القيم الحاكمة للأسرة في القرآن (5)

قيمة الإحسان بين الأزواج

رجل_يحنو_على_زوجته

يظهر الإحسان في حال العطاء دون مقابل أو أجر منتظر فيكون أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له، فتحري العدل واجب، وتحري الإحسان ثواب وتطوع، وهو الفعل النافع للنفس وللآخرين؛ أي فعل المُحسن لما ينفع غيره بحيث يصير الغير حسنًا به، كإطعام الجائع، أو يصير الفاعل به حسنًا بنفسه، فعلى الأول الهمزة في أحسن للتعدية، وعلى الثاني للصيرورة، يقال: أحسن الرجل: إذا صار حسنًا أو دخل في شيء حسن(1).

والإحسان في مجال العلاقات الزوجية أن يوفي الرجل لزوجته حقها، فلا يؤذيها، ولا يُهينُها، فهو لا يقابل المعاملة بالمثل، وهكذا الزوجة، فالحسنة من الزوجين تقابل في قيمة الإحسان، الحفظ بالغيب، والعطاء بالغيب، والسيئة تقابل بالصفح والعفو غير المتبوع بمنٍ أو غيبة.

وقوله تعالى (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)؛ أي على المؤمنين، وليس بأحد أن يقول: لست بمحسن ولا متق، فالناس مأمورون بأن يكونوا جميعًا محسنين متقين، فيحسنون بأداء فرائض الله ويجتنبون معاصيه حتى لا يدخلوا النار؛ فواجب على الخلق أجمعين أن يكونوا محسنين متقين(2)، فالناس هنا كلهم محسنون، ويجب أن ينالهم في وجه من وجوه حياتهم العمل بتجلي هذه القيمة في أحد معاملاتهم، ولن يكون أقرب من ذلك الوجه إلا في الأسرة والزوجية وما يتعلق بهما.

وقوله تعالى: (وإن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا) خطاب للأزواج، أي أن تتحملوا مشقة الحياة الزوجية والصبر على الاستمرار للمحافظة على كيان الأسرة؛ أي إن تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهن مع كراهيتكم لصحبتهن واتقاء ظلمهن فهو أفضل لكم(3).

وهذا وجه آخر للمحسنين من الزوجين في تحمل مشقة النفوس، والصبر عليها، مع تحري العدل والمحافظة على الواجبات الأساسية في حدها الذي لا يخرج عن الظلم، وكأن ذلك هو عتبة الزوجية التي لا يمكن أن يكون وراءها شيء، وهو الكف عن الشر وفعل المعروف المتبادل بين الزوجين.

وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): أي بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه(4)، إن حفظ أصول العلاقات وقواعدها والوعي بها كما تضمنتها منظومة القيم في الوحي، أحد ضمانات تثمير الحياة الأسرية بالنفع والخير المجتمعي والإنساني، فالإحسان هنا: حفظ، ونفع، وتثمير.

وقوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)؛ أي جزينا هؤلاء بحسن طاعتهم إيانا وصبرهم على المحن فينا، كذلك نجزي بالإحسان كل محسن(5)، إن وعد العمل بالإحسان يحفز المؤمن إلى تحري القيام به، والحذر من الوقوع فيما يخالفه، أي الإساءة ولو على أدنى مستويات التعامل الزواجي/ الأسري، وهذا دفع إيماني مباشر وصريح نحو تعزيز قيمة الإحسان الأسري.

وقوله تعالى: (لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ)؛ أي العاملات منهن بأمر الله وأمر رسوله(6)، وهذا خطاب للنساء وتحفيز لهن بالمحافظة على إحسانهن في العلاقة الزوجية والأسرية، وأن يتمسكن بصفاتهن: قانتات صالحات حافظات للغيب في مواجهة أمواج التغيرات التي تحيط بالحياة الأسرية، وأن تستمسك بأهداب الإحسان والذي يعقبه جزاء العاملين من الله تعالى والذي وصفه بالأجر العظيم، ومن أحسن من الله إيفاءً.

تعدل منظومة قيم القرآن، في توجيهيها مطالبة بالإحسان للأزواج تارة، وللزوجات تارة أخرى، ولهم جميعًا تارة ثالثة، وما ذلك إلا لتعظيم تلك القيمة وأثرها الإيماني/الاجتماعي في الحياة الأسرية والحياة الزوجية بوجه خاص، فالإحسان، وإن كان فعله لا ينتظر التبادلية؛ أي العطاء والبذل بمقدار الأخذ إلا أن القرآن دفع الزوجين بتبادله وتهيئة المناخ الأسري كله لتجسيده في أنشطة الأسرة المختلفة والمتنوعة، وفي مراحل تطورها ونموها، وحتى في إشكالاتها التي تكون أحوج ما تكون إلى تجسد الإحسان فيه.

قيمة الإحسان جامعة لكل شهود الأفعال الصالحة التي يمارسها الإنسان في حياته الاجتماعية مع نفسه، ومع الغير، وينطلق شهود هذه الأعمال من الغيب أي يتوجه من يمارس تلك القيمة من الإيمان العميق بفكرة: المراقبة الإلهية، من ناحية، والدافعية نحو تحقيق أعلى مراتب الإيمان من خلال الفعل الاجتماعي النافع للناس، في دوائر المسلم المتعددة؛ دائرة الذات، والجماعة والمجتمع والكون، فالسلوك الذي يمارسه المسلم في واقعه الاجتماعي هو السبيل الموصل إلى أعلى درجات الإيمان عند الله تعالى، وهذا الطريق الذي يمارس فيه المسلم الإحسان يتطلب بالإضافة إلى الإيمان، المعرفة والصبر على المشقة، وتحري مقاصد الله في الخلق،

وتتجاوز قيمة الإحسان كل القيم الواردة في العلاقات الزوجية؛ إن الإحسان يتضمن ضمن ما يتضمن صبغة كل القيم الواردة هنا بصبغة الإحسان، فالنفع بلا انتظار للمقابل في الدنيا، ثم الخير المطلق، ثم إحسان التقوى، وهكذا.، فالإحسان أن يرى الإنسانُ اللهَ في كل الوجود الاجتماعي الذي يمارس فيه نشاطه الحضوري والشهودي في دوائره الاجتماعية، وأول هذه الدوائر دائرة الأسرة.

تنعكس آثار تلك القيمة المؤسسة (الإحسان) على كل قيم العلاقات الزوجية وعلى الحياة الاجتماعية والنفسية والمادية بين الزوجين، فتتعدى حدود الحقوق والواجبات والتكليفات القانونية والأعراف والتقاليد، وتظهر في مفهوم مركب هو إحسان العشرة، إن قيمة الإحسان هي أعلى القيم التي يمكن وضعها في سلم قيم العلاقات الزوجية، نظرًا لما تتمتع به هذه القيمة من مراعاة ومراقبة الله في تلك العلاقة، فهي ليست ذات أثر مادي محسوس مباشر كالمودة والسكن واللتان ترتبطان بتلبية الأشواق والاحتياجات المادية.

بيد أن قيمة الإحسان تتجاوز هذه الأشواق وتلبية الاحتياجات المتبادلة، بمراعاة الله وحضوره في تلك العلاقة المادية ذاتها وشكلها، بما يضمن بذل أقصى الجهد في المحافظة على تلك العلاقة وتحسينها وتطويرها بالشكل الملائم الذي لا يحقق رضا الزوجين فقط، بل رضا الله تعالى الحاضر في تلك العلاقة دائمًا، والمراقب لها وعليها، فيكون الإحسان تجاوز الواجب والضروري في تلك العلاقة إلى الفضل الأعلى الذي يبذله الزوجان ابتغاءً لرضا الله وعجلة في طلب هذا الرضا.

وعلى سبيل المثال فإحسان العشرة من الزوج، ليس خاصًا بكفاية الزوجة من الطعام والشراب وصفوف الزينة، كما أنه من الزوجة ليس كذلك بإجابتها الزوج إذا دعاها، ولا أن تهيئ له الطعام فقط، وإنما هو كذلك معنى ينبعث من قلب أحدهما إلى قلب صاحبه، مدفوعًا بروح المحبة والمودة وروح الإيمان بالمهمة المشتركة بينهما والملقاة على عاتقهما في تذليل سبل الحياة، وتربية الأبناء، وتدبير المنزل، بما يضفي على الجميع متعة المادة والروح، وإن تقرير الإسلام حسن العشرة ومسئولية كل منهما عنه، أثر من آثار المبدأ العام في التعاون بين الرجل والمرأة في أعباء الحياة الأسرية(7).

ولإحسان العشرة من الزوج آثار متعددة على الزوجة يظهر في عدة أبعاد أساسية يأتي في مقدمتها تقديم الدعم النفسي للزوجة حتى يتوفر لها السواء النفسي والاجتماعي الذي يساعدها على تجديد ذاتها؛ بتخليصها من المشاعر السلبية التي ربما تواجهها في حياتها الأسرية والاجتماعية..، كما أنه يعظم من قدرتها في مساعدة الرجل ومضاعفة جهدها لصالح الأسرة، ويزودها بالقدرة على تحمل أعباء التربية لأطفالها، خاصة لما يلقى عليها من عبء في تربية هؤلاء الأطفال فترة كبيرة من العمر – لاسيما – مرحلة الطفولة، وبالتالي فإن إحسان العشرة يساعد المرأة على النضج والنمو النفسي والاجتماعي السلم للأبناء؛ لأنهم يتابعون قدر التقدير الذي يمنحه الزوج لزوجته، فيساعد على نموهم في بيئة اجتماعية سوية وسليمة يقدر أعضاؤها بعضهم البعض(8).

والإحسان قيمة متبادلة بين الزوج والزوجة لا فرق في ذلك في أداء تلك القيمة، وقد وردت كثير من الروايات النبوية تخص على حسن طاعة الزوجة لزوجها وتفاصيل تلك الطاعة التي ترتبط بمراقبة الله فيها في غياب الزوج، وكذا في حضوره وشهوده منها: إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته في ماله وعرضه، وإذا أمرها – في غير معصية أطاعته وإذ دعاها أجابته، ولا تؤدي ناقلة إلا بإذنه، ولا تسافر ولو إلى الحج إلا بموافقته، وترعى شأنه، وتؤدب ولده، وتبر أهله، كما في قوله تعالى (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ).

الهوامش
  • 1 محمود عبد الرحمن: معجم المصطلحات الفقهية، ج1، ص81 - 82.
  • 2 القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص134.
  • 3 المرجع السابق، ج5، ص261.
  • 4 المرجع السابق، ج7، ص88.
  • 5 المرجع السابق، ج5، ص274.
  • 6 المرجع السابق، ج12، ص190.
  • 7 محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة، ص160.
  • 8 إجلال إسماعيل حلمي: دراسات في علم الاجتماع الأسري، ص23.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة