قراءة في كتاب «محسنون من بلدي»
يُعد كتاب "محسنون من بلدي" في جزئه الأول، الصادر عن بيت الزكاة الكويتي في طبعته الثانية عام 2001م، وثيقة تاريخية وإنسانية هامة.
توثيق تاريخي لرواد العطاء
يوثق الكتاب السير العطرة
لخمس وعشرين شخصية من رواد العمل الخيري في الكويت، وهو عدد تم انتقاؤه رمزياً
تيمناً بذكرى اليوم الوطني لدولة الكويت الموافق للخامس والعشرين من فبراير.
يسلط الضوء على الرعيل الأول
من رجالات الكويت الذين أسسوا لثقافة العمل الخيري والتطوعي قبل ظهور المؤسسات
الرسمية.
ويبرز كيف تضافرت جهود هؤلاء
المحسنين في سد احتياجات المجتمع الكويتي قديماً، وتمدد إحسانهم لخدمة قضايا الأمة
العربية والإسلامية، ليكونوا نماذج حية في التكافل، وبناء المدارس، وإغاثة
الملهوف، وعمارة المساجد.
خريطة العطاء الكويتي
وتتجلى في صفحات هذا الكتاب
محاور استراتيجية ترسم خريطة العطاء الكويتي، لعل أبرزها محور التعليم والتنوير؛
فقد حمل هؤلاء الرواد على عواتقهم محاربة الجهل وتأسيس البنية التعليمية الأولى
للبلاد.
ويتضح ذلك جلياً في تبرعاتهم
السخية وتطوعهم للإشراف المباشر على تأسيس المدرسة "المباركية" والمدرسة
"الأحمدية" كأمثال المحسن إبراهيم المضف وسلطان الكليب والسيد علي
الرفاعي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد،
بل امتد ليشمل الفئات المحرومة، كما فعل المحسن شملان بن علي آل سيف بتأسيسه مدرسة
"السعادة" عام 1924م لتعليم الأيتام وأبناء الفقراء بالمجان، وكفاح
الشيخ عبد العزيز الرشيد في نشر الوعي عبر الصحافة ومحاربة الخرافات التي استشرت
في ذلك العصر.
وفي محور التكافل الاجتماعي،
يبرز الكتاب كيف تصدى هؤلاء الرجال للأزمات المعيشية والطبيعية بمسؤولية مجتمعية
فريدة.
فقد قام المحسن راشد عبد
الله الفرحان ببناء أربعين بيتاً لإيواء الفقراء والمحتاجين، وخصص هو والمحسن
شملان آل سيف سفناً مثل "شوعي" لجلب المياه العذبة
من شط العرب وإطعام وسقاية العطشى مجاناً في صيف الكويت القاسي.
كما برز دور الشيخ صالح آل
إبراهيم في إغاثة المنكوبين إثر أمطار سنة "الهدامة" المدمرة عام 1934م،
والمحسن عبد الله عبد اللطيف العثمان الذي سخر ديوانيته لتفريج كرب الغارمين
وتسديد ديون الأرامل بصمت وإعادة بيوتهن المرهونة.
أما على صعيد الامتداد
الإنساني العالمي، فقد أثبت الكتاب أن عطاء رجالات الكويت لم تحده الجغرافيا.
فقد جاب الشيخ عبدالله النوري أقطاراً بعيدة مثل الهند وإندونيسيا وصولاً إلى أستراليا لإنشاء المدارس
والمراكز الإسلامية ورعاية الأقليات. وامتدت الأيادي البيضاء للمحسن عبد الله
العثمان لبناء المساجد والمستشفيات والمجمعات الوقفية في سوريا ولبنان، بل ودول في
إفريقيا وآسيا وأمريكا، ودعم ثورة المجاهدين الجزائريين.
في حين أسس عبد العزيز علي
المطوع لجاناً لكفالة أسر الشهداء والأسرى الفلسطينيين ودعم الصروح الطبية في
مصر.
يقدم الكتاب دليلاً توثيقياً
ملموساً على أن إستراتيجية العمل الإنساني في الكويت ليست وليدة الطفرة الاقتصادية
الحديثة، بل هي امتداد لجذور تاريخية عميقة أسسها رجال تميزوا بالنجاح التجاري
والعمق الديني والمسؤولية المجتمعية.
لقد وظف هؤلاء الرواد
ثرواتهم لبناء الإنسان قبل العمران، مما يجعل من سيرهم مادة ثرية للإلهام،
ونموذجاً يُحتذى به في صياغة استراتيجيات العمل الخيري والتطوعي المعاصر.
وللاطلاع على الكتاب اضغط هنا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً