قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا: 8 وسائل لبناء اليقين في قلوب المؤمنين
مِن أعظم منازل
الإيمان، بل هو روح الأعمال، وميزان الثبات في مواجهة الابتلاءات، إنه اليقين، الذي
اعتنى ببنائه القرآن الكريم والرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة والتابعون
وأهل التربية على الصراط المستقيم إلى يوم الدين.
سبب نزول آية: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)
تخلف المنافقون
عن غزوة «تبوك»، وراحوا ينقلون أخباراً سيئة عن النبي صلى الله عليه وسلم
والمجاهدين معه، فكان ذلك سبباً في استيائه صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله قوله: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا
مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51)؛ أي قل يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين
تخلفوا عنك: لن يصيبنا أيها المرتابون في دينهم إلا ما كتب الله لنا، في اللوح
المحفوظ، وقضاه علينا، هو مولانا، وناصرنا على أعدائه(1).
وفي الآية تأكيد
أن المؤمن لا يلتفت إلى أقوال المنافقين، الذين يحرصون على التشكيك ونشر الخوف بين
الناس، والسبيل إلى الحماية من ذلك يكون باليقين فيما عند الله تعالى.
وسائل بناء اليقين في قلوب المؤمنين
1- العلم بأنه لا إيمان إلا باليقين:
وصف الله تعالى
المؤمنين بأنهم أهل اليقين، حيث قال عز وجل: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا
أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (البقرة: 4)، وقال
ابن مسعود: اليقين الإيمان كله(2)، وقال ابن القيم: اليقين من
الإيمان بمنزلة الرُّوح من الجسد(3).
2- الإيمان بالقضاء والقدر:
لا يصل المؤمن
إلى اليقين إلا إذا آمن أن كل ما يقع في كون الله إنما هو مقدر، ففي الآية
الكريمة: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)، وروى الترمذي وأحمد عن عبدالله بن عباس قال:
كنتُ رِدفَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فالتفتَ إليَّ فقالَ: «يا
غلامُ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ، تَعرَّف إلى
اللَّهِ في الرَّخاءِ، يَعرِفْكَ في الشِّدَّةِ، قد جفَّ القلَمُ بما هوَ كائنٌ،
فلَو أنَّ الخلقَ كُلَّهُم جميعًا أَرادوا أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ
لَكَ، لَم يَقدِروا عليهِ، أو أرادوا أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ علَيكَ،
لَم يقدِروا علَيهِ».
وفي سنن أبي
داود عَنْ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ: قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ: «يَا
بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ
مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ»،
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ
مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ،
وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ
السَّاعَةُ يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي».
3- التذكير بالآيات القرآنية:
قَالَ
الرَّبِيعُ بنُ أَبِي صَالِحٍ، دَخَلْتُ عَلَى سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ حِيْنَ
جِيْءَ بِهِ إِلَى الحَجَّاجِ، فَبَكَى رَجُلٌ، فَقَالَ سَعِيْدٌ: مَا يُبْكِيْكَ؟
قَالَ: لِمَا أَصَابَكَ، قَالَ: فَلَا تَبْكِ، كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنْ يَكُوْنَ
هَذَا، ثُمَّ تَلَا: (مَا
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد: 22)(4).
4- التفكر في الآيات الكونية والإنسانية:
دعا الله تعالى
إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض، وما فيهما من مخلوقات، من أجل بناء الإيمان،
حيث قال عز وجل: (قُلِ
انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ
وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (يونس: 101)، ثم أوضح سبحانه أن
النظر في خلق الكون وما فيه سبيل إلى بناء اليقين، حيث قال تعالى: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ
مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثية: 4)، وقال سبحانه: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ
{20} وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات).
5- استحضار السُّنن الإلهية:
تعمل السُّنن
الإلهية على غرس اليقين في قلوب المؤمنين، فهي تتسم بالثبات والاطراد، حيث تقع لكل
الناس، ولا تحابي أحداً من الخلق؛ لذا كان الإيمان بها من أهم السبل إلى غرس
اليقين في النفس، فقد قال عز وجل: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران: 137)، (فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ
تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر: 43)، وقال
أيضاً: (سُنَّةَ اللَّهِ
الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)
(الفتح: 23)، ويظهر ذلك في العديد من السنن، كسُنَّة التداول، التي قال
الله فيها: (وَتِلْكَ
الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140).
6- صحبة الصالحين وأهل اليقين:
قال ابن القيم:
مجالسة العارف تدعوك من ستٍّ إلى ستٍّ: من الشكِّ إلى اليقين، ومن الرياء إلى
الإخلاص، ومن الغفلة إلى الذِّكر، ومن الرَّغبة في الدُّنيا إلى الرَّغبة في
الآخرة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الطويَّة إلى النصيحة(5).
7- الاستعانة بالقصص التاريخية:
أوضح سبحانه أن
قصص التاريخ تثبّت المؤمنين من خلال ما وقع فيها من النصر والتمكين، حيث قال عز
وجل: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ
مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: 120).
وروى البخاري
عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ
قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟! أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا؟! قَالَ: «كَانَ
الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ،
فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ
وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا
دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ
وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ
إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ
تَسْتَعْجِلُونَ».
فقد استعان
النبي صلى الله عليه وسلم بقصص السابقين من أجل ترسيخ اليقين بالنصر في قلب سيدنا
خباب، ومن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
8- الدعاء:
روى الترمذي
بسند حسنه الألباني عن ابْن عُمَرَ، قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ
الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا
يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ
جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ
الدُّنْيَا..».
وروى أحمد في
مسنده بسند صحيح عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ
لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ وَالْمُعَافَاةِ،
فَسَلُوهُمَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ»، وعن أبي يزيد المدايني قال: كان من دعاء أبي
بكر الصديق: اللهم هب لي إيماناً ويقيناً ومعافاة ونية(6).
اقرأ أيضاً:
__________________
الهوامش:
(1) تفسير
الطبري (14/ 290).
(2) صحيح
البخاري (1/ 11).
(3) مدارج
السالكين (3/ 170).
(4) سير أعلام
النبلاء: الذهبي (4/ 337).
(5) مدارج
السالكين (4/ 294).
(6) حياة الصحابة: الكاندهلوي (3/ 186).