يطلبه الغرب ولكنه يأبى.
7- المستقبل لهذا الدين:
وختاماً، يؤكد قطب أنه بالرغم من كل تلك الركلات والضربات القاسية والحرب
الشنيعة على الإسلام، فإننا يجب أن نكون على ثقة تامة من أن المستقبل لهذا الدين،
ويستشهد بالعديد من النماذج في تاريخ الأمة من أزمات وحروب كان يقاتل فيها الإسلام
منفرداً أعزل أمام جيوش عاتية من الصليبيين والتتار وغيرهم.
________________________
(1) من كتاب الشيخ القرضاوي «في وداع الأعلام».