قصيدة الشريف الرضي في جده سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه

قصيدة الشريف الرضي في جده سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه

صاحَت بِذَودِيَ بَغدادٌ فَآنَسَني

                             تَقَلُّبي في ظُهورِ الخَيلِ وَالعيرِ

وَكُلَّما هَجهَجَت بي عَن مَنازِلِها

                              عارَضتُها بِجَنانٍ غَيرِ مَذعورِ

أَطغى عَلى قاطِنيها غَيرَ مُكتَرِثٍ

                              وَأَفعَلُ الفِعلَ فيها غَيرَ مَأمورِ

خَطبٌ يُهَدِّدُني بِالبُعدِ عَن وَطَني

                            وَما خُلِقتُ لِغَيرِ السَرجِ وَالكورِ

إِنّي وَإِن سامَني ما لا أُقاوِمُهُ

                            فَقَد نَجَوتُ وَقِدحي غَيرُ مَقمورِ

عَجلانَ أُلبِسُ وَجهي كُلَّ داجِيَةٍ

                             وَالبَرُّ عُريانُ مِن ظَبيٍ وَيَعفورِ

وَرُبَّ قائِلَةٍ وَالهَمُّ يُتحِفُني

                            بِناظِرٍ مِن نِطافِ الدَمعِ مَمطورِ

خَفِّض عَليكَ فِلِلأَحزانِ آوِنَةٌ

                             وَما المُقيمُ عَلى حُزنٍ بِمَعذورِ

فَقُلتُ هَيهاتَ فاتَ السَمعُ لائِمَه

                             لا يُفهَمُ الحُزنُ إِلّا يَومَ عاشورِ

يَومٌ حَدا الظُعنَ فيهِ لِاِبنِ فاطِمَةٍ

                              سِنانُ مُطَّرِدِ الكَعبَينِ مَطرورِ

وَخَرَّ لِلمَوتِ لا كَفٌّ تُقَلِّبُهُ

                            إِلّا بِوَطءٍ مِنَ الجُردِ المَحاضيرِ

ظَمآنَ سَلّى نَجيعُ الطَعنِ غُلَّتَهُ

                          عَن بارِدٍ مَن عُبابِ الماءِ مَقرورِ

كَأَنَّ بيضَ المَواضي وَهيَ تَنهَبُهُ

                               نارٌ تَحَكَّمُ في جِسمٍ مِنَ النورِ

لِلَّهِ مُلقَىً عَلى الرمضاءِ عَضَّ بِهِ

                                فَمُ الرَدى بَينَ إِقدامٍ وَتَشميرِ

تَحنو عَلَيهِ الرُبى ظِلّاً وَتَستُرُه

                              عَنِ النَواظِرِ أَذيالُ الأَعاصيرِ

تَهابُهُ الوَحشُ أَن تَدنو لِمَصرَعِهِ

                                  وَقَد أَقامَ ثَلاثاً غَيرَ مَقبورِ

وَمورِدٌ غَمَراتِ الضَربِ غُرَّتَهُ

                               جَرَّت إِلَيهِ المَنايا بِالمَصاديرِ

وَمُستَطيلٌ عَلى الأَزمانِ يَقدِرُها

                               جَنى الزَمانُ عَليها بِالمَقاديرِ

أَغرى بِهِ اِبنَ زِيادٍ لُؤمُ عُنصُرِهِ

                                 وَسَعيُهُ لِيَزَيدٍ غَيرُ مَشكورِ

وَوَدَّ أَن يَتَلافى ما جَنَت يَدُهُ

                              وَكانَ ذَلِكَ كَسراً غَيرَ مَجبورِ

تُسبى بَناتُ رَسولِ اللَهِ بَينَهُمُ

                        وَالدينُ غَضُّ المَبادي غَيرُ مَستورِ

إِن يَظفَرِ المَوتُ مِنّا بِاِبنِ مُنجِبَةٍ

                                 فَطالَما عادَ رَيّانَ الأَظافيرِ

يَلقى القَنا بِجَبينٍ شانَ صَفحَتَهُ

                              وَقعُ القَنا بَينَ تَضميخٍ وَتَعفيرِ

مِن بَعدِ ما رَدَّ أَطرافَ الرِماحِ بِهِ

                           قَلبٌ فَسيحٌ وَرَأيٌ غَيرُ مَحصورِ

وَالنَقعُ يَسحَبُ مِن أَذيالِهِ وَلَهُ

                           عَلى الغَزالَةِ جَيبٌ غَيرُ مَزرورِ

في فَيلَقٍ شَرِقٍ بِالبيضِ تَحسَبُهُ

                              بَرقاً تَدَلّى عَلى الآكامِ وَالقورِ

بَني أُمَيَّةَ ما الأَسيافُ نائِمَةً

                    عَن شاهِرٍ في أَقاصي الأَرضِ مَوتورِ

وَالبارِقاتُ تَلَوّى في مَغامِدِها

                           وَالسابِقاتُ تَمَطّى في المَضاميرِ

إِنّي لَأَرقُبُ يَوماً لا خَفاءَ لَهُ

                               عُريانَ يَقلَقُ مِنهُ كُلُّ مَغمورٍ

وَلِلصَوارِمِ ما شاءَت مَضارِبُها

                            مِنَ الرِقابِ شَرابٌ غَيرُ مَنزورِ

أَكُلَّ يَومٍ لَآلِ المُصطَفى قَمَرٌ

                            يَهوي بِوَقعِ العَوالي وَالمَباتيرِ

وَكُلَّ يَومٍ لَهُم بَيضاءُ صافِيَةٌ

                           يَشوبُها الدَهرُ مِن رَنقٍ وَتَكديرِ

مِغوارُ قَومٍ يَروعُ المَوتُ مِن يَدِهِ

                              أَمسى وَأَصبَحَ نَهباً لِلمَغاويرِ

وَأَبيَضُ الوَجهِ مَشهورٌ تَغَطرُفُهُ

                             مَضى بِيَومٍ مِنَ الأَيامِ مَشهورِ

ما لي تَعَجَّبتُ مِن هَمّي وَنَفرَتِهِ

                         وَالحُزنُ جُرحٌ بِقَلبي غَيرُ مَسبورِ

بِأَيِّ طَرفٍ أَرى العَلياءَ إِن نَضَبَت

                            عَيني وَلَجلَجتُ عَنها بِالمَعاذيرِ

أَلقى الزَمانَ بِكَلمٍ غَيرِ مُندَمِلٍ

                          عُمرَ الزَمانِ وَقَلبٍ غَيرِ مَسرورِ

يا جَدِّ لا زالَ لي هَمٌّ يُحَرِّضُني

                           عَلى الدُموعِ وَوَجدٌ غَيرُ مَقهورِ

وَالدَمعُ تَحفِزُهُ عَينٌ مُؤَرَّقَةٌ

                              حَفزَ الحَنِيَّةِ عَن نَزعٍ وَتَوتيرِ

إِنَّ السُلوَّ لَمَحظورٌ عَلى كَبِدي

                             وَما السُلُوُّ عَلى قَلبٍ بِمَحظورِ 

بيان وفوائد:

قصيدة الشريف الرضي في رثاء الحسين من القصائد التي تكشف عن طبيعة هذا الشاعر الفريدة؛ فهو لا يقف عند حدود الرثاء التقليدي الذي يكتفي بتعداد المناقب والبكاء على المصاب، وإنما يجعل من الحادثة التاريخية تجربة شعورية حية تتداخل فيها ذاته مع موضوعه. ولذلك لا يبدأ بذكر الحسين مباشرة، بل يبدأ بنفسه، فيحدثنا عن أسفاره وتنقلاته وعن اعتياده الشدائد ومجابهة المخاوف. نراه يتنقل بين ظهور الخيل والإبل، ويصور نفسه رجلًا ألف الترحال ومقارعة الخطوب، حتى ليقول: «وما خُلقتُ لغير السرج والكور». وهذه النغمة ليست نغمة فخر عارض، وإنما هي تمهيد نفسي مقصود؛ إذ يريد أن يبين أن هناك أحزانًا يستطيع احتمالها، ومصاعب يستطيع التغلب عليها، لكن مصيبة الحسين شيء آخر لا يدخل في نطاق الصبر المألوف.

ولهذا تأتي النقلة الفنية في القصيدة طبيعية ومؤثرة حين تواسيه إحدى النساء وتدعوه إلى التخفف من الحزن، فيجيبها بقوله: «لا يُفهم الحزن إلا يوم عاشور». عند هذه اللحظة ينكشف السر الكامن وراء هذا الهم الطويل، ويتحول الحديث من الذات إلى كربلاء، ومن التجربة الشخصية إلى المأساة الكبرى.

ويبدو الشريف الرضي في هذا القسم من القصيدة شديد القدرة على تحويل الوقائع التاريخية إلى صور شعرية نابضة. فهو لا يروي الأحداث رواية المؤرخ، وإنما يعيد خلقها بعاطفته وخياله. حين يصف الحسين ظمآن في ساحة القتال، لا يكتفي بذكر عطشه، بل يقول إن نجيع الطعن سلّى غلته عن الماء البارد. وهي صورة مؤلمة تقوم على مفارقة قاسية؛ فالماء الذي حيل بينه وبينه صار يعوضه عنه الدم المتدفق من جراحه. ومثل هذه الصورة لا تنبع من مجرد الرغبة في الوصف، بل من إحساس عميق بالمأساة.

وتزداد حرارة التصوير حين يقول:

كأن بيض المواضي وهي تنهبُه * نارٌ تحكَّم في جسمٍ من النور

فالحسين هنا ليس جسدًا بشريًا فحسب، بل كائن من نور تتسلط عليه النار. وليس المقصود من هذا التعبير وصفًا واقعيًا، وإنما تعظيم منزلة الشهيد وإبراز فداحة الجريمة التي وقعت عليه. والشريف الرضي يكثر من هذا اللون من التصوير الذي يرفع الحدث من مستواه التاريخي إلى مستوى الرمز والمثال.

ومن أجمل ما في القصيدة أن الحسين لا يظهر فيها في صورة الضحية الضعيفة، بل في صورة البطل المهيب الذي بقيت هيبته بعد موته. فحين يقول إن الوحوش كانت تهاب أن تدنو من مصرعه وقد بقي ثلاثة أيام غير مدفون، فإنما يريد أن يقرر أن المهابة التي أحاطت بالحسين في حياته لم تفارقه بعد استشهاده. وهذا من التصوير العاطفي الذي يعتمد على الإيحاء أكثر مما يعتمد على الحقيقة الحسية.

والشريف الرضي، شأنه في كثير من مراثيه، يمزج الحزن بالفخر. فهو يبكي الحسين، ولكنه لا ينسى أن يذكر شجاعته وبأسه ومكانته بين الفرسان. ولذلك يصفه بالرأي الواسع والقلب الكبير، ويصور السيوف اللامعة في جيشه كأنها برق متدلي على رءوس الجبال. ومن هنا تكتسب القصيدة طابعًا ملحميًا، فلا تبدو مجرد نشيج على قتيل، بل احتفاءً ببطل استثنائي انتهى إلى مصير مأساوي.

وحين ينتقل إلى الحديث عن ابن زياد وبني أمية، تخرج القصيدة قليلًا من دائرة الرثاء إلى دائرة الاحتجاج السياسي والتاريخي. فهو يرى في مقتل الحسين جرحًا لم يندمل، ويرى أن المسؤولية عن هذه الفاجعة لا تقف عند حدود القتلة المباشرين، بل تمتد إلى النظام السياسي الذي أتاح وقوعها. ولهذا نسمعه يهدد ويتوعد، ويرقب يومًا تنكشف فيه الحقائق وتدور فيه الدائرة على الظالمين. وهذه النبرة الحادة مفهومة في شعر الشريف الرضي، لأنه لم يكن شاعرًا منعزلًا عن قضايا عصره، بل كان يحمل شعورًا قويًا بالانتماء إلى البيت العلوي وما ارتبط به من ذكريات وآمال.

ومع ذلك فإن أجمل ما في القصيدة ربما يكون خاتمتها؛ فبعد أن يفرغ من استحضار المشهد التاريخي ومن إطلاق أحكامه ومشاعره، يعود إلى نفسه من جديد. يعود إلى ذلك الجرح القديم الذي لا يبرأ، ويعترف بأن الحزن صار جزءًا من كيانه. يقول إن السلو محظور على كبده، وكأن النسيان نفسه أصبح خيانة للذكرى. وهنا تبلغ العاطفة ذروة صدقها، لأن الشاعر لا يتكلف الحزن ولا يستدعيه، بل يبدو وكأنه يعيش معه منذ زمن طويل حتى صار عنصرًا من عناصر شخصيته.

وتكشف القصيدة في مجموعها عن أبرز خصائص الشريف الرضي الفنية: جزالة اللفظ، وقوة الإيقاع، وكثرة الصور الحسية، والقدرة على الجمع بين الفخر والرثاء في نسيج واحد. وهي كذلك تكشف عن شاعر لا ينظر إلى كربلاء بوصفها حادثة من الماضي، بل بوصفها ذكرى حية متجددة، تستدعي الدموع كلما مرت بخاطره. ومن هنا جاءت القصيدة حارة العاطفة، قوية النبرة، ممتلئة بالحركة والصور، حتى غدت واحدة من أجمل ما قيل في الرثاء الحسيني في الشعر العربي القديم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة