كيف تغدو أسلمة الثقافة ممكنة؟
تشكل علاقة
الإسلام بالثقافة واحدة من الإشكاليات التي طرحت على العقل الإسلامي منذ قرابة نصف
قرن، وذلك مع صعود ما سمي بالصحوة الإسلامية ومشروع الأسلمة الذي حاول تجسير
الفجوة بين الإسلام، والمعارف والآداب والفنون، ورغم ذلك لم تزل علاقة الإسلام
بالمجال الثقافي تثير التباساً، فمن جهة لا يزال نفر من الإسلاميين يتشدد في مسألة
رفض الفنون والأدب بدواعٍ مختلفة، ومن جهة ثانية، يدعي التنويريون والحداثيون أن
ليس للإسلام تعلق بالثقافة بوجه من الوجوه محتجين بأن الثقافة لا يمكن أسلمتها،
وأنها دعوة أيديولوجية وليست معرفية.
وكما يبدو، فإن
مصطلح «أسلمة الثقافة» يحتاج بعض التوضيح،
ذلك أن المعجم الوسيط عرف «الأسلمة» بأنها «عملية إضفاء الطابع الإسلامي»، وهو ما
يعني إضفاء الصفة الإسلامية على المناهج والعلوم والفنون وما إلى ذلك.
ويتصور البعض أن
ذلك بمثابة «فرض» الصفة الإسلامية قسراً على مجالات ليس لها تعلق بالدين، ونظراً
لهذا التباين في فهم المصطلح، يجب الإشارة إلى أننا نستخدمه بمعنى أرحب؛ إذ
الأسلمة -في هذا المقال- تعني التعبير عن روح الإسلام، أو على الأقل عدم التصادم
بين قيمه وتشريعاته، والمجال الثقافي الذي يتألف من رافدين أساسيين، هما: العلوم
والفنون.
وأما العلوم،
فقد شهدت محاولات جادة للأسلمة، كان أبرزها مشروع إسلامية المعرفة الذي تبناه
المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ورغم الانتقادات، فإن فكرة الأسلمة ربما أحرزت
نجاحاً ملحوظاً في بعض العلوم، مثل علم الاقتصاد؛ حيث وجدت تنظيراته مجالاً
تطبيقياً في البنوك الإسلامية.
وأما الفنون
المختلفة، وهي ما نود التركيز عليه، فإنها لم تستطع أن تحرز نجاحاً، رغم أن
محاولات أسلمة الفن والأدب أقدم تاريخياً من إسلامية المعرفة، وعلى سبيل المثال
بدأت مجلة «الأدب الإسلامي» في الظهور عام 1969م، وسبقها محاولات من بعض رواد
التمثيل في مصر لإنتاج أفلام سينمائية من مثل فيلم «خالد بن الوليد» لحسين صدقي،
وهو ما يثير التساؤل حول الأسباب التي حالت دون إحراز تقدم ما على صعيد الفنون.
اعتبارات وسياقات
وليس هناك إجابة
ناجزة -فيما نرجح -عن سؤال على قدر من التعقيد، وإنما هناك بعض الاعتبارات التي
يمكنها أن تجلي المسألة، وأولها السياق العام الذي ساد منذ منتصف القرن، حيث تغيرت
أنظمة الحكم في معظم البلدان العربية، وصار الفن خاضعاً لهذه الأنظمة وفقَدَ كثيراً
من استقلاليته التي تمتع بها في العهود السابقة، وشيئاً فشيئاً بات يعبر عن
أيديولوجيا الدولة بأكثر من تعبيره عن هموم الإنسان وقضاياه.
وثانيها: إن
الفنون عموماً منذ منتصف القرن صارت حكراً على نخبة من المثقفين الذين لا تربطهم
بالإسلام رابطة، كان يمكن أن تجد كتَّاباً وأدباء وفنانين ينتمون لليسار أو
ليبراليين أو لا دينيين، لكن لم يكن مسموحاً أن تجد أديباً أو روائياً أو فناناً
يمكن أن يطلق عليه وصف «إسلامي»، وذلك بسبب سياسة إقصاء الإسلاميين والتضييق عليهم
من قبل السلطة، أو جماعات المصالح الثقافية «الشللية الثقافية».
وثالثها: تصور
قطاعات واسعة من الإسلاميين لمسألة الفن، حيث سيطرت فكرة أن الفنون التمثيلية
والموسيقية ليست شرعية، وهناك تراث من المقالات والفتاوى في المجلات الإسلامية
الشهيرة، وهي الفكرة التي حالت دون إقبال الإسلاميين على المجالات الأدبية والفنية،
وتحديداً السينما والمسرح والموسيقى.
قدمت في سبيل
التخلص من فكرة التنافر بين الإسلام والفنون اجتهادات شرعية وفكرية معتبرة، نهض
بها علماء من مختلف البلدان؛ كالغزالي والقرضاوي والغنوشي والريسوني، وبفضلها نزع
طابع التحريم عن الفنون والآداب، وأقبلت جموع من الإسلاميين وخصوصاً الشباب على
تذوق الآداب والفنون، كما انفتحت الصحافة الإسلامية على السينما والفنون عموماً
وخصصت أبواباً ثابتة للفنون والآداب.
الانفتاح
الإسلامي على الفنون، استدعى بالضرورة الحديث عن مسألتين؛ الضوابط التي ينبغي
توافرها في الفن حتى يغدو إسلامياً مباحاً، إذ ليست الفنون مباحة إطلاقاً كما يرى
العلماء، والثانية: مسألة كيف يمكن تجسير الفجوة مع الفنون وتشجيع الإسلاميين على
الانخراط في المجالات الفنية.
التكييف الشرعي
بحث د. أحمد
الريسوني مسألة التكييف الشرعي للفنون، ذاهباً إلى أنها تقع ضمن مرتبة التحسينيات
من مقاصد الشريعة، وهي تتعلق بالمباحات، ولكن ينبغي تقييدها ببعض الضوابط من مثل:
أولاً: عدم
الإخلال بالفرائض والواجبات.
ثانياً: عدم
الإفضاء إلى المفاسد والمحرمات.
ثالثاً: عدم
الإخلال بالاتزان والتعقل، حيث كانت علة تحريم الغناء، وما يتبعه بكون المتلقي أو
المغني يفقد توازنه فيختل ويدخل في نوع من الصبيانية والطيش والرعونة، فلا بد إذاً
من هذا الشرط.
رابعاً: عدم
التفتير والتخدير، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلّ مفتر، وكذلك مما احتج
به الفقهاء المحرّمون للغناء والموسيقى أنها تدعو إلى البطالة؛ أي إلى الفتور
والخمول والنوم والراحة والاستكانة إلى الملذات، وهذا فعلاً من المفاسد التي تنشأ
عن بعض الفنون، فيجب أن نحذرها.
خامساً: عدم
الإفراط، وحول هذا يقول الإمام الغزالي: «فإن المواظبة على اللهو جناية»، ثم يقول:
«وما كل حسن يحسن كثيره ولا كل مباح يباح كثيره».
أما بالنسبة
لمسألة تشجيع انخراط الإسلاميين في الفنون والآداب عموماً، فقد قدمت فيها بعض
المقترحات حيث ذهب د. إبراهيم البيومي غانم في بحثه حول علاقة الفنون بمقاصد
الشريعة إلى ضرورة استيعاب النظريات الكبرى بشأن فلسفة الفن والجمال، والدخول في
جدالات نظرية معها واكتشاف القواسم المشتركة بينها وبين النظرية الإسلامية، واقترح
أيضاً إنشاء كلية للفنون الجميلة ضمن الجامعات الإسلامية كالأزهر والزيتونة
والقرويين ودار العلوم ديوبند، تختص بدراسة فلسفات الفن ونظرياته من منظور شرعي،
ووضع معايير قياسية معتمدة للفنون وإعداد نماذج إرشادية لبيان كيفية الالتزام بها.
يضاف لهذه
المقترحات العمل على اكتشاف وتشجيع المواهب الجديدة بأن تقوم الهيئات الإسلامية
ذات الإمكانيات المادية بتنظيم المسابقات في مناطق الريف لاكتشاف المواهب ودعمها،
وتوفير منح دراسية لذوي الموهبة لدراسة الفنون في الخارج، وتشجيع المراكز
الإسلامية والجامعات على أن يتضمن الموسم الثقافي بها إعداد ندوات حول الفنون،
وكذا تشجيع الطلاب على الانخراط في النشاطات الفنية والتمثيلية.
استخلاصاً مما
سبق يمكن القول: إن هناك إمكانية لأسلمة الفنون والآداب، لكنها تظل رهناً بأن تنهض
المؤسسات الإسلامية بواجبها في رفع الالتباس الواقع بين الإسلام والفنون والحث على
ارتياد المجالات الفنية المختلفة.
اقرأ
أيضاً: