من العبادة إلى الاستهلاك..

كيف ابتلعت المسلسلات والشاشات روح رمضان؟!

إذا جاء رمضان في الشتاء ضاقت ساعات نهاره لتكون مؤذنة لساعات ليله بطول يُفترض أنه سيملأه القيام وقراءة القرآن، وإذا جاء في الصيف كان الاحتياج إلى استغلال ساعات الليل أشد كونه أقصر، بيد أنه طال الليل أو قصر لا ننفك نشغله بكل شيء إلا ما ينبغي أن نشغله به، ويمكننا استصحاب القاعدة الفقهية «المشغول لا يُشغل» لأبعد من حدود الفقه كما في مثالنا هنا، فليل تشغله مسلسلات أنى تشغله العبادة؟!

رمضان ذو النكهة الاستهلاكية

لكل شيء روح، تمثل تلك الروح فلسفة الشيء ولبه وكنهه، ورمضان ليس استثناء، بيد أن روحه بدلناها تبديلًا، فبعد أن كان شهرًا يُنتظر لعلنا نكون فيه من عتقائه من النار، صار يُنتظر لمشاهدة المسلسلات الحصرية التي لا تعرض إلا فيه! وبعد أن كنا نترقب ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، صرنا نترقب الحلويات الرمضانية، والسحور الذي أُعد خصيصًا لا امتثالًا للسُّنة وإنما ليناسب «ستوريز الإنستجرام»، وصارت روح رمضان عبارة عن «أجواء» هي أقرب لروح الحضارة الغربية الاستهلاكية منها لروح الشرع الشريف الذي افترض علينا صيام هذا الشهر الكريم، وسنّ فيه من العبادات لحكم جهلناها أو تجاهلناها.

وذلك حتى غدت الصورة النمطية لرمضان في أذهان كثير من الشباب مرتبطة بتلك المظاهر، فصرنا نصوم عن الطعام والشراب لنُفطر على ما لذ وطاب مما ينافي الصيام الذي كنا بصدده، وكذلك حين تربط بعض النساء رغبتها وقدرتها على الالتزام بالتراويح بضرورة الذهاب للمسجد وأنها لو لم تفعل ذلك لتكاسلت عن أداء الصلاة، فخبتت قوة الإرادة والدافع الداخلي عند كثير من الناس لأداء العبادات طالما لم تحظ بدوافع خارجية قوية!

ففي السنوات الأخيرة بالذات أثر الترويج الاستهلاكي لرمضان على استقبال الكثير من المسلمين لهذا الشهر والتحضير له، فلا بد من السجادة والعباءة المخصوصة لرمضان! ولا تنس الأجندة الرمضانية والإمساكية المزركشة! ولكن حين نأتي للتطبيق العملي المهم نلقى ضعفًا في الإقبال على التراويح، وتكاسلًا في ختم القرآن ونسيانًا للدعاء وذكر الله، وهم جوهر هذا الشهر الفضيل والغرض الأساسي منه.

عليك ليل طويل فارقد

صارت الدراما الرمضانية صناعة قائمة بذاتها، تُوظَّف لها الملايين وتُحشد فيها النجوم، وأصبح شهر الصيام هو نفسه الموسم الرسمي للمسلسلات، وكأنه مهرجان سينمائي يُصادف أن الناس فيه جائعون نهاراً ومتفرغون ليلاً، وزادت التطبيقات المخصصة للمسلسلات الطينة بلة! ذلك أنه إذا ما كانت التوقيتات المتضاربة للعرض والإعلانات عائقًا لكثير من الناس عن المشاهدة في الماضي، فإن التطبيقات باشتراكاتها المميزة وأسعارها البخسة، توفر المسلسلات على مدار 24 ساعة ودون إعلانات! فصارت المسلسلات الرمضانية والحال كذلك الفخ الذي لا محالة من الوقوع فيه إلا من رحم ربي.

وسائل التواصل.. المصيدة التي لا تُغلق

إن كانت المسلسلات تسرق الساعات، فعلى خطاها تسير وسائل التواصل الاجتماعي، وينتقل المسلسل من حيز مشاهدته على الشاشة الكبيرة إلى حيز مناقشته على الشاشة الصغيرة، ويكأن الوقت الذي بدد على مشاهدته لم يكن كافيًا بالفعل!

ماذا نخسر فعلاً؟

حين يمر رمضان على هذا النحو المخزي، فإن المسلم لا يخسر وقته فحسب، بل يخسر ما هو أغلى بكثير، ألا وهي فرصة غفران ذنوبه وعتقه من النيران، أعاذنا الله والمسلمين منها، فأي خسران يستدرك من ناله والعياذ بالله دعاء جبريل الذي أمَّن عليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث: صعِد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المنبرَ، فقال: «آمين، آمين، آمين»، فلمَّا نزل سُئل عن ذلك، فقال: «أتاني جبريلُ، فقال: رغِم أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغفرْ له، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين».

وفي الأثر: ليس من يومٍ يأتي على ابنِ آدمَ إلا ينادي فيه: «يا ابنَ آدمَ، أنا خلقٌ جديدٌ، وأنا فيما تعملُ عليك غدًا شهيدٌ، فاعمل فيَّ خيرًا أشهدُ لك به غدًا؛ فإني لو قد مضيتُ لم ترني أبدًا»، قال: «ويقول الليلُ مثلَ ذلك»، فإذا كانت هذه هي الحال في غير الأزمنة الفاضلة، أفلا ينبغي أن نكون أشد حرصًا ألا تنقضي دون أن نغتنمها؟

وهل يستوي الذين يعملون في رمضان بالطاعة بالذين يفترشون الأرائك والأسّرِة؟!

نعيب زماننا والعيب فينا

رمضان لم يتغير، ولكن نحن من تغير، وتغيرت أولوياتنا، وبدل أن نتعبد كل لياليه كأنها ليلة القدر، صرنا نزاحم أوقاتنا بالمسلسل تلو المسلسل، كأن المدعو للعبادة أمة غيرنا، وفي النهاية، لا يملك رمضان إلا أن يُطرق بابك، فإما أن تفتح له أم لا، وهذا قرارك وحدك، ولا يوفق للطاعة إلا من وفقه واختاره الله تعالى لها، وهو الهادي لا رب سواه، أعيذك أن تكون ممن أدرك رمضان، فرأت عينه تتر الحلقة الأخيرة من المسلسل قبل أن ترى الصفحة الأخيرة من كتاب الله عز وجل.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة