حقائق علمية صادمة عن تأثير ما تشاهده..

كيف تعيد الشاشات برمجة أدمغتنا؟

كيف تعيد الشاشات برمجة أدمغتنا؟

تتقلب وجوهنا كل يوم في الشاشات، فتتشبع أبصارنا بما يُعرض عليها من أحزان ومسرات، وبعد مرور الساعات، نحسب أن ما رأيناه ليس له علينا تبعات، وهذا غاية في البعد عما أمدنا به العلم من معلومات. ففي كل مرة تتلقى إحدى حواسنا الخمس مُدخلًا، أي ما يتناسب مع الوظيفة التي خلقت من أجلها تلك الحاسة، كالصوت بالنسبة لحاسة السمع، وكل مرئي ومشاهد بالنسبة لحاسة البصر، لا نكون مجرد متلقّين سلبيين؛ بل ينشغل دماغنا بتحليل تلك المدخلات في عملية بيولوجية بالغة التعقيد، تُعيد تشكيل نفسها وتترك آثاراً تمتد لساعات وأيام وربما سنوات. في العقود الأخيرة، كشف علم الأعصاب المعرفي عن حقائق مذهلة حول طبيعة هذه العلاقة بين ما نراه وطبيعة تأثيره على أدمغتنا.

ويحسن بنا أن نشير هنا أن من علمائنا من سبق علماء الغرب إلى هذا الاستنتاج وإن لم يكن استدلاله بيولوجيًا بل استقرائيًا، فقد ذكر الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي -رحمه الله- في إحيائه كيف أن العين هي أول مداخل القلب وأعظمها أثرًا عليه. وأن الرغبة في الشيء لا تقوم بالإنسان إلا بعد أن يراه وقد كان قبل أن تقع عينه عليه راضيًا بما هو فيه، غير شاغل باله به. ولا تكتفي العين بالمشاهدة وترغيب النفس، بل تحسن وتزين وتجمل. وقريب من هذا المعنى عرج عليه الإمام ابن حزم الأندلسي -رحمه الله- في طوق الحمامة حيث قال: وإن الشيء يتضاعف حسنه في عين مستحسنه. ونكتفي بهذه الإشارة لما لعلمائنا من الريادة وننتقل إلى أحدث ما توصل إليه العلم الحديث بخصوص ما نحن فيه.

المرايا العصبية والتعاطف المُشاهَد

في عام 1992، اكتشف الباحث الإيطالي "جياكومو ريتسولاتي" وزملاؤه في جامعة "بارما" ما باتوا يُسمّونه ”الخلايا العصبية المرآتية“ (Mirror Neurons)، وقد لعبت الصدفة دورها كالعادة في معظم الاكتشافات، إلا أن الملاحظة العلمية هي التي تحول مجرد الصدفة إلى اكتشاف علمي كما هنا، حيث لاحظ ريتسولاتي وزملاؤها أن خلايا دماغ القرد تنشط حين يرى القرد شخصاً يمسك بالطعام تماماً كما تنشط نفس ذات الخلايا حين يمسك القرد نفسه بالطعام. إذن ما يقوم بالنفس من انفعالات وجدانية حين تقوم بذات الفعل، يقوم بها كذلك عندما تشاهده، والدماغ لا يُميّز دائماً بين ما هو مُعاش وما هو مُشاهَد.

التشكيل العصبي والمرونة العصبية

أحدث مفهوم المرونة العصبية ثورة في علم الأعصاب؛ إذ أسقط القاعدة القديمة القائلة إن الدماغ البالغ ثابت وغير قابل للتغيير. فقد أثبت "دونالد هيب" في قاعدته الشهيرة ”الخلايا التي تُطلق معاً، تترابط معاً أن الاستخدام المتكرر لأي مسار عصبي يُعمّق الترابط بين خلاياه. وهذا يعني ببساطة أن الدماغ قابل لإعادة التشكيل، وأن هذا الترابط بين الخلايا العصبية الناتج عن الاستخدام المتكرر لنفس المسار هو الكيفية البيولوجية التي نكون بها عاداتنا اليومية. وهو كذلك عين ما يجعل الإقلاع عن عادة مارسناها لسنوات صعبًا للغاية، لأنه يتطلب حرفيًا إعادة رسم مسارات جديدة لتستبدل القديمة والتي صار لها في الدماغ بالفعل عميق الأثر. وجدير بالذكر أن هذه المسارات تبدأ بالتشكل عند أطفالنا منذ نعومة أظفارهم، بيد أن الفارق أننا نكون من نرسمها لهم في بداية حياتهم باختياراتنا لهوايتهم وبيئتهم. فالطفل الذي ينشئه أبواه على القرآن في الصغر بلا شك يبرع فيه أكثر من بالغ يتعلمه على كبر، خصوصًا في الحفظ كما هو معلوم ومشاهد. وطفل ينشأ بين أحضان الشاشات بلا شك لا يلبث يصاحبها بقية حياته كأشد ما تكون الصحبة، وتكون تفرقته عنها أصعب من التفرقة بين قيس وليلى.

ولله در أبي العلاء إذ قال:

وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا         عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ

وَما دانَ الفَتى بِحِجىً وَلَكِن      يُعَلِّمُهُ التَدَيُّنَ أَقرَبوهُ

تأثير العنف والمحتوى السلبي على الدماغ

أجرى كريج أندرسون وزملاؤه دراسة نُشرت في مجلة «Psychological Science» عام 2010. تابعت هذه الدراسة مئات الأطفال لسنوات أثناء مشاهدتهم لمحتوى عنيف، لتخلُص أن التعرض المتكرر للمحتوى العنيف في وسائل الإعلام يُقلّص تدريجياً استجابة اللوزة الدماغية للعنف الحقيقي، بمعنى أن الطفل يتبلّد إحساسه تدريجيًا. كما تشير دراسات أخرى إلى أن المشاهدين للمحتوى العنيف يُظهرون فرط نشاط في القشرة الجبهية الأمامية، مما يعني أن الدماغ يبقى في حالة تنبّه مزمنة. وهذا يدل أن أدمغتنا تستجيب بطريقة مختلفة لنفس المؤثر، وسنتحدث عن هذه النقطة بتفصيل أكثر في نهاية المقال إن شاء الله تعالى.

وسائل التواصل الاجتماعي والاصطياد في الماء العكر

لا تكاد شركات التواصل الاجتماعي تدخر جهدًا أو تفوت فرصة تمكنها من الاستيلاء على أكبر كم ممكن من وقت مستخدميها. وما ذكر من نتائج الدراسة السابقة لم يمر على تلك الشركات مرور الكرام، حيث صار هناك محتوى في وسائل التواصل الاجتماعي مصمم خصيصًا لخلق رد فعل قوي وسلبي. حيث يعرف هذا المحتوى ب”طُعم الغضب”، واختارت أوكسفورد هذا المصطلح ككلمة العام المنصرم من شدة ذيوعه وانتشاره، وشدة نجاحه في تحقيق مأربه من إغضاب مشاهده الذي ينبري للرد عليه فيمضي وقتًا أكثر على وسائل التواصل الاجتماعي، التي كثرت دسائسها حتى أفردت لها مقالًا بعنوان ” أسرار التلاعب السيكولوجي في تطبيقات التواصل الاجتماعي“ لمن شاء الرجوع إليه للاستزادة.

الفروق الفردية وعوامل التوسّط

لا يستجيب كل دماغ للمحتوى البصري بالطريقة ذاتها. تشير الأبحاث إلى أن العامل الوراثي، وتجارب الطفولة، ومستوى التعليم الإعلامي، وحالة الإجهاد الراهنة، وطريقة المشاهدة (نشطة أم سلبية) تلعب كلّها دورًا في مدى وطبيعة التأثير العصبي للمحتوى المرئي. فالمشاهد الذي يُحلّل ما يرى لا يستوي هو ومن يشاهد ما اتفق كيفما اتفق. وهذا ما يُبرز أهمية ما بات يُعرف بـ«محو الأمية الإعلامية»: وهي تلك القدرة على تحليل المحتوى ونقده وفهم بنيته السردية، ونعني بهذا قدرة الإنسان على تفنيد الأكاذيب وإبصار الحقائق فيما يشاهده. ويتأتى هذا كذلك في المحتوى الترفيهي بأن يميز الغث من السمين، والحبكات المكتوبة بإتقان ونظيراتها الرديئة، فإذا استوى عنده كل ما يشاهد فأين وعيه وتمييزه وإدراكه.

المشاهدة ليست فعلاً بلا تبعات. فكل لحظة تقضيها أمام شاشة أو صورة أو مقطع مرئي، هي لحظة يتم فيها عادة تشكيل الشبكة العصبية لدماغك، أو ترسيخ مساراتها العصبية القديمة. كما تُعدّل استجاباته الانفعالية، وتُشكّل منظوره للعالم. وما ذكرنا من أبحاث ليست دعوة لأن نضع غشاوة على أعيننا، بل هي دعوة لأن ندرك قوة أثر ما نبصره بها. وسبحان من أبدع في أبداننا أدمغة قد تكون هي الآلة الأكثر تعقيداً في عالمنا، ومهما أطال الباحثون النظر فيها ظانين أنهم كشفوا اللثام عن جميع خباياها، ارتد إليهم البصر خاسئًا وهو حسير.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة