26 فبراير 2025

|

كيف استُلِبَ الوطن الإسلامي في فلسطين؟ (2-2)

علي جريشة

26 فبراير 2025

49

ونحن نرى أن مراحل استلاب الوطن الإسلامي في فلسطين جرت على النحو التالي:

1-  قبل القرن السادس عشر الميلادي.

كان الأمر مجرَّد أمل لم يصرح به.

2- منذ القرن السادس عشر الميلادي:

 كانت مرحلة التفكير والدعوة.

3- منذ القرن التاسع عشر الميلادي:

 كانت مرحلة التخطيط.

4- في القرن العشرين: كانت مرحلة التنفيذ.

 وغني عن الذكر أن لا حقَّ لليهود -تاريخيًّا- في أرض فلسطين, فإنها منذ السنة الخامسة عشرة الهجرية أرض إسلامية, وهي قبل هذا التاريخ أرض عربية، وطوال خمسة آلاف سنة, فإن عمر اليهود على هذه الأرض الطيبة لم يجاوز ١٤٠مائة وأربعين سنة على فترتين، الفترة الأولى: بين سنة ١٠٠٠ قبل الميلاد حتى سنة ٩٢٧ قبل الميلاد, والفترة الثانية: بين سنة ١٤٢ قبل الميلاد حتى سنة ٧٥ قبل الميلاد كذلك.

أمَّا الأسباب التي أدَّت إلى نجاح اليهود في استلاب الوطن الإسلامي في فلسطين، فنحن نرجعها إلى الأسباب الآتية:

1- تخطيط اليهود وصبرهم على إنجاحه.

وقد بدأ التخطيط تفكيرًا من مفكريهم كما أشرنا، ثم انتهى إلى إقرار خطة في مؤتمر بال ١٨٩٧ ترمي إلى تنمية الهجرة وشراء الأرض من ناحية، والبحث عن الحماية الدولية من دولة عظمى تظلها الشرعية الدولية الزائفة من ناحية أخرى.

ويقال: إن البروتوكولات وضعت في المؤتمر الصهيوني الأول.

وكلتا الخطتين تدلان على معرفة بأغوار النفس الإنسانية، وإدراك بالجو الدولي الموجود, واستغلال لأحداثه.

وصبرهم على تنفيذ ذلك التخطيط رغم الأحداث الجسيمة التي واجهتهم من بعده، فالاضطهاد الذي حدث لهم في مشرق أوربا، ثم الاضطهاد الذي حدث لهم في ألمانيا على يدي هتلر، ثم العقبات التي قامت في طريق إقامتهم دولتهم من مقاومة الشعب الفلسطيني, وانضمام الشعوب العربية الإسلامية إلى هذه المقاومة، ومن قبلها رفض الخلافة العثمانية لوجودهم، وتآمرهم على هذه الخلافة بما صرَّح به هرتزل في مذكراته من أنَّ السلطان عبد الحميد رفض الملايين العديدة لقاء فلسطين، فقبل حزب الاتحاد والترقي مليونين لتنفيذ نفس الغرض١.

كل ذلك وغيره يكشف عن حسن تخطيط, وعن صبر في التنفيذ.

وفي مقابل ذلك -ونقررها بكل أسف: انتفى التخطيط لدى الأمَّة الإسلامية, أو بالأصح لدى اليقظى من الأمة الإسلامية, وتوافر عندهم إخلاص بغير تخطيط، شابه في كثير من الأحيان "قلة الصبر" على التنفيذ، واستجابة لغير المخلصين؛ لإنهاء أوضاع تقلق اليهود٢.

2- إبعاد الإسلام عن المعركة:

 واضح أن الإسلام كان الخطر الأول في المعركة.

أولًا: بما يحمله لأبنائه من عقيدة تؤثر الموت في سبيل الله على الحياة

في ظلِّ عبودية تفرضها أذل أمة في الأرض، وبما يحمله كذلك دعوة إلى الجهاد, واعتباره فرض عين إذا غزيت ديار الإسلام. هذه العقيدة من غير سلاحٍ كفيلة -بإذن الله- بتحقيق النصر.

فإذا أضفنا إليها أمر الإسلام:

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: ٦٠] .

لو أحسنا فهم الأمر الرباني لوجدنا أن الإسلام يأمر:

أ- بالتخطيط القوي؛ وهو ما يحمله لفظ الإعداد, وما يحمله لفظ القوة.

ب- بالإعداد المعنوي.

ج- بالإعداد العسكري؛ حشدًا، وتدريبًا، وتسليحًا.

د- الإكثار من السلاح الثقيل, وهو ما تعنيه "رباط الخيل" بعد "القوة", فهو تخصيص للأهمية والخطر.

ثانيًا: ما يحمله دخول الإسلام المعركة من دخول ثقل بشري لا قِبَلَ لليهود به, ونعني به الأمة الإسلامة التي تناهز اليوم ألف مليون من البشر.

ثالثًا: ما يحمله دخول الإسلام من ثِقَلٍ سياسي واقتصادي لا قِبَلَ لليهود بمواجهته؛ فمصالح أصدقاء إسرائيل أكثرها في أمم الإسلام.

واحتياجات مناصري اليهود الاقتصادي أكثرها في قبضة المسلمين.

أما عن مظاهر إقصاء الإسلام عن المعركة وكيفيته:

فقد بَدَا بَدْأً بما رتَّبه اليهود داخل دولة الخلافة نفسها, وقام على تنفيذه يهود الدونمة, ومنهم ومعهم حزب الاتحاد والترقي, وحزب تركيا الفتاة،

وهو ما عناه الكاتب الروسي سرجس نيلوس من اقتحام الأفعى للآستانة في طريقها إلى فلسطين3.

ثم تأكَّد ذلك بإقصاء السلطان عبد الحميد الذي رفض عرض اليهود4, ثم بالقضاء على الخلافة نفسها التي ما كان يمكن أن تسلِّم بقيام وطن يهودي وسط وطنها.

واستمرَّت محاولات إقصاء الإسلام عن المعركة بتكوين الجامعة العربية "بدلًا من الجامعة الإسلامية" بفكر وزير الخارجية الإنجليزي, وقبل تمام الكارثة بثلاث سنوات, ويحمّل الجامعة العربية لواء الجهاد من أجل فلسطين, ثم تخدير بقية العالم عن النهوض للمعركة.

وزاد إقصاء الإسلام عن المعركة بدخول جيوش سبع دول عربية إلى المعركة, فما حاجة بقية المسلمين للجهاد وقد تولَّته جيوش سبعة فيها أبطال ومغاوير.

وحين دخل عنصر إسلامي شعبي إلى معركة فلسطين، وحين صرَّح إمامهم الشهيد بإعلان التعبئة الدينية للجهاد في فلسطين, وعزمه دخولها في عشرة آلاف مقاتل فدائي.

وحين ذاق اليهود بأس أولئك المسلمين بما شهدوا هم به, وبما شهد به قادة الجيش المصري أمام القضاء المصري.

حين كان ذلك تَمَّت طعنة الفدائيين المسلمين من الخلف على يد الحكومة الحاكمة في ذلك الحين, فأصدرت قرارًا بحلّ جماعتهم، وقرارًا باعتقالهم، وكانت تتمَّة الخيانة قتل إمامهم في ميدانٍ عام على يد بعض رجال الشرطة السريين5.

وفي كل مرة كان يتم لـ"إسرائيل" التوسّع في عامي ١٩٥٦، ١٩٦٧ كان يتم إدخال العنصر الإسلامي إلى السجون، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر مع تكرره في أعوام ٤٨، ٥٤، ٦٥ من قبيل المصادفات السعيدة.

وتكشف وثيقة تضمنها حكم قضائي صدر في مصر في ٣٠/ ٣/ ١٩٧٥ عمَّا كانت تحمله السلطة الحاكمة وقت التوسُّع من أعداء للإسلام والمسلمين وتخطيط للقضاء عليهم6.

3- إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة:

منذ ذاق الإنجليز ومن بعدهم اليهود بسالة الشعب الفلسطيني وتضحيته وتصميمه على الدفاع عن وطنه، وإذ عرفوا أنه صاحب المصلحة الأول في الدفاع عن التراب الإسلامي في القدس وفلسطين, ومنذ ظهر منه أمثال الشهيد "عبد القادر الحسيني" قائد منطقة القدس, والشهيد "حسن سلامة" قائد المنطقة الوسطى, فقد قرروا إقصاءه عن المعركة.

وكانت قمَّة التخطيط والتنفيذ إدخال سبعة جيوش عربية إلى فلسطين؛ لتخوض المعركة مع اليهود "بالنيابة" عن الشعب الفلسطيني.

وسبقها وعاصرها حرمان الشعب الفلسطيني من التدريب ومن التسليح, وتشكيك الجيوش العربية في أمانة الشعب الفلسطيني، واتهامه بالعمل لحساب العدو اليهودي7.

وكنا نعجب كيف لجيش عربي يقوده إنجليزي صريح أن يخوض حربًا لصالح المسلمين، وضد اليهود الذين ضمن لهم الإنجليز بالوعد والتخطيط والتنفيذ قيام وطن لهم في فلسطين, وكنا نعجب لجيش, بل جيوش أخرى في بلاد يحتلها الإنجليز, كيف سمحوا لها بالمرور إلى فلسطين.

حتى أدركنا أن المطلوب هو إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة, وفعلًا نجحت الخطة, وأقصي الشعب الفلسطيني عن المعركة, وسلمت أراضي فلسطين جزءًا جزءًا من الجيوش العربية الباسلة إلى إسرائيل المزعومة.

وبعد أن انتهت حرب فلسطين سنة ١٩٤٨ كان الشعب الفلسطيني قد تَمَّ إقصاؤه حربيًّا من المعركة,

وتَمَّ بعد ذلك إقصاؤه سياسيًّا عنها, فتحوَّلت القضية أمام الأمم المتحدة إلى نزاع بين دول ذات سيادة عربية وإسرائيلية.8

 وحين بدت بادرة ظهور العنصر الفلسطيني سنة ١٩٦٧, تَمَّ حشد القادرين منهم فيما سُمِّيَ بجيوش التحرير الفلسطيني؛ ليتمَّ التهامهم في أول ضربة لليهود في يونية سنة ١٩٦٧, وقامت جيوش أخرى بالواجب في القضاء على العنصر الفلسطيني الثائر.

 بعضها في مذبحة "أيلول الأسود" التي قُتِلَ فيها اثنان وعشرون ألفًا على يد جيش عربي, والبعض الآخر في مذابح تل الزعتر وما قبلها وما بعدها, وتدخَّل جيش عربي ليتمَّ النصر ويتوجَّه ويحميه9.

 

____________________

1. تروي وثائق الباب العالي في استانبول كيف أوعزت الحركة الصهيونية العالمية إلى جماعات منها بالتسلل إلى تركيا عن طريق طائفة يهود الدونما, التي تظاهر أفرادها بالإسلام, وحمل هؤلاء أسماء تركية حتى يتسنَّى لهم الانضمام إلى الحركات الوطنية. "راجع مجلة البلاغ الكويتية عدد ٤٣١ في ٢٤ ذي الحجة ١٣٩٧هـ ٤ ديسمبر ١٩٧٧".
2. على سبيل المثال عندما أندلعت الثورة في فلسطين تلقَّت اللجنة العربية العليا من الأمير عبد الله والملك غازي والملك ابن سعود النداء التالي: "إلى أبنائنا عرب فلسطين".
لقد تألَّمنَا كثيرًا للحالة السائدة في فلسطين, فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله ندعوكم للإخلاد للسكينة حقنًا للدماء, معتمدين على حسن نوايا صيدقتنا الحكومة البريطانية, ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم..

Palaatine and Tansiordon Loct ١٧, ١٦٥٦ P. ٥.

3.  ص٢١٦، ٢١٧ من ترجمة البروتوكولات لمحمد خليفة التونسي.
4. كتب ريتشارد غوتهايل "رئيس الفرع الأمريكي للمنظمة الصهيونية في ذلك الحين يقول: "بين اليهود ما من أحد يخفق قلبه فرحًا وابتهاجًا مثلما يخفق قلب الصهيونيين "على انقلاب تركيا الفتاة", إن حجر الزاوية في السياسية التي اتبعها تيودور هرتزل خلال معاملاته المختلفة مع السلطان كانت الإقرار الصريح بالحقوق السيدة للباديشاه في الممتلكات الخاضعة لصولجانه، والرغبة في جعل تحقيق المثل الصهيونية مصدر كسب مادي, وتقدم فكري للإمبراطورية العثمانية، هذه هي الفكرة الأساسية في العروض المقدَّمة منه إلى السلطان, وفي الخطب التي ألقاها في المؤتمرات الصهيونية.
The new Tur. Key and zionosma (Oct, ١٩٠٩ P. ٨٩٤) .

5. راجع الإخوان المسملون في حرب فسلطين, للوزير الأردني كامل إسماعيل الشريف. وراجع كتاب "مذابح الإخوان في سجون ناصر" وقد أورد وثيقة بأرقامها تشير إلى اجتماع سفراء انجلترا وأمريكا وفرنسا في فايد في ١٠/ ١١/ ٤٨, وقرارهم اتخاذ الإجراءات اللازمة بواسطة السفارة البريطانية في القاهرة لحلّ جمعية الإخوان المسلمين", مع تغطية هذا القرار بأنَّ سبب طلبه الانفجارات التي حدثت بالقاهرة, والتي نُسِبَت إلى أعضاء في جماعة الإخوان.
= والوثيقة الثانية تشير إلى استجابة السفارة لطلب القيادة العليا للقوات البريطانية في اتخاذ الخطوات الدبلوماسية لإتمام حل الجماعة في أسرع وقت ممكن.
ويشير الكتاب إلى أن إبلاغ رئيس الحكومة بهذا الطلب كان مشفوعًا بتبليغ شفوي بأنَّه في حالة عدم حل الإخوان, ستعود القوات البريطانية إلى احتلال القاهرة والإسكندرية.
"ص١٢-١٥ من الكتاب المذكور, تأليف الأستاذ جابر رزق, دار الاعتصام, الطبعة الأولى, ١٣٩٧-١٩٧٧".
6. الوثيقة نشرت في كتابي: في الزنزانة، عندما يحكم الطغاة, للدكتور على جريشة.

7. راجع تفصيلات أليمة في كتاب كامل إسماعيل الشريف صفحة من التاريخ الإسلامي، الإخوان المسلمون في حرب فلسطين.

8. مقدمة كتاب تهويد فلسطين للدكتور إبراهيم أبو لغد, مترجم عن الإنجليزية, منظمة التحرير الفلسطيني, مركز الأبحاث ص١٣، ١٤.

9. لا تزال عمليات الإبادة للعناصر النظيفة تتمّ عن طريق اغتيال بعض القيادات الفلسطينية بأيد فلسطينية عميلة، كما تتمّ عن طريق الإبادة المادية والمعنوية داخل السجون، ويقدَّر عدد المسجونين في سجون "إسرائيل" -حسب تصريح حاييم حيفي مدير السجون- بـ٥٨٥٢، لكنهم في الواقع يبلغون ضعف هذا العدد أو يزيد, ويتعرض المسجونون لمعاملة قاسية في سجون "إسرائيل", وعلى لسان السجين "عمر عبد المنعم" أشار إلى بعض وسائل التعذيب, ومن بينها تكسير الأصابع وخلع الكتفين، وحز الرقبة بالسلاسل الحديدية وتهشيم الوجه ... إلخ.

 

المصدر: كتاب «حاضر العالم الإسلامي»

 




كلمات دلاليه

الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة