...

قصيدة في رثاء العالِم الرباني القرآني الشيخ زغلول النجار

شريف قاسم

12 نوفمبر 2025

567

رحم الله العالم الرباني القرآني المتدبر د. زغلول النجار على مواقفه الفذة العظيمة في نصرة الإسلام والمسلمين.

وقد نقلت وسائل الإعلام المتعددة شطراً من مكانة الأثر البالغ الذي تركه الشيخ الرباني زغلول النجار أثناء ردِّه على المسؤول البريطاني الذي حضر الاجتماع:

المكان: وزارة الخارجية البريطانية.

الزمان: ما بعد تفجيرات لندن عام 2005م.

الحضور: وفد من علماء الأزهر ومعهم د. زغلول النجار يرحمه الله.

المناسبة: تلبية لدعوة وزارة الخارجية البريطانية للإجابة عن الدوافع التي تقف وراء هذه التفجيرات، وهل الدين الإسلامي يحبذها ويشجع على فعلها أم لا؟

وقد كان مقرراً حضور وزير الخارجية البريطاني آنذاك، غير أنه اعتذر في اللحظات الأخيرة، وأناب عنه مساعده لشؤون الشرق الأوسط.

وتحدث مشايخنا عن الإسلام دين الرحمة، وكيف أنه بريء من الإرهاب والخراب والدمار، وكيف أنه لا ينبغي أن يوصم الإسلام بالإرهاب من أجل حفنة أشخاص هنا أو هناك، ودار جميعهم في نفس الفلك، جميعهم يجتهد في دفع التهمة، وإقناع المستمع أننا أناس مسالمون طيبون.

ثم جاء الدور على د. زغلول النجار فقال: من حيث إن الإسلام دين لا يدعو إلى أذى الآمنين وترويع المطمئنين فأنا مع إخواني العلماء الذين سبقوني، لكن عندي أسئلة أود لو أجبتني عنها، موجهاً كلامه للمسؤول البريطاني: من الذي ابتدأ الآخر بالعدوان؟

أليست جيوش بريطانيا هي التي احتلت فلسطين وسلمتها لغير أصحابها الذين نكّلوا بأهلها وما زالوا إلى اليوم؟!

أليست جيوشكم وجيوش الغرب هي التي قتلت مئات الألوف في العراق وأفغانستان وغيرهم من المسالمين في أفريقيا وآسيا؟!

ألسنا نعاني، وما زلنا، جراء حروبكم التي لا تتوقف على بلادنا تاركين وراءكم بلاداً خربة وأرواحاً بريئة أزهقت؟!

فمن الذي يستحق أن يلوم الآخر ويعتب عليه؟!

أمن أجل حادث لا نرضاه ولا نقره تأتون بنا لندفع عن أنفسنا التهمة، بينما أنتم تعيثون في بلادنا فساداً منذ قرن ونصف قرن تقريباً ولا تشعرون بالذنب؟!

سادت لحظة من الصمت، تكلم بعدها المسؤول البريطاني قائلاً: ليت الجميع يتكلم بنفس صدقك ولغتك!

عندما أحتاج للحديث مع أحد سأطلب أن يكون معك أو مع أمثالك، رغم أن كلامك أكثر إيجاعاً، لكنه أصدق لهجة!

انتهت الزيارة ووصلت الرسالة لأصحابها، لكن الرسالة الأبلغ في القصة هي أننا نحتاج لخطاب العزة لا الضعف والهزيمة، وأن الإسلام يحتاج لمبلغين فاهمين لا ناقلين، أقوياء لا ضعفاء، وأن العدو يحترم القوي وإن آلمه، ويحتقر الضعيف وإن حاول إرضاءه، وأن قضية الإسلام كما قال شيخنا الغزالي: قضية عادلة بيد أنها بيد محامين فشلة، وأن ألف ربعي بن عامر موجودون بيننا اليوم وفي كل عصر ومِصْر، لا تهتز منهم شعرة واحدة لرستم ولا لألف رستم، لكن الأجيال الناشئة لا تعرف عنهم شيئاً، وبطلها الآن بين يدي ربه فادعوا له بالرحمة والرضوان من رب العالمين، إنه فضيلة العلامة الشيخ زغلول راغب محمد النجار:

فَلْتَبْكِ أنفسُنا على الأبرارِ              أهلِ الوفاءِ لدعوةِ الجبَّارِ

فرحيلُهم يدمي القلوبَ ومنهُمُ              علمُ الهدى المعروف بالنَّجَّارِ

أغرودةُ الدين الحنيفِ ففضلُه            ما غاب عن قيمٍ وعن أسفارِ

العالمُ الفَذُّ المحِبُّ لربِّه                   ولدينِه ونبِيِّه المختارِ

ما عاشَ يهفو للنفاقِ لظالِمٍ              أو ينحني للقادةِ الأشرارِ

أو ذلَّ للطاغوتِ حاربَ دينَه              وأناخَ في بابِ الهوى والعارِ

علماؤُنا الأبرارُ هم مَن بايعوا              مَن جاءَ بالإسلامِ والأنوارِ

صلَّى عليه اللهُ في عليائه              وعلى الكرامِ الصِّيدِ في الأعصارِ

ما استسلموا أبداً لطاغية عوى              ليسودَ رغم فسادِه المنهارِ

ما أذعنوا للشَّرِّ أوقد حقدَه              ليُذيبَ طيبَ الدينِ والأذكارِ

ويزيلَ نورَ اللهِ من دنيا الورى            ويعيشَ عيشَ بقيَّةِ الكفَّارِ

لكنَّه الديَّانُ يمهلُ ظالماً                لينالَ بعدُ عقوبةَ الفجَّارِ

ويُعزُّ ربُّ العرشِ رغم ضراوةٍ              لِقُوى الضَّلالِ ونخبةٍ لضواري

أهلَ العقيدةِ لم يزل روَّادُها              يوم اللقا في روضها المِحبارِ

فطوى الهلاكُ هنا فراعنة لهم              صيتٌ ببطشِ المجرم الجزَّارِ

وعلى وجوهِ مجاهديها نورُها              يحكي عقيدةَ مؤمنٍ بالباري

طوبى لكوكبةِ الجهادِ فَعَالِمٌ              فيها وفيها ذا الأبَرُّ القاري

مَن عاشَ للقرآنِ يملأُ دربَه              من هديِه المشهودِ في الأمصارِ

علماؤُه الأبرارُ رغم عدوِّه              جاؤوا بمعجزة له وفخارِ

والشيخُ زغلولٌ تألَّق إذ جلا              ما فيه من علمٍ ومن آثارِ

فأناخَ مَن شهدَ البراهين التي              قد أوقعتْهُ بأسفلِ الأغوارِ

علماؤُنا الأخيارُ في ليلِ سجى              جاؤوا بدينِ اللهِ خيرِ نهارِ

إذ إنهم أهلُ القيادةِ فضلُهم              في أمَّتي ما زالَ بالمدرارِ

هَلَّ التآلفُ والتَّآخي والهدى              رغمَ اعتكارِ الأفقِ بالإنكارِ

وبوجههم سيما الوفاءِ لدعوةٍ              في النَّاسِ ربَّانيَّةِ الأنوارِ

في خطبةٍ أو ملتقَى رُوَّادُه              جمعُ الشبابِ وقُلْ: ذوو الأبصارِ

فالرُّشدُ والقيمُ المضيئةُ كالسَّنا           وسُمُوُّ ما في الخُلْقِ من إيثارِ

والمُلتقى فيه المآثرُ رفرفتْ              تجديدُها يدعو إلى الإكبارِ

وهُمُ الشَّبابُ إذا تولَّى سعيَهم            علماؤُنا فازوا بخيرِ فخارِ

لم يذعنوا لفسادِ عصرٍ زاخرٍ              بالفسقِ والترفيهِ في الأقطارِ

لمَّا أصاخوا للنِّداء جليلُه               قد صاغه العلماءُ يهدي السَّاري

جاؤوا به من مصحفٍ أو سُنَّةٍ              فالوحيُ فيه فليس بالخطَّارِ

بل آيةٌ تُتْلَى لتخشعَ أنفسٌ              للهِ ذي الإنعامِ والمقدارِ

هم للشبابِ يؤازرون نشاطَهم              في بهجةٍ ما لفَّها من زاري!

فعلى يدِ العلماءِ تنهضُ أمَّةٌ              وتردُّ زيفَ العصرِ بالإصرارِ

وتعيدُ للإسلامِ زهوَ فيوضِه              في المسلمين وليس غثَّ إطارِ

فالموبقاتُ بعصرنا تفنى إذا              ما أنكرَ العلماءُ زيفَ سِتارِ!

للعلمِ في قلبِ الفقيه مكانةٌ              في العالَمين ولم تكن لِشرارِ

إرثُ النَّبيِّ كرامةٌ آلتْ لهم              والعلمُ دِينُ بصيرةِ الأبرارِ(1)

والفضلُ للعلماءِ إن عاشوا بها              ونأوا عن السُّفهاءِ والفجَّارِ

درجاتهم عليا بفضلِ علومهم             وبفضلِ ما للذكرِ في الأسحارِ

ومَن ارتضى منهم فسادَ طغاتهم             فقد ارتضى المذمومَ في الدولارِ

أيبيعُ فضلَ الدينِ للأعمى الذي            عاش الجحودَ لواهبِ الأعمارِ

وقد ارتضى بالجاهليةِ مذهباً              بحضارة الأهواءِ والأوطارِ

باؤوا وربِّك بالهوان وَرُكِّعُوا              لهوى فراعنةٍ هناك صِغارِ

تبًّا لهم كم يركعون لغيرِ مَن              يُرجَى بدنيا الناسِ في ذي الدَّارِ

تبًّا لهم كم يُسْلِمون أمورَهم              ذُلاًّ لكلِّ منافقٍ خَتَّارِ

فقدوا مفاهيمَ الهدى وتهافتوا              حول السَّرابِ وفتنةِ المزمارِ

ومضوا بلا قيمٍ لغيرِ مقاصدٍ              إلا لمكرِ الخبثِ في الأوكارِ

ما هم من العلماءِ عاشوا عِزَّةً              باللهِ مولى الصَّالحين الباري

فمتى يرون النُّورَ في ظُلَمِ الهوى              ومتى انبلاجُ الليلِ بالأقمارِ

ذهبتْ نفوسُ الصَّالحين عليهِمُ              حسراتِ مَن فُجِعُوا بغيرِ سِتارِ

يا ربِّ ألهِمْ كلَّ قلبٍ طاهرٍ              حُسْنَ الخلاصِ من الأذى البتَّارِ

واجعل لكلِّ المسلمين هداية              تُنْجي من الإذعانِ للجزَّارِ

واجعلْ مسامعَهم تُصَمُّ إذا دعا              داعي الضلالِ لحانةٍ وجواري

واجعل من العلماءِ يا ربي لنا              أهلَ الثَّباتِ لشدَّةِ التيَّارِ

كلماتُ زغلولِ الأبيِّ رسالةٌ              للمرجفين اليومَ في الأمصارِ

أَوَلَم يروا وجهَ انبهارِ مَن اعتدى              لمَّا أصاخَ لصوتِه الهدَّارِ(2)

فالشيخُ لم يخشَ الحقيقةَ قالها              رغمَ اعتزازِ الندِّ باستكبارِ(3)

أصغى إليه لقوة فيما بدا              هيهات في هذا اللقاءِ يُداري

واليوم وافى الشيخُ رحمةَ ربِّه              بعد الجهادِ وعلمِه الزَّخَّارِ

والله نسألُ أن يكون بجنَّة              في خيرِ دارٍ داره وجِوارِ

يهفو على أفيائها الرضوانُ من            ربِّ الأنامِ بنفحه المعطارِ

تلكم مكانةُ مَن مضتْ أيامُه              في خدمة القرآنِ لا الأوزارِ

والسُّنَّةُ الغراءُ كانت دأبَه              وله بها من أوثقِ الآثارِ

إنَّ التَّقيَّ حبيبُ ربٍّ راحمٍ              ناجى الإلهَ البرَّ في الأسحارِ

تمضي الليالي والمآلُ لجنَّةٍ              تُرجَى أخا الإيمانِ للأخيارِ

هم صفوةُ المتوكلين على الذي             بيديْه أمرُ الخلقِ في الأقدارِ

ولقاؤُهم عندَ ازدحامِ صفوفِهم             حول النبيِّ وحوضِه المدرارِ

 

 


________________

(1) البصيرة: نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، كأنه يشاهده رأي عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل، وتضرره بمخالفتهم، وهذا معنى قول بعض العارفين: البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء.

(2) أصاخ: أصَاخَ له أو إليه: استمع بإمعان وأصغى بانتباه شديد.

(3) النِّد: جمع أنداد، النظير والمثيل؛ (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 22). 

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة