كأس العالم والدعوة إلى الإسلام.. الحقائق والآليات والآمال

محمد بدوي

12 يوليو 2026

367

كأس العالم والدعوة إلى الإسلام.. الحقائق والآليات والآمال

يترقب أهل الفكر المستنير وأصحاب القضايا العادلة المحافل والتجمعات لطرح أفكارهم وعرض قضاياهم، سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية، لا سيما كأس العالم لكرة القدم، فأغلب سكان الأرض يتابعونه حتى وإن لم يكونوا من مشجعي اللعبة نظراً لأهمية الحدث.

والدعاة ينتظرون على شوق مثل هذه الأحداث، فالداعي إذا قدم مراد الله حقق الله له مراده، وما من داعية يجدّ ويخلص إلا ويحصل على شيء مما أراده، فهو يستثمر كل الظروف المحيطة به ليحصد أثر دعوته.

وإذا كان الحضور الجماهيري الكبير لمشجعي كأس العالم حدثاً كبيراً لفت أنظار العالم من جميع الجهات، إلا أنه بالنسبة لنا نحن الدعاة يمثل تحدياً كبيراً حيث إن المشجعين على عدة أنواع: منهم من لم يسمع عن الإسلام، ومنهم من لم يفكر في الإسلام قط، ومنهم من لديه تجربة وعلم مسبق عن الإسلام.

فيا ترى ما الآليات والحقائق والآمال التي يمكن أن يقدمها الدعاة استثماراً لهذا الحدث الكبير؟ خاصة أن القوانين الأمريكية تعطي الحرية الكاملة للحديث عن الدين طالما في إطار القانون المسموح به، فالحقائق السابقة للدعوة من خلال كأس العالم قطر 2022 تضع على كاهل المنظمات الإسلامية بأمريكا عبئاً كبيراً وتحديات عظمى.

فما أعلنت عنه قطر من إحصاءات دعوية من خلال وزارة الأوقاف القطرية تعد تجربة استثنائية غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم 2022م.

فإليك بعض هذه الإحصاءات والحقائق:

  • الكتب والكتيبات المترجمة: 100 ألف نسخة.
  • الهدايا المتنوعة والمترجمة: 81 ألف نسخة.
  • زوار المقر الرئيس للمركز: 10 آلاف شخص.
  • زوار المعرض الإسلامي التفاعلي: 12 ألف شخص.
  • زوار فعالية الواقع: 9 آلاف شخص.
  • أجنحة المراكز الفرعية: 3 آلاف جناح.

وقد أثمرت الدعوة في هذه النسخة (قطر 2022) إثماراً عظيماً، فقد تركت انطباعاً مختلفاً عن الصورة النمطية المشوهة من بعض وسائل الإعلام الغربية، بأن صرح كثير من المشجعين والصحفيين الأجانب بإعجابهم الشديد بالثقافة الإسلامية وحفاوة الاستقبال والأمان والترابط الاجتماعي والأسري الذي لمسوه في المجتمع المسلم، ودخول المئات في الإسلام قبل وأثناء البطولة نتيجة لهذه الدعوة والمعاملة الحسنة.

حيث أعلن بعض الدعاة المشاركين عن إسلام 550 شخصاً في الفترة التي سبقت انطلاق الصافرة الأولى من خلال القوافل الدعوية الممهدة للبطولة.

ونحن كدعاة حاملين لرسالة الإسلام وداعين إليها وعاملين بها، متمثلين في ذلك قول الله عز وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33).

والنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا فضل الدعوة إلى الله حين قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما عند البخاري: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم».

وانطلاقاً من ذلك، هناك تحركات ومبادرات إسلامية منظمة وكبيرة جداً تم إعدادها خصيصاً لاستثمار كأس العالم 2026، وذلك للتعريف بالإسلام ونشر قيم التسامح والتعريف بالقرآن الكريم المترجم.

وبما وصل إلينا من حقائق عن كأس العالم السابق، فهذا يمثل تحدياً كبيراً لنا، هل سنصل إلى هذه الحقائق أو سنتخطاها؟ هذا ما ستسفر عنه أحداث الأيام القادمة بعد نهاية المونديال.

ونظراً لضخامة الحدث الذي يجمع الملايين من المشجعين من مختلف الثقافات، فقد أطلقت عدة مؤسسات إسلامية معروفة في أمريكا الشمالية حملة ضخمة مستوحاة من النجاح الكبير الذي تحقق في مونديال قطر 2022، وحددت لذلك عدة آليات:

أولاً: الأكشاك الدعوية: تم تجهيز ونشر أكثر من 300 كشك دعوي ومعرض متنقل متواجدة مباشرة أمام الإستادات الرياضية.

ثانياً: توزيع المصاحف والكتيبات: وتستهدف توزيع أكثر من 50 ألف مصحف باللغتين الإسبانية والإنجليزية، إلى جانب الملايين من الكتيبات التعريفية.

ثالثاً: قمصان المتطوعين: وهي قمصان على شكل كرة القدم لجذب المشجعين، مكتوب عليها من الأمام «What's your goal؟» (ما هدفك؟) ومن الخلف «GOD IS #1» (الله أولاً) باللغتين الإنجليزية والإسبانية.

رابعاً: منظمة «iERA» (منظمة البحوث والتعليم): كان لها دور بارز في مونديال قطر، وعملها من خلال الحوارات الذكية، وهي إدارة حوار مع شباب متدربين في إدارة حوار رحيم وذكي مع المشجعين في الساحات العامة.

خامساً: «The Clear Islam» (الإسلام الواضح): وتأتي هذه المبادرة بالتعاون مع جهات طباعة ونشر القرآن الواضح (The Clear Quran) لتكون القوة اللوجستية التي تمد جميع المتطوعين على الأرض بالمواد الدعوية من خلال الآتي:

سادساً: رعاية المدن والمساجد: تقوم المبادرة بالتنسيق مع المساجد المحلية في كل مدينة مستضيفة للمباريات مثل نيويورك، لوس أنجلوس، تورنتو، مكسيكو سيتي، لإقامة أيام مفتوحة تفتح فيها أبواب المساجد، حيث يسمح للمشجعين الأجانب بدخول المساجد وتناول المأكولات التقليدية والتعرف على شعائر الإسلام عن قرب.

وأنا باعتباري إمام مركز الصحابة الإسلامي بولاية آيوا والمسؤولين فيه، نوفد مبعوثين من قبلنا للوقوف عن قرب على مدى فاعلية هذه الآليات، فوجدناها تؤتي ثمارها بشكل كبير وتؤدي الدور المنوط بها على أكمل وجه.

وبسؤالي أحد الأعضاء القائمين على الدعوة التابعة لمؤسسة الفرقان، الأستاذ الشيخ يوسف مكاوي: كيف تقومون بالدعوة إلى الله في هذا المحفل الكبير؟

فأجاب: إن أهم شيء ندعو إليه توحيد الله عز وجل، وأنه لا إله إلا الله هو المعبود بحق وحده لا شريك له، واحد في ملكه، لا ند له ولا ولد له ولا زوج له، والناس المقبلون على الدعوة صنفان:

الأول: يأتي ليسأل عن الإسلام من خلال سلوك رآه من أحد المسلمين، أو شاهد أحد اللاعبين يسجد عقب تسجيل هدف، أو أنه سمع عن الإسلام من قبل، وهذا الصنف نوعان: إما أن يكون صاحب فكرة سابقة عن الإسلام، أو جاء لأول مرة ليستفهم ويطرح أسئلة للإجابة عليها يتقرب بها إلى الإسلام.

الثاني: غالباً ما جاء إلا ليجادل ويلقي بعض الشبهات ظناً منه أن في ذلك إضعاف موقف الإسلام وإحراج المنتسبين إليه، مثلاً كزواج أم المؤمنين عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سن صغيرة، وهؤلاء ما جاؤوا لمعرفة الحق وإنما جاؤوا ليصرفوا الناس عن الحق.

فقلت: إن الداعي في هذه الحالة كالطبيب، فأحياناً يستعطف الطبيب المريض ويصبر عليه، وإذا اقتضت حالة المريض معالجته بالإكراه في بعض الأحيان فهذا يكون علاجه، وهذا اقتباس من وحي النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشاعر أبي عزة الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم بشعر، فأُسر في غزوة «بدر»، فتوسل للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب بنات وليس لهن غيره من يعولهن، ففك أسره على ألا يعود لهجاء النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه خلف الوعد وهجا النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت غزوة «أحد» فوقع أسيراً، فأراد أن يعيد الكرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حديثه الشهير: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين».

وبسؤاله: كيف تتم الدعوة إلى الله من خلالكم أثناء المباريات؟ أجاب: تقوم اللجان الخاصة بنا بالوقوف في الأماكن المحددة لنا مسبقاً في مداخل ومخارج الإستادات لتعريف غير المسلمين بالإسلام، وأغلب المتعرفين على الإسلام ليس بمسيحي ولا مسلم، ولكنه يؤمن بأن للكون إلهاً لا يعرف ما صفاته وكيف يكون، وهذه الطائفة أغلبها يدخل الإسلام بمجرد الإجابة عن أسئلته، ويعطى قرآناً مترجماً ومطويات وكتيبات عن عيسى عليه السلام في الإسلام وحقوق المرأة في الإسلام.

قلت: فهل أثمرت دعوتكم بدخول الناس في الإسلام؟

أجاب: من خلال الخبرة المكتسبة في الدعوة إلى الله لا بد من تهيئة المتعرف على الإسلام لمعرفة حدود الإسلام حتى يكون مستعداً نفسياً لاجتناب المحرمات، لأن طائفة منهم تريد أن تركب «الترند»!

فقلت: هل أصبح دخول الإسلام «ترنداً»؟! قال: نعم! فكثير من الشباب غير المسلمين يدخلون الإسلام لوجود عدد رآه قد دخل الإسلام فأصبح مشهوراً في وسائل التواصل لمتابعة الجالية الإسلامية له، فنحن نهيئ الشخص أنه لن يشرب المشروبات ولن يكون له صديقات بعدُ حتى يعلم حدوده، وقد دخل عدد كبير في الإسلام أثناء الدعوة إلى الإسلام أمام الإستادات، وتوجد فيديوهاتهم على موقعناInstagram @the-clear-islam، فقلت: صدق الله حين قال: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125).

والحكمة في ذلك أن الداعي إلى سبيل ربه في مجتمعات غير مسلمة معاندة لا بد أن يتعرض لأحوال مختلفة تستدعي إرشاده إلى ما ينبغي أن يفعله حيالها.

وقال: إن أحدث مشاريعنا نشاط يسمى «New Muslim Foundation» يتعرف المسلم الجديد فيه على دينه من خلال مختصين يقومون على تعليمه.

فما أعظم الله! وما أعظم دينه! وما أعظم شأن الدعوة إلى الله! وما أعظم شأن الدعاة إلى الله! وما أعظم أجورهم!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (1)

محمد سعد جادالله
منذ 3 أشهر

مقال رائع ..نرجو مزيدا من هذا النوع من المقالات التي تبث الأمل فينا .. وتزيد الثقة بديننا..كل الشكر للكاتب المتألق محمد بدوي


تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة