كيف تشكل «السوشيال ميديا» ثقافة الاستهلاك؟
في عصر الثورة الاتصالية، قرُبت
المسافات، وتعزّزت الروابط المجتمعية، وتشكّلت –من ثمَّ- ثقافة جديدة للاستهلاك،
قائمة على الإفراط، وبفعل أنساق «السوشيال ميديا»، أُعيد إنتاج معايير استهلاكية
ذات تأثير سلبي على عادات وأذواق الأفراد، وهو ما يعدُّ تحوّلًا مجتمعيًّا خطيرًا؛
حيث لم يعد الاستهلاك خيارًا حرًّا، كما لم تعد الرفاهية استثناء؛ إذ يأتيان في
سباق لا نهاية له.
والفضاء الأزرق يعجُّ بالشكاوى من هذا
التحوّل، وكيف انتقلت وسائل التواصل من فضاء ترفيهي إلى أداة لإعادة تشكيل ثقافة
الاستهلاك، خصوصًا الأطفال والمراهقين، بما يمثل عبئًا أسريًّا واقتصاديًّا، فهذا
طفل في العاشرة، يرغم والديه على شراء «آيفون» لمجرد أن «التيك توكر» الذي يتابعه
لديه نفس الموديل، وهذه شابة على قناعة تامة بزيف معظم ما يعرض على «السوشيال
ميديا»، لكنها ترفض –في الوقت ذاته- النصائح بعدم المبالغة في السفر والخروج
وطريقة التزين واللبس؛ لئلا يُقال: إنها فاشلة، أو متخلفة عن غيرها.
قوة مهيمنة
برزت وسائل التواصل الاجتماعي كقوة
مهيمنة، متجاوزة وسائل التسويق التقليدية، مبشرة بعصر جديد في عملية اتخاذ القرار
الاستهلاكي، الذي اتسم بالتغير، والاستمرار، وطمس الحدود بين التقييم والشراء، فلم
تغير «السوشيال ميديا» ماذا نشتري فحسب، بل لماذا نشتري، حتى في ظل واقع اقتصادي
ضاغط، بعدما صارت مصدرًا أوليًّا وأساسيًّا لتلقي المعلومات، وقد ركّزت على فكرة عالمية
الثقافة الاستهلاكية، ومنحت من خلال هذا التركيز سلعًا وخدمات بعينها دلالات
اجتماعية تتجاوز قيمتها المحسوسة؛ حيث يتعرّض المستخدم لمئات الرسائل التسويقية
داخل المحتوى الذي يتصفحه.
وأسهمت «السوشيال ميديا» في ظهور مفهوم
«الاستهلاك الفوري»؛ إذ يمكن للمستهلك في لحظة واحدة الانتقال من مشاهدة الإعلان
إلى صفحة الشراء مباشرة، وهذا الدمج بين المحتوى والتسوّق لم يعد مجرد وسيلة
تواصل، وإنما وسيط اقتصادي قلّل المسافة الزمنية بين الرغبة في الشراء وقرار
التنفيذ؛ ومن ثم زيادة النزعة الاستهلاكية، فلم يعد المستهلك يشتري فقط لتلبية
حاجته، بل ليكون جزءًا من ثقافة، أو أسلوب حياة، يروّج له الآخرون.
المؤثرون وصناعة الرغبة الاستهلاكية
تشكو ربة منزل من فقدانها الثقة في كثير
من المحتوى الترويجي، وذلك بعد تجربتها شراء أدوات مطبخ من صفحات مشهورة، وبناء
على «ريفيوهات» (تقييمات) ممتازة، لكن اتضح أن الواقع مختلف تمامًا، من حيث الجودة
وعدم القدرة على إعادة السلعة أو محاسبة المخالف، وهو ما يفتح باب النقاش حول دور
المؤثرين في صناعة الرغبة الاستهلاكية، بعرض صور مثالية للحياة؛ ما يدفع المتابع
إلى التطلع إلى أنماط استهلاكية مماثلة، والمؤثر شخص يتبعه الآلاف، وربما
الملايين، ومنهم نجوم الفن والكرة والفكر تستعين بهم الشركات لتسويق منتجاتها
مقابل أجر مادي أو هدايا عينية، والمستخدم هو المستهدف، بل قلْ: هو الضحية.
ونظرًا لهيمنة وسطوة «السوشيال ميديا»،
مقارنة بوسائل الإعلانات التقليدية، فقد غدا المؤثرون فاعلين رئيسين في تشكيل
الثقافة الاستهلاكية، من خلال محتوى عفوي وبسيط، لكنه يحمل في طياته رسائل عميقة
التأثير؛ إذ لا يروّجون للمنتج كسلعة، بل يدمجونه في سياق حياتي وشخصي جذّاب،
وبدلًا من الشراء بناء على قرار عقلاني، يندفع المستخدم إلى الشراء بناء على رغبة
عاطفية ارتبطت بالصورة الذهنية للمؤثّر، وكلما كان المؤثر مبدعًا ومبتكرًا في
عمليات الترويج غير المباشر، استطاع التأثير في قناعات الشراء لدى أعداد أكبر من
المتابعين.
ثقافة «الترند» واستهلاك المواكبة
في الواقع أن «الترند» لم يعد مجرد موضوع
رائج، بل أصبح ثقافة قائمة بذاتها، تعتمد على منطق الانتشار السريع، وكلما زاد
التفاعل زاد الانتشار، وكلما زاد الانتشار زادت الرغبة في المشاركة، حتى وإن كان
المحتوى سطحيًّا أو بلا قيمة، وخوفًا من العزلة الرقمية يتابع المستخدم –مضطرًا-
كل جديد مما يتحدث عنه الناس، وهنا يفتقد القدرة على التفكر والتأنِّي، وتحليل
الخيارات الشرائية، وهو يرى المنتجات التي يروّج لها على المنصات المختلفة تُقدَّم
على أنها مفتاح السعادة، فيندفع نحو الشراء، دون إدراك لتأثير الدعاية على قراره
العاطفي.
ويعتمد المؤثرون للتأثير على متابعيهم
أساليب نفسية وتسويقية ذكية، تسرِّع من وتيرة الاستهلاك المفرط، مثل التخويف من
تفويت الفرصة، وتحسين المكانة الاجتماعية، فتتولّد الرغبة الملحة في اقتناء
المنتجات الجديدة، ويكون قرار الشراء هنا لمجاراة المؤثرين، أو لمواكبة الآخرين
وإثبات المكانة، وذلك تحت ضغط كثافة العرض وتكراره، وليس بدافع القناعة.
«الخوارزميات».. وتوجيه السلوك الشرائي
تعدُّ «الخوارزميات» -وهي العقل الخفي
الذي يقرر ماذا ترى؟ وكيف؟ وبأي ترتيب؟- أداة قوية في توجيه السلوك الاستهلاكي على
مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ لا تكتفي بعرض المنتجات، بل تعيد تشكيل رغبات
المستخدم واحتياجاته، وتقدِّم إعلانات ومنشورات تسويقية تتوافق مع ميوله ورغباته؛
ما يزيد من احتمالية التأثر واتخاذ قرار الشراء.
إن إعادة عرض العلامات التجارية التي
يتفاعل معها المستخدم، تخلق إحساسًا بالألفة والثقة، فيما يُعرف بـ«أثر التعرّض
المتكرر» الذي يرفع فرص الشراء دون وعي تام من المستهلك.
والأمر لا يخلو كذلك من سياق نفسي يدفع
المستخدم للشراء؛ إذ بعد تدفق الإعلانات التجارية إليه إثر مشاهدته لمحتوى معين،
يتولّد لديه شعور بأن إقدامه على الشراء نابع من اهتمامه الشخصي، لا من توجيه
خارجي، وهنا يتحول الإعلان من دعاية مباشرة إلى محتوى مرغوب فيه مرتبط بتجربة
شخصية، وهنا تصبح «الخوارزميات» شريكًا غير مرئي في توجيه السلوك الشرائي.
دعوة للاستهلاك الواعي
لا شك أن تأثير وسائل التواصل على السلوك
الاستهلاكي أصبح ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد؛ لذا فإنه يجب التعامل معها ضمن رؤية
تنموية، تهدف إلى بناء مجتمع رقمي مستقر، من ناحيتيه الاقتصادية والقيمية، فمن
الضروري تبني إستراتيجيات توعية حول استخدام وسائل التواصل بشكلٍ آمنٍ ومسؤول،
ببناء منظومة تعزِّز التفكير النقدي، وتحدُّ من الإفراط الاستهلاكي، ويتحمّل
المؤثرون جزءًا من المسئولية تجاه المجتمع، فيجب أن تُوضع لهم معايير أخلاقية في
الترويج، تضمن الشفافية، وعدم المبالغة، ومراعاة تنوع الجمهور وظروفه الاقتصادية
والاجتماعية.
وعلى مستوى المستخدم نفسه، يجب أن يتوفر
لديه الوعي بما يحدث، وأن «السوشيال ميديا» مصممة لإغرائه بالشراء، وعليه؛ يجب أن
يتعرف على أساليب التسويق المخفية، والمحتوى الذي يخلق شعورًا بالنقص أو الحاجة.
إنه من المفيد أن يقلل من الصفحات التي
تركِّز على السلع والمنتجات، ويستبدل محتوى ذا قيمة علمية أو عملية بها، وقبل أن
يضغط على زر الشراء عليه أن يراجع نفسه فيما يخص احتياجاته الفعلية، وألّا ينساق
وراء عاطفته، وأن يتخلص من الشعور المزيف الذي يلح عليه دائمًا بأن الآخرين يعيشون
حياة أفضل منه.
اقرأ
أيضاً:
حتى لا نتحول إلى مجتمعات استهلاكية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً