كرامة تشوّهها الشاشات!
كاتب المدونة: شاهد الوافي كدميري
الإعلام هي
الكلمة التي تحمل في طياتها المبادئ الجليلة والمعاني العظيمة، وهي العمدة التي
تشكل للبشرية آراء تبنى عليها حياتهم، وتؤثر أثراً بالغاً في تحويل مساراتهم في
سائر مجالاتهم، لا يخلو منها أهل ديانة أو ثقافة أو حضارة، فهي الأجدر أن توصف
بأنها شيء لا يتجزأ من حياة الإنسان عموما بلا استثناء، حيث يجري أثره منه مجرى
الدم في كل حين ولو بلا شعور منه، يؤثر في طريقة تفكيره وأسلوب كلامه وتشكيل وجهته
من جهة، وكيفية النظر للآخر وتحديد المسافة بينه وبين البشر والأشياء حولها من
أخرى.
وإن منصات
الإعلام عديدة، من بينها وجهها الرقمي؛ حيث يزداد عدد مستخدميها يوماً تلو يوم، بعضها
على حساب الفرد والبعض على حساب الجمع، كأن كل واحد منهم يتسنى له أن يكون شهيراً
بين البشر خلال أيام أو أشهر، لا تمنعه من ذلك قلة علمه أو خبرته، وإنما يتطلب منه
وجود جوال وشبكة، ومن ثم إصراره على نشر المحتوى -أي محتوى كان- بين الفينة
والأخرى، وأن يجتهد من أجله على قدم وساق، حتى يكون حسابه بالملايين!
لكن صاحب الحساب
هذا ينسى أو يتناسى أحياناً أن يقف مع نفسه برهة ليتساءل عما قدمه على حسابه في
الأيام الخالية: هل كانت نافعة لمتابعيه أو مشاهديه أم تافهة لا تنفع ولا تضر أو
تضر فقط؟!
فللأسف الشديد!
يا ترى أن معظم هذه الحسابات التي يمتلكها المراهقون والمراهقات والفتيان والفتيات
مما لا طائل من ورائها ولا فائدة من متابعتها، بل كأنها صارت شيئاً لا يمت إلى
معنى بصلة، شيئاً يبحث عن الغرائز والعواطف، ويبحث عن الزلل والخلل، ويبحث عن سبب
يطعن به في ظهر كرامة الأبرياء، ولا يعجبها ما يعبر عن كرامة أحد أكثر مما يعجبها
ما يعبر عن فضيحته، ظلت بمثابة كاميرات المراقبة الخفية التي لا تغادر صغيرة ولا
كبيرة من عيوب البشر إلا أحصاها، لا يهمها ما يصيب الأفراد والمجتمع بسببها من
جروح وأمراض باختلاف ألوانها.
وكم من البشر
كان لهم في المجتمع صيت يذاع ويبلغ عنان السماء، وفي يوم ضاع كل ما كانوا يملكونه
من مكانة في الصدور، وما عادوا بعدها يعيشون بين أظهر البشر فضلاً عن بقاء تلك
المكانة في الصدور، بل بدؤوا يختبئون وراء القضبان ويكادون يموتون من داخلهم إرباً
إرباً.
وأحياناً يؤدي
بهم الأمر إلى أن يتجرؤوا على محاولة الانتحار بعد أن فشلوا كل الفشل في مكابدة
الاكتئاب والألم النفسي المترتب عليه، فيا له من كمد كان يحمله هذا في صدره! ويا
لها من ذميمة وقعت على رأس ذاك الكريم! فمن في الدنيا يرغب في العيش بعد فقدان
كرامته وهي الثروة الوحيدة التي لا تباع ولا تشترى؟!
وكل شيء إذا ولى
نعوضه إلا الكرامة ما عن فقدها عوض
وما أحد يقوم
بتمرير يده على شاشة جواله بحثاً عما يريح باله بعد تعبه في شغله أو قلقه من نفسه،
فإنْ هي إلا مكتظة بالسلبيات، وبالكاد تظهر عليها الإيجابيات، لتزيد تعبه على تعب
وقلقه على قلق، فالمشكلة الكبرى ليست في ظهورها أو عدمها، بل في مصادفته بمواقف
المتابعين والمشاهدين والمعجبين، حيث لا يكاد يظهر أحد على حسابه أو صفحته ليرسل
سهام اللوم نحو إنسان -كائناً من كان- فلا يلبث أن يمتلئ صندوق التعليق بالعتاب
على المتّهَم.
ومن المؤسف جداً
أن الذين يقومون بالتعليقات لا يعلمون من وراء التُّهم شيئاً، هل هي صحيحة أم مجرد
هراء، هم لا يريدون الاطلاع على الأسباب ولا يلتمسون العفو والعذر للمتهَم، كأن كل
واحد منهم يجد لذة ما في القلب وراحة ما في البال بتمثيل كرامة الآخرين.
فمنذ متى بدأت
الشاشات تتعرض لكرامة البشر ومروءتهم؟ ولماذا تلعب بمشاعرهم بدلاً من أن تهتم بمشكلاتهم؟
ولماذا ترغب في نشر التهم ضدهم بدلاً من نشر محاسنهم؟!
فالجواب واضح
وضوح الشمس؛ حيث إن الجيل الذي يتربى في حضن الشاشات غلبت عليهم فكرة «مدى الوصول»،
فقد يعملون بجد أن يكون ذلك مرتفعاً، وأن تكون أسماؤهم شائعة يتداولها الكل،
فيهدرون عرق جبينهم في إيجاد محتوى يساعدهم على ذلك، وبما أن طبع الإنسان أكثر
إعجاباً بمحتوى عاطفي أو انتقادي، يكون هدف معظم صانعي المحتويات مثل الذي وصفناه
آنفاً، وقلما يوجد من يهتم بمحتوى علمي أو أكاديمي، ونسبتهم أقل بكثير من غيرهم.
وجدير بالذكر
هنا أيضاً أنه لا يوجد لدى هؤلاء المروجين مؤشر وسيط يقاس به الأمور، وميزان معتدل
توزن به الحسنات والسيئات، حتى يقدر كل شيء على قدر حجمه، وإنما لأجل الوصول
الواسع ينشرون ما ينشرون ويروجون ما يروجون، فيغلب أحياناً الكذب على الصدق
والباطل على الحق والعبث على المهم، لا يلتفتون إلى انعكاساتها المأساوية على
الصعيد الديني أو الاجتماعي أو الثقافي، فرؤوس البشر متحيرة في تمييز الخطأ
والصواب أو الخير والشر، إلى أن يتم فقدان ثقتهم بالناس وسوء الظن بهم رويداً، ولو
استمرت هذه الظاهرة لفترة ما فلا يكون زمن فقدان وعي الإنسان بقيمه وشيمه بالكامل
بعيداً.
وأخيراً أذكر
البشر بكافة الأصعدة أن يبذلوا غاية جهدهم في تغيير «ترند» المجتمع الحالي، فلا
يمكن ذلك إلا إذا أقدم عليها هم الذين يظهرون ويعرضون من وراء الشاشات، فالناطق أو
الناقد منهم لو كان صادقاً مع نفسه ومجتمعه لما أطلق لسانه ضد الآخرين بلا قيود، بل
يفكر في المآل قبل المقال، ولا ينبغي أن يكون عبداً لهواه في إطلاق الأحكام، بل
يكظم غيظه من أجل حماية الأعراض، وينتقي كلماته قبل أن يلقيها على الصفحة أو
الشاشة، وإن كان لا بد فليكن مراده النصيحة لا الفضيحة.