كيف تقي نفسك من عزة الغضب وذل الاعتذار؟
في حلم أحنف في ذكاء
إياس. هكذا ضرب أبو تمام المثل في الحلم بالأحنف بن قيس، وقد رويت عنه روايات
كثيرة ومقولات أثيرة في ذلك، ومما قاله: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. وفي الحلم
أورد صاحب العقد الفريد الكثير من القطوف اليانعة والأشعار الماتعة: قال بعضهم في
الحلم: إياك وعزة الغضب، فإنها تصيّرك إلى ذلّ الاعتذار.
وقيل: من حلم ساد،
ومن تفهّم ازداد. وقال الأحنف: ما نازعني أحد قطّ إلا أخذت أمري بإحدى ثلاث: إن كان
فوقي عرفت قدره، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضّلت عليه.
ولقد أحسن الذي أخذ
هذا المعنى فنظمه فقال:
إذا كان دوني من
بليت بجهله
أبيت لنفسي أن تقارع بالجهل
وإن كان مثلي ثم
جاء بزلّة
هويت لصفحي أن يضاف إلى العدل
وإن كنت أدنى منه
قدرا ومنصبا
عرفت له حقّ التقدّم والفضل
وفي مثله قال بعض
الشعراء:
سألزم نفسي الصفح
عن كلّ مذنب
وإن كثرت منه إليّ الجرائم
وما الناس إلّا واحد
من ثلاثة
شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف
فضله
وأتبع فيه الحقّ والحقّ قائم
وأما الذي دوني فإن
قال صنت عن
إجابته نفسي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن
زلّ أو هفا
تفضّلت إن الفضل للحرّ لازم
ولأصرم بن قيس، ويقال
إنها للإمام عليّ رضي الله عنه:
أصمّ عن الكَلِم
المُحْفِظات
وأحلم
والحلم بي أشبه
وإنّي لأترك جلّ
الكلام
لئلا أجاب بما أكره
إذا ما اجتررت سفاه
السفيه
عليّ فإنّي أنا الأسفه
فلا تغترر برواء
الرجال
وما زحزحوا لك أو موّهوا
فكم من فتى يعجب
الناظرين
له ألسن وله أوجه
ينام إذا حضر المكرمات
وعند الدناءة يستنبه
وللحسن بن رجاء:
أحبّ مكارم الأخلاق
جهدي
وأكره أن أجيب وأن أجابا
وأصفح عن سباب الناس
حلما
وشرّ الناس من يهوى السّبابا
ومن هاب الرجال تهيّبوه
ومن حقر الرجال فلن يهابا
ومن قضت الرجال له
حقوقا
ولم يقض الحقوق فما أصابا
بيان وفوائد:
تتمحور المقتطفات والأبيات حول فضيلة الحِلْم كما وردت في الأمثال والأشعار العربية، وفي أقوال الأحنف بن قيس وغيرِه من الحكماء، ويمكن النظر إلى هذه المقتطفات من خلال:
التحليل الآخلاقي
التحليل الأخلاقي
تُعدّ فضيلة
الحلم من أمهات الفضائل الأخلاقية في التراث العربي والإسلامي، والحلم يعني ضبط النفس
عند الغضب، والتسامح مع المسيء، وحسن التصرف في المواقف المؤلمة.
الأخلاق التي تبرز
هنا تتمثل في:
- ضبط النفس: كل النصوص الواردة تقدّم الحلم باعتباره
أرقى درجات السيطرة على النفس، وأنه رادع للجهل، ومانع للخصومة، وحافظ لكرامة الإنسان.
- التواضع والعدل: يعرض الأحنف مقياسًا أخلاقيًّا
دقيقًا في التعامل مع الناس: احترام من هو أعلى، وصيانة النفس عمَّن هو أدنى، والتفضل
على من هو مماثل. هذا التقسيم يُظهر ميزانًا أخلاقيًا يُحفظ به الحق والكرامة دون ذلة
أو كبرياء.
- الحلم بوصفه قوة لا ضعفًا: كثير من الأقوال
تؤكّد أن الحلم "أنصر من الرجال"؛ أي إنه أقوى من القتال والنزاع، لأن صاحبه
ينتصر بأخلاقه لا بيده. وهذه فلسفة أخلاقية عالية.
- اجتناب السباب والردّ على السفيه: الأخلاق العربية
الأصيلة تربط بين الحلم وترك اللغو، فالجاهل يستفزّ بالحماقة، والحليم يسمو بالصمت.
التحليل الاجتماعي
تعكس المقتطفات ثقافة
اجتماعية عربية تقوم على:
- الطبقات الاجتماعية والتعامل معها: المجتمع العربي القديم كان هرميًّا، وتظهر في الأقوال تقسيمات: فوقي، دوني، مثلي. لكن التعامل مع هذه الفروق لم يكن على أساس التعالي، بل وفق توازن دقيق يكفل السلام الاجتماعي: احترام أهل الشرف، وصيانة النفس عن أهل السفه، والترفق بالأنداد.
- أهمية السمعة الاجتماعية: الأدب العربي القديم
يعطي للحلم قيمة اجتماعية كبيرة؛ فالحليم سيد قومه، ويُتّقى جانبه لمهابته لا لعنفه.
وبهذا يصبح الحلم
وسيلة لترسيخ السلم الاجتماعي ومنع الفتن.
- العلاقات الإنسانية: المقالة تجمع بين مواقف
الأخلاق والخبرة الاجتماعية في التعامل مع مختلف الشخصيات: السفيه، الجاهل، الشريف،
المتكبر، وغيرها. فهي تقدم دليلًا سلوكيًا للإنسان داخل المجتمع.
- نقد السطحية الاجتماعية: في الأبيات التي تُحذّر
من الاغترار بـ"رواء الرجال" نقدٌ اجتماعي واضح لمن يحكم على الناس بمظاهرهم،
مع إبراز أن القيمة الحقيقية في المواقف لا في الصور.
التحليل الديني
تتوافق روح المقالة
مع مركزية الحلم في الإسلام، والنصوص المستشهد بها كلها شبّت في بيئة دينية تقدّر هذه
القيمة. أبرز ما يظهر فيها:
- الاقتداء بالأخلاق النبوية: الحلم من أخلاق
النبي ﷺ: "ما كان الحلم في شيء إلا زانه".
الأحنف بن قيس والحكماء
الذين ذُكرت أقوالهم كانوا متأثرين بالمبادئ الإسلامية: العدل، الصفح، الصبر، كفّ الأذى.
- التواضع وترك السباب: هذه خصال محمودة دينيًا،
وكلها مما حضّ عليه القرآن والسنة:
{ادفع بالتي هي أحسن}،
{خذ العفو وأمر بالعرف}.
- صيانة اللسان: الأبيات التي تحذر من الردّ على
السفيه توافق تعاليم الإسلام في تجنب الجدال العقيم، وترك لغو الكلام.
- العدل وإعطاء كل ذي حق حقه: التقسيم الذي أورده
الشعراء (شريف، مشروف، مكافئ) هو تطبيق عملي لمعنى العدل الاجتماعي الذي دعا إليه الدين.