كيف تجعل الصبر قوة نفسية لمواجهة ضغوط الحياة؟

كيف تجعل الصبر قوة نفسية لمواجهة ضغوط الحياة؟

الصبر من أعظم القوى النفسية التي تمكن الإنسان من الحفاظ على توازنه الداخلي أمام الانفعالات والمحن المجلبة للأمراض النفسية والبدنية، فالصبر ليس مجرد كبت للغضب أو الحزن وتحويلهما لطاقة سلبية داخلية تأكل الإنسان وتغرس به الهم والغم والمرض البدني، وإنما هو في حقيقته طاقة إيجابية تضبط التفاعل بين العاطفة والعقل، بحيث لا يطغى الانفعال عن التفكير، ولا يتجمد الشعور تحت جمود التحليل العقلي.

وبقدر الطاقة الإيمانية الكامنة في نفس المسلم، تكون قوة فعل الصبر في النفس، فيصنع إنساناً قادراً على اتخاذ قرار صحيح، في وقت الألم والاضطراب، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (رواه البخاري ومسلم).

وارتباط الصبر بالإيمان يتمثل في الاستجابة والرضوخ المطلق لقول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)؛ ويقول صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (رواه مسلم)، وحين يعلم المؤمن أنه صبره خير، فسوف تطمئن نفسه، ويرضى بأقدار الله فيه فلا تصيبه أمراض الجزع.

الصبر والتفريغ النفسي في مواجهة الضغوط اليومية

الإنسان بطبيعته يحتاج لمن يستمع إليه، وهذا لا ينافي الصبر، بل مكمل له، فالكبت دون رضا أصل الداء، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين تحدث عن الصبر قال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (رواه البخاري)؛ وذلك لأن الصبر حالة يعيش فيها المسلم كمنه وليس كاستثناء، وإذا احتاج للبوح فليبح.

وهناك الكثير من مظاهر تفريغ الغضب أو التخلص من طاقة الحزن في الحديث مع من لا يمل من حديثك، فهو يتحدث مع الله بالدعاء، وتلاوة آياته، والصلاة يدخل فيها كلقاء مع ربه وله أن ينهي اللقاء وقتما شاء، فلا ينهيها حتى يفرغ من همه، ويطمئن لجوار ربه، والصبر في الدين ليس إنكاراً للألم، وإنما طريقة التعامل مع ذلك الألم بفن وحكمة ودراية كي يتجاوز ألمه، ويبقى له أجره.

وفي علم النفس يقول إبراهام ماسلو: «إن التعبير العاطفي جزء من تحقيق الذات، وإن الصبر الواعي لا يتحقق إلا في بيئة تسمح بالتعبير لا بالكبت»(1).

وقد وجه الإسلام أتباعه للشكوى لله وحده دون الناس الذين هم جميعهم في حاجة للشكوى، فقال يعقوب عليه السلام: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86)، فالتعبير عن الألم أمام الله يرفع من شأن الإنسان، حيث يشعره بالأمان أمام الناس، فلا أحد يستغل حاجته أو يهينه بها مما يمثل ضغطاً نفسياً آخر يضيفه لذاته دون أن يشعر.

الصبر كمنهج حياة لا كاستثناء

في حديث القرآن عن الصبر، نجده يتحدث عنه وكأنه حالة مستمرة، أو صفة في الذات الإنسانية التي تتحلى بمكارم الأخلاق، فهو يربط بين النجاح الدنيوي والأخروي في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)، فالصبر حركة القلب، والصلاة إفراغ لما في النفس من ضغوط لله رب العالمين.

كيفية تحويل الصبر لطاقة إيجابية يومية

كل يوم تمر على الإنسان مفردات سلبية يكررها على مسامعه مرات متتالية حتى تصير لديه عادة، مثل «الصبر مر»، و«الصبر المستحيل»، و«لم يعد بي طاقة على الصبر».. تلك المفردات وغيرها تحيل صاحبها لعاجز وناقم وربما حاقد أمام الأحداث الصعبة التي يمر بها، تلك الأحداث قد تكون طاعات يجد قدراً من الصعوبة في الحفاظ عليها، وقد تكون معاصي يجب عليه التوقف عنها، وقد يكون من الصابرين بالفعل، لكنه يصبر بغير رضا، وبغير استسلام لله.

فتلك الأنواع من الصبر هي في حقيقتها صبر سلبي، يضيف أعباء على النفس لا قبل لها بها، وعليه حينئذ أن يراجع طاقته الإيمانية، وحسن علاقته بالله ومعرفة قدره سبحانه، وأنه لا يريد به شراً، بل إن أمره كله خير، وعليه أن يمر بمراحل عملية كي يحيل طاقة الصبر لديه لعمل إيجابي يبني به الحياة، لا يهدمها، ومن تلك الخطوات:

1- الانتقال من الصبر السلبي إلى الصبر الواعي: فالصبر الحقيقي لا يعني القبول بالظلم، أو الإهانة، أو الاستسلام للواقع الصعب، ولكنه يعني الرضا بقضاء الله مع العمل الجاد على الخروج من حالة الضعف أو الفقر.

2- تحويل الصبر كوقود، لا كقوة حارقة: يقول فيكتور فرانكل: «من يملك سببًا يعيش من أجله يمكنه أن يتحمل أي كيفية للعيش»(2)، وهذا يتوافق مع قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: 45)، فيربط الله عز وجل بين الصبر كوسيلة، مع الخشوع والرضا كغاية، فلا وجود لأحدهما إلا بوجود الأخرى.

3- تغيير النظرة للألم كونه عقوبة: فكل ألم يمر بالإنسان هو أجر جديد يضاف لصحيفة حسناته، فالفقر ليس عقوبة طالما أنك سعيت، وعقوق الولد ليس عقوبة طالما أنك بذلك جهدك في التربية، وشذوذ الزوجة ليس عقوبة طالما أنك أديت حقها ما استطعت، والمرض ليس عقوبة طالما أنك صبرت وحمدت الله وتداويت، وهكذا الأمر مع كل ابتلاء، فكما قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب.. حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (متفق عليه).

4- الصبر بالتدريب: الصبر لا يتحقق دفعة واحدة، بل يتحقق عبر تدريب نفسي متكرر، قد يتحقق بإقناع النفس بمآلات الصبر عند الله، وقد يتحقق بالدعاء للنفس انطلاقاً من قوله تعالى: (بَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) (البقرة: 250).

5- الشعور بالرضا بدلاً من الشكوى: فالصبر مرتبط بالشكر، حيث تشكر الله أن اختصك أيها المبتلى بالاختبار، فقد آثرك لتصبر أو لتشكر، وفي كلا الحالتين خير، يقول تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7)، فالرض يخفف من وطأة الألم، ومن ثم يخفف من وطأة الشعور بمرارة الصبر.

6- تفريغ المشاعر السلبية بشكل آمن: فقد اكتفى يعقوب النبي عليه السلام ببث حزنه إلى الله تعالى، وليس معنى ذلك أن يقطع المسلم علاقته بالآخرين، فهناك بين الناس من يهتم لأمرك، قد يكونوا آباء تشاركهم مشكلة لا تستطيع حلها، قد تكون زوجة يلجأ إليها الرجل وقت أزمته.




_________________

(1) أبراهام أوسلو في نظريته عن «هرم الاحتياجات الإنسانية» (بتصرف).

(2) من كتاب «البحث عن معنى» للمفكر النفسي فيكتور فرانكل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة