كيف تستغل الجماعات المتطرفة إغلاق «الأقصى» لتهويده؟

سيف باكير

10 مارس 2026

255

تكشف التطورات الأخيرة في مدينة القدس عن تصاعد ملحوظ في نشاط «منظمات الهيكل» المتطرفة، التي كثّفت حملاتها الدعائية والسياسية في محاولة لفرض ما تسميه «قربان الفصح» داخل المسجد الأقصى المبارك خلال عيد الفصح العبري، المقرر بين الأول والثامن من أبريل 2026م، في خطوة يرى مراقبون أنها تأتي ضمن مسار متدرج لتغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف.

إغلاق الأقصى.. سياسة ممنهجة لتغيير الوضع القائم

وفي هذا السياق، أكدت محافظة القدس أن إغلاق المسجد الأقصى في هذه المرحلة الحساسة لا يمكن اعتباره إجراءً أمنياً مؤقتاً كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل يمثل جزءاً من سياسة ممنهجة تسعى إلى إعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد، بما يخدم مشاريع الجماعات الاستيطانية الداعية إلى إقامة الهيكل المزعوم مكانه.

وأشارت المحافظة إلى أن ما يسمى «معهد الهيكل» يقود حملة علنية للدفع باتجاه استمرار إغلاق المسجد الأقصى، مبرراً ذلك بذريعة غياب الملاجئ الآمنة، في ظل التصعيد الإقليمي.

غير أن الخطاب الصادر عن هذه المنظمات يروّج لفكرة إبقاء المسجد مغلقاً لفترة طويلة تمتد حتى نهاية الحرب، بما يضمن –وفق رؤيتهم– بقاءه مغلقاً أمام المسلمين خلال العشر الأواخر من شهر رمضان وعيد الفطر.

مكاسب إستراتيجية وازدواجية فجة في المعايير

وأكدت محافظة القدس أن إغلاق المسجد الأقصى تحوّل في نظر منظمات «الهيكل» المتطرفة إلى مكسب إستراتيجي تسعى إلى استدامته وتوظيفه في إطار مشاريعها الهادفة إلى تغيير الواقع القائم في الحرم القدسي.

وأوضحت المحافظة أن هذه الجماعات تروّج للإغلاق إعلامياً على أنه إجراء يشمل الزوار من كل الأديان، في محاولة لخلق صورة مضللة توحي بوجود مساواة بين المصلين المسلمين أصحاب الحق الأصيل في المسجد الأقصى، وبين المستوطنين الذين يقتحمونه تحت حماية قوات الاحتلال.

وأشارت المحافظة إلى أن الواقع على الأرض يكشف عكس ذلك تماماً، إذ يُمنع المصلون الفلسطينيون من الوصول إلى المسجد الأقصى بذريعة إجراءات السلامة، في حين تسمح سلطات الاحتلال بفعاليات استيطانية واسعة داخل المدينة.

واستدلت المحافظة على ذلك بما شهدته شوارع القدس، الأربعاء الماضي، من احتفالات شارك فيها آلاف المستوطنين بمناسبة عيد البوريم، في مشهد يعكس بوضوح ازدواجية المعايير التي تنتهجها سلطات الاحتلال في إدارة المدينة المقدسة.

حرب نفسية وحملات دعائية لفرض طقوس المذبح

من جهته، أوضح أستاذ دراسات بيت المقدس د. عبدالله معروف أن منظمات المعبد المتطرفة تستغل إغلاق المسجد الأقصى خلال شهر رمضان لإطلاق حملة متصاعدة تهدف إلى فرض القربان الحيواني داخل المسجد خلال عيد الفصح العبري، الذي سيأتي هذا العام بعد نحو 12 يوماً من عيد الفطر.

وبيّن معروف أن هذه الجماعات بدأت بالفعل حملة دعائية مكثفة للترويج للفكرة، حيث نشر إلكانا وولفسون، المنتمي إلى مدرسة جبل المعبد الدينية وابن حاخامها إليشع وولفسون، إعلاناً مصمماً باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يُظهر مشهداً تخيلياً لمأدبة القربان بعد ذبحه، مع تصوير المعبد المزعوم قائماً مكان المسجد الأقصى.

كما نشر ما يسمى معهد المعبد صورة أخرى لمأدبة القربان الحيواني تظهر في خلفيتها قبة الصخرة، بينما أقيم أمامها مذبح ديني، مرفقة بتعليق جاء فيه: إن تأسيس المعبد خلال شهر واحد قد يكون عملاً صعباً، لكن بناء المذبح وتجديد القربان أمر ممكن بالتأكيد، في رسالة تعكس إصرار تلك الجماعات على محاولة فرض هذا الطقس داخل المسجد الأقصى خلال العام الجاري.

سوابق خطيرة وتغلغل للصهيونية الدينية في شرطة الاحتلال

ولفت معروف إلى أن عام 2025م شهد تطورات خطيرة في هذا السياق، تمثلت في تسجيل 3 محاولات نجحت خلالها جماعات استيطانية في إدخال حيوان صغير إلى المسجد الأقصى، أو تهريب أجزاء من لحمه إلى داخله، وهي سابقة لم يشهدها المسجد طوال فترة الاحتلال، ما يشير إلى تغير في موقف شرطة الاحتلال تجاه هذه المحاولات.

ويرى معروف أن هذا التحول يرتبط أيضاً بالتركيبة الأيديولوجية المتزايدة داخل جهاز الشرطة في القدس، حيث ينتمي عدد كبير من ضباطها وعناصرها إلى تيار الصهيونية الدينية، كما تعزز هذا الاتجاه مؤخراً بتعيين المتطرف أفشالوم بيليد قائداً جديداً لشرطة القدس قبيل شهر رمضان، وهو معروف بتبنيه فكرة إقامة الهيكل مكان المسجد الأقصى.

مساعٍ متدرجة لاستغلال المواسم الإسلامية وفرض أمر واقع

وقال أستاذ دراسات بيت المقدس د. عبدالله معروف: إن سعي منظمات المعبد لفرض القربان الحيواني داخل المسجد الأقصى ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى عام 2014م، حين بدأت تلك الجماعات بتنظيم فعاليات سنوية لمحاكاة عملية الذبح في محيط المسجد الأقصى ومن جهاته المختلفة، في إطار مساعٍ متدرجة لتطبيع هذه الفكرة والترويج لها بين جمهورها.

وأوضح أن هذه الأنشطة استمرت على مدى أكثر من 12 عاماً، ترافقت مع حملات تعبئة وتحريض متواصلة تهدف إلى ترسيخ فكرة القربان الحيواني كخطوة تمهيدية ضمن مشروع المعبد.

وأضاف معروف أن هذه المنظمات حاولت استغلال شهر رمضان في أكثر من مناسبة، إذ أطلقت حملات مماثلة خلال عامي 2022 و2023م، عندما تزامن عيد الفصح العبري مع الأسبوع الثالث من رمضان، في محاولة لفرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى مستفيدة من حساسية التوقيت الديني.

وأشار إلى أن الخطاب الصادر عن هذه الجماعات في الآونة الأخيرة يكشف بوضوح عن نيتها استثمار إغلاق المسجد الأقصى، حيث تنظر إلى هذا الإغلاق بوصفه فرصة تمهيدية لتهيئة الظروف لفرض القربان الحيواني داخله، بل إن بعض منشوراتها تدعو صراحة إلى استمرار الإغلاق حتى ما بعد شهر رمضان، بما يسمح لها بالمضي قدماً في تنفيذ مخططاتها المرتبطة بإقامة المعبد المزعوم.


اقرأ أيضاً:

هل بدأت المعركة الأخيرة للسيطرة على المسجد الأقصى؟

إغلاق المسجد الأقصى هدف للحرب يجب إفشاله

«ستارالطوارئ».. كيف يوظف الاحتلال التصعيد الإقليمي لحسم معركة «الأقصى»؟



الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة