كشف الصلصلة.. كيف واجه المسلمون الأوائل محنة الزلازل؟
شعر سكان بعض الدول العربية بتبعات قوية لزلزال
بقوة 6 ريختر ضرب اليونان وكريت، شمال البحر المتوسط، الأربعاء الماضي، وقد أثارت تلك
الموجة هلعاً لدى بعض المواطنين، خاصة مع توقع تبعات أخرى للزلزال على المنطقة، وإن
كانت قد أعادت إلى الأضواء ميراثا من النهج النبوي والحضاري الإسلامي في التعامل مع
الكوارث الطبيعية.
من رحمة الله أن سكان الأرض لا يشعرون إلا
بثلث الهزات الأرضية الناجمة عن باطنها المحموم بالبراكين، لكن المجتمعات المسلمة تواجه
تحديات في مواجهة الزلازل، تشمل نقص الموارد المالية والتقنية، وضعف البنية التحتية
في بعض المناطق الفقيرة من الأحياء الشعبية التي يسودها أحيانًا ضعف شديد في نظام إدارتها
الهندسية والبيئية، كما أن التغيرات المناخية قد تؤدي إلى زيادة تواتر الكوارث الطبيعية؛
ما يستدعي استجابة سريعة وفعالة.
كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة
وإذا عدنا لتاريخ الزلازل في مصر؛ فقد ضرب
زلزال مدمر مصر والشام في عام 702هـ/ 1303م، كما يروى الإمام جلال الدين السيوطي
(849 – 913هـ/ 1445 – 1505م) في كتابه «كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة»، وهدمت بسببه الدور
وهلك خلق كثير وتلاطمت بسببه البحار، وتكسرت المراكب، وأقامت الزلزلة 40 يوماً، وخرج
الناس إلى القرافة فضربوا لهم فيها الخيام.. إلخ.
وأشار السيوطي إلى أن الزلازل ليست مجرد كوارث
طبيعية، بل هي آيات من الله، تتطلب من الناس التأمل والتفكر واللجوء إلى الله، وقدم
الإمام الموسوعي تفسيرات علمية ودينية للزلازل؛ حيث ربط بين الظواهر الطبيعية والاعتبارات
الروحية؛ فالزلزال هو جند من جنود الله وقد ظل عبرة للأقوام الغابرة.
وهكذا كان دأب الأئمة ابن تيمية ومن بعده
ابن القيم في التفسير الشرعي والمادي للزلازل، يقول ابن القيم في كتابه «مفتاح دار
السعادة»: إن الزلازل تحدث نتيجة اكتناز التجاويف الأرضية بالأبخرة، وقد أذِنَ الله
سبحانه لها في الأحيان بالتنفس فتحدث فيها الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده الخوف
والخشية والإنابة والإقلاع عن معاصيه والتضرع إليه والندم.
الحضارة.. والكوارث الإنسانية
رصد المؤرخون في كتبهم كثيراً من الزلازل
العامة؛ فأخربت القلاع والمدن والقناطر، كما جاء في «تاريخ الإسلام» للإمام الذهبي
(ت 748هـ/ 1347م) حيث يؤرخ لهلاك خلق بالعراق والمغرب، وسقوط أبراج حصون أنطاكية، وزلزلت
مصر وسمعت أصوات الزلازل في بلبيس ومدن عدة.
ووصلت دقة رصد المسلمين للزلازل لمعرفة درجاتها،
فالمؤرخ تقي الدين المقريزي (ت 845هـ/ 1441م) يكتب عن زلزال القاهرة الهائل عام
701هـ/ 1301م: «واستمرت الزلزلة خمس دَرَج (خمس دقائق تقريباً) إلا أن الأرض أقامت
عشرين يوماً ترجف، وهلك تحت الردم خلائق لا تحصى».
كما بلغت دقة المسلمين مبلغاً كبيراً حينما
رصدوا أعداد ضحايا كل زلزال، كما نرى في الإحصاءات الحديثة، وقد كتب العلَّامة ابن
الجوزي في «المنتظم» عن أعداد الضحايا الذين قضوا في كوارث الزلازل التي ضربت الموصل
بشمالي العراق عام 233هـ/ 848م: «مات من أهلها عشرون ألفا».
ويكتب الطبري في «تاريخه» أنه في عام 262هـ/
876م «ورد الخبر في جمادى الآخرة أن مصر زُلزلت زلازل أخربت الدُّور ومسجد الجامع،
وأنه أحصِي بها في يوم واحد ألف جنازة».
أما العلَّامة ابن سينا فنرى عنده تفسيراً
طبيعياً لظاهرة الزلازل في كتابه «الشفاء» باعتباره رياحاً محتقنة في باطن الأرض، ولكنه
يتخطى ذلك لكيفية تفاديه بوسائل كحفر الآبار والقنوات في المناطق الزلزالية لتنفيس
الضغط الداخلي الحاصل في طبقاتها الأرضية.
وتطرق بعض المؤرخين لجهود الدولة الإسلامية
في ترميم آثار الزلزال، ومن ذلك حين تعرض المسجد الأقصى في القدس لزلازل عام 130هـ/
749م الذي ضرب منطقة الشام، وقد سارع الخلفاء العباسيون لإعادة إعمار المسجد الأقصى
مرتين؛ أولاهما كانت في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور (ت 157هـ/ 775م) في زلزال عام
130هـ/ 749م، أمر بقلع صفائح الذهب والفضة التي كانت على الأبواب فقُلعت وضُربت دنانير
ودراهم أنفِقت عليه حتى فُرغ من إعادة إعماره وترميمه.
والمرة الثانية جاءت في زمن الخليفة المهدي
ابن المنصور (ت 169هـ/ 787م) وكان للخليفة العباسي المتوكل دَور كبير في إعادة الإعمار
وإغاثة مصابي زلزال عام 245هـ/ 859م الذي شمل أقاليم إسلامية عديدة؛ إذْ «زُلزلت بالِس
والرَّقة وحران ورأس عين وحمص ودمشق والرُّها وطَرَسُوس والمَصِّيصَة وأَذَنَة، وسواحل
الشام، ورجفت اللاذقية فما بقي منها منزل ولا أفلت من أهلها إلا اليسير، وذهبت جَبَلَة
بأهلها»، وفقاً للمؤرخ ابن العبري في «تاريخ مختصر الدول».
وكانت للوزير السلجوقي نظام المُلك (ت
486هـ/ 1093م) جهود بارزة أيضاً في إعادة الإعمار خاصة آثار الزلزلة العظيمة التي ضربت
خراسان عام 444هـ/ 1053م فـ«خربت كثيراً، وهلك بسببها كثير، وكان أشدها بمدينة بَيْهَق
فأتى الخراب عليها، وخرب سورها ومساجدها، ولم يزل سورها خراباً إلى سنة 464هـ/
1073م»، وفقاً للعلامة ابن الأثير في «الكامل»
كما يرصد ابن الأثير جهود نور الدين زنكي
في إعادة إعمار حلب بعد آثار الزلزلة «فإنها كانت قد أتت عليها، وبلغ الرعب ممن نجا
كلَّ مَبْلغ، وكانوا لا يقدرون أن يَأووا إلى مساكنهم خوفاً من الزلزلة، فأقام بظاهرها
وباشر عمارتها بنفسه، فلم يزل كذلك حتى أحكم أسوار البلاد وجوامعها».
العودة إلى الله نهج المؤمنين
بهذا جمعت الحضارة الإسلامية بين التأريخ
للزلازل وربطها بظواهرها الطبيعية وحكمتها الربانية، لكنها كذلك تنبأت بحدوثها فلكياً؛
إذْ يورد المؤرخ عبدالرحمن الجَبَرْتي (ت 1240هـ/ 1824م)، في كتابه «عجائب الآثار»،
أنه «في أواخر شهر جمادى الأولى 1205هـ/ 1791م أشِيع في الناس أن في ليل السابع والعشرين
نصف الليل يحصل زلزلة عظيمة وتستمر سبع ساعات، فلما كانت تلك الليلة خرج غالب الناس
إلى الصحراء وإلى الأماكن المتسعة».
في أيام الحاكم بن معز الفاطمي (386 -
411هـ/ 996 - 1021م) زلزلت مصر حتى رُجفت أرجاؤها، وضجت الأمة لا تعرف كيف نجاؤها،
وأشد ما يلفت في مخطوطة «كشف الصلصلة» للإمام السيوطي هو قدرات المجتمعات الإسلامية
في التعاون لتخفيف آثار الكوارث وتقديم المساعدة للمتضررين، وهو ما يستدعي تبني عمل
صادق دولي لمثل هذه المساعدات في المستقبل لتفادي حالة الارتباك التي تحدث لبعض الدول
فيما بعد نتيجة حدوث ذلك.
على الرغم من أن البنية التحتية في العصور
الوسطى لم تكن متطورة مثل اليوم، فإن الحكام كانوا يسعون دائمًا لتحسين المباني وتطويرها
لتكون أكثر مقاومة للكوارث الطبيعية، وتم بناء المساجد والمدارس والقصور وفقًا لمعايير
هندسية تهدف إلى تقليل الأضرار.
إن زلزال اليونان الأخير بمثل ما يدفع للعودة
إلى الله على نهج تعامل المسلمين الأوائل مع كافة الكوارث الطبيعية؛ فإنه يدعو للتفكير
من جديد في أهمية الاحتياط لمثل هذه النوعية من الكوارث الطبيعية، كما تبرز أهمية تأسيس
البنية القوية للمدن بما يتماشى مع المعايير الهندسية الحديثة.
كما تبرز من جانب آخر قيمة وسائل الإعلام
التربوية في توعية الجماهير بالتصرف في تلك الآونة، وأهمية الجمعيات المدنية في التكاتف
مع الدولة للتقليل من الخسائر المحتملة وآثارها الصحية والنفسية على المتضررين، وبخاصة
كبار السن والأطفال والنساء، وهم الفئات الأكثر احتياجاً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً