سوالف المجتمع (6)
قسوة على شاطئ الحنان!
وقف في صحن بيته
وأوداجه تكاد تطفر دماً من الغضب، واتسعت عيناه في حنق، وانهمر منه الصريخ بالسب
العنيف لحليلته والأولاد، وجميعهم في سكوت يعتريهم العجب، ومن أعين بعضهم تقاطر
دمع الأسى.
حتى إذا ما فرغ
من نفث حنقه أدار لهم ظهره وخطى بعصبية نحو الباب وبعصبية فتحه وأغلقه في عنف
اهتزت له الجدران وأجساد بناته، طأطأت الزوجة وزمت عينيها كأنها تراوغ الحقيقة فلا
ترغب في مواجهتها وسكنت عن كل حراك وفيها قد سكن الحزن يحرث في أحشائها يمزقها.
دنت بناتها
والولد وحولها قعدوا جلوساً تنشب الحيرة فيهم بأظفارها يصحبها حميم الأسى يصب فوق
رؤوسهم، كبرى البنات ساءلت أمها: ما الذي يحصل؟! وأبي ماذا دهاه؟! قد عهدناه كملاك
تشخص على صورة بشر، فما الذي جعله ينقلب رأساً على عقب؟! أجنينا جناية ونحن عنها
غافلون كانت من وراء انتكاس خلقه معنا؟! أم تراه ابتلى بمس من الشيطان الرجيم
فأحال حاله إلى جحيم؟! أم ماذا جرى يا أمي؟
تنهدت الأم وضمت
شفتيها على العجز بأن تجيب، ولاذت بالصمت، فأعادت ابنتها الثانية مقالة أختها،
فقالت الأم بصوت خفيض، لست أدرى شيئاً، كل ما أدريه أن ما يبدر من أبيكم ليس من
طبعه ولا عهد لي به إلا أن قلبي يوحي إليَّ أن سراً من وراء ما يحصل.
كان أخو الزوجة
إماماً للجامع الذي يرتاده الزوج، وكان كثير الاختلاف إلى أخته وصلاً للرحم، وما
زارها مرة إلا وتكيل على مسامعه المديح لبعلها وتثني بوابل من الإطراء على خلقه، ولكن
في آخر أيامها كفت عن مديحها والإطراء، وقد أثار ذاك منها انتباه أخيها فسألها
ليستجلي أمرها فأوعزت إليه بأطراف من القول لما هو يجري فأدرك بحصافته كل ما يحصل.
وذات يوم بعد
انقضاء مكتوبة المغرب استنظر نسيبه ليجالسه، فقام نسيبه للنافلة وأداها وبقي على
جلسته حتى فرغ المصلون من الخروج فأتاه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه وجعل عينيه في مواجهة
عينيه فلم يصمد بصره لبصر الشيخ فأطرق من خجل فألقى إليه القول في سماحة، إنني وكل
من يعرفك نشهد بسمو خلقك ورقّة طبعك وجميل خصالك، فماذا دهاك يا عزيزي؟ ما الذي لوى
عنانك عن صراطك؟
شخص هنالك
بعينيه للشيخ وانفرجت شفتاه وكاد أن ينطق، لكنه عاود السكوت وأغلق شفتيه وأعاد
البصر إلى الأرض، فقال له: لا عليك وقل ما يجيش في صدرك، فإني لك محب وعليك أخاف، فراح
على تردد يفضي إليه بالسر المكنون الذي طوى عليه صدره عن كل البشر.
قال: لقد أصابني
وجع من زمن قريب، وذهبت إلى الطبيب فأجرى فحوصاته والتحاليل فأبانت أنني مصاب بداء
عضال لا ينجو منه ناج، وبذلك صارحني الطبيب وأعلمني أن الأعمار بيد الخالق، غير أن
ما علمه من دراسته وخبرته أن أيامي في الدنيا معدودات، وقد يوافيني الأجل في أي
ساعة من ليل أو نهار.
لم أهتم لما
علمت ولم أحزن، وكان كل الذي شغلني أولادي وزوجتي، فهم على تعلق عظيم بي، ولو أنني
رحلت عنهم سيكون رحيلي قاسياً عليهم وسيحزنهم أيما حزن، وفكرت في هذا ساعات وساعات،
حتى ألهمني عقلي المكدود أن أرتدي ثياب السوء من الخلق وأبالغ فيه حتى أخلخل محبتي
في قلوبهم أو أخلق فيها بغضاء لشخصي، حتى إذا ما جاء الرحيل كان هيناً عليهم ولا
يؤذيهم كثيراً.
وانسكبت دمعتان
من عينيه وصمت عن الكلام، والشيخ من أمامه احتبس دمعه وأخذته عبرة الإشفاق والحب،
فأعسرت الحروف على لسانه فحار كيف يجيب، مسح دموعه ونظر وقال للشيخ: عزمت عليك بكل
ما يعزم به ألا يعلم أحد بما أنبأتك، وليكن سراً بيننا حتى يقضي الله أمره، فهز
الشيخ رأسه بالموافقة وهو لا يزال مختنقاً بالعبرات وربت على كتفي نسيبه ثم نهض
كلاهما وتعانقا طويلاً.
في يوم ذهب فيه
بعيداً بالإساءة إلى زوجه فغلب ضجرها الصبر فبادلته الصراخ وكادا أن يشتبكا
بالعراك، لكنها أحجمت عنه بشق الأنفس، وهرولت إلى حجرتها وارتدت ثوب خروج من
ثيابها وأسرعت إلى بيت أخيها، وبين يديه سفحت الدموع غزيرة وجأرت بمر الشكوى، وأخوها
يرهف السمع ويلفه الصمت ويمور في حشاه الأسى لحال الرجل.
هنالك صرخت
بأخيها صرخات جنون، فقد ظنته غير آبه لشكواها، ففاض به الكيل وآلمه سوء ظن أخته به
فوهنت من ذا عزيمته فأفضى بالسر لها، ساورها الريب فيما سمعت، لكنه أوكده لها
بيمين مغلظة أقسمها، فصعقت، ومن صعقتها بهتت وشل لسانها عن الكلام، ونطقت عيونها
بدمع سال على وجنتيها خيطاً تقاطر فابتلت منه بعض ثيابها، ولم يفلح أخوها في اللحاق
بها وهي تسرع بالرجوع لبيتها.
على لهفة دخلت
البيت تجول بناظريها عنه وعثرت به جالساً في غرفته وحيداً، والبنون في مدارسهم، فلما
أبصرها فزع من جلسته وانتصب وهَمّ أن يتكلم، لكنها وضعت كفها على فمه ثم احتوته
بذراعيها وأجهشت باكية فدفعها بيديه عنه وتجهم وأوشك أن يصرخ بها، لكنها أعادت
كفها على فمه واحتضنته وقد زاد بكاؤها.
هنا تسلل إليه
الوهن، وأدرك أنها قد وقفت على سره فدفعها بضعف لم يفلح في إبعادها، فأسلم نفسه
لها، وراحت في بكاء تناجيه، زوجي أتقاسي الأوجاع والألم وتخاف علينا أن تحزننا
فتطوى على الهم صدرك منفرداً؟! أتخاف علينا قسوة الحزن إن رحلت؟ وعلا بكاؤها
واختنقت وهو ساكن يغالب العبرات.
هل سترحل
وتتركنا يتامى مساكين؟ هل ستغادر وتتركنا لوحشة السنين؟ من أين لنا بعدك الحنان
والحب واللين؟ من لنا من الدنيا سواك؟ آه من لوعة الحسرات إن رحلت! وآه من قسوة
الغربة إن مضيت!
ثم علا بكاؤها
حتى اهتز له بدنها، وهو مغلق العينين في صمت أليم، انفلتت منه ومسحت دمعها وحدقت
بعينيها وقالت: لا لن ترحل، لن تغادر، لن تتركنا وستبقى معنا وسنفرح بأولادنا
وستحمل أحفادك وتلاعبهم.
طبطب عليها وقال:
إنه قدر الله وتلك مشيئته وهو خير على أي حال، ولا يسعنا إلا التسليم والرضا، فإن
برئت من علتي فذاك فضل الله، وإن كانت الأخرى فاصبري وسوف نلتقي لقاء ليس يعقبه
فراق، ما أرجوه منك ألا يعلم أولادنا بشيء من حقيقة أمري وذلك مطلبي منك، هنا
عاودها البكاء المر وهو يربت عليها بيد مودع حانية.
مضت أيام قلائل
واشتد الوجع وتفاقمت العلة فأدخلته في غيبوبة دامت أياماً فعل المسعفون خلالها كل
جهد ولكن بغير جدوى، فما انجلت غيبوبته إلا على قيامته.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً