4 وسائل من القرآن الكريم..
كيف تكون من أولياء الله الصالحين؟
يحتاج كل إنسان
في الحياة إلى من يحبه وينصره، وهاتان الصفتان، وهما المحبة والنصرة لا يطلقان إلا
على الولي. فالولي هو القريب الذي يحبك، والقوي الذي يساندك وينصرك. فإذا كان
القريب منك غير محب أو مساند لك؛ فلا يمكن أن يكون وليًا، فقد عاب الحق سبحانه
وتعالى على الذين يتخذون أولياء من دونه، لأنهم يستندون إلى ضعفاء وعجزة، حيث قال
تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ
اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ
أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:
41).
وهنا يثار
التساؤل عن الولي المطلوب، وهو المحب القوي الناصر المعين، وهذا الولي هو الله
سبحانه وتعالى، قال تعالى: (فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ
وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الشورى: 9)، وقال
عز وجل: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ
الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَن
يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ *
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ *
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ
أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم
بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (الأنعام:
62-65) فهذه الآيات القرآنية تؤكد أن الله هو الولي، فهو الذي يدبر أمور
عباده ويرعاهم.
لذا ناداه يوسف
عليه السلام قائلا: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ
الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101). كما دعاه سيد الخلق صلى الله
عليه وسلم، حيث روى أحمد بسند صحيح أنه كان يدعو قائلا: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي
فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ
تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّمَا قْضَيْتَ، إِنَّهُ
لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ".
فإذا كان الله
سبحانه وتعالى هو الولي الذي نستنصر به، فكيف نكون من أوليائه؟
1- الإيمان
بالله:
فالله ولي المؤمنين، قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 257). وقال: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 68). فمن آمن بالله تولاه الله. قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد: 11). والذين لا يؤمنون محرومون من ولايته سبحانه وتعالى، فهم أولياء الشيطان، كما قال تعالى: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (الأعراف: 30)، وقال عز وجل: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 27).
2- تحقيق
التقوى:
فالله ولي المتقين. قال تعالى: (إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) (الجاثية: 19). وقال عز وجل: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: 62-63). وقال سبحانه: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) (الأنفال: 34). قال ابن جرير: ما أولياء الله إلا المتقون، يعني: الذين يتقون الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه(1).
3- المحافظة
على الفرائض والنوافل:
وصف الحق سبحانه وتعالى من حافظ على الفرائض والنوافل وأطاع ربه بالولاية، حيث قال تعالى: (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج: 78). وفي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». قال ابن حجر: وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاحْتِرَامُ الْآمِرِ وَتَعْظِيمُهُ بِالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ وَإِظْهَارُ عَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ، فَكَانَ التَّقَرُّب بذلك أعظم الْعَمَل. وَالَّذِي يُؤَدِّي الْفَرْض قَدْ يَفْعَلُهُ خَوْفًا مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَمُؤَدِّي النَّفْلِ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا إِيثَارًا لِلْخِدْمَةِ فَيُجَازَى بِالْمَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ مَطْلُوبِ مَنْ يَتَقَرَّبُ بِخِدْمَتِهِ. وقَوْلُهُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ: التَّقَرُّبُ طَلَبُ الْقُرْبِ، وقُرْبُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ يَقَعُ أَوَّلًا بِإِيمَانِهِ ثُمَّ بِإِحْسَانِهِ وَقُرْبُ الرَّبِّ مِنْ عَبْدِهِ مَا يَخُصُّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِرْفَانِهِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنْ رِضْوَانِهِ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ لُطْفِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَلَا يَتِمُّ قُرْبُ الْعَبْدِ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا بِبعْدِهِ مِنَ الْخَلْقِ. وَقُرْبُ الرَّبِّ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَامٌّ لِلنَّاسِ، وَبِاللُّطْفِ وَالنُّصْرَةِ خَاصٌّ بِالْخَوَاصِّ، وَبِالتَّأْنِيسِ خَاصٌّ بِالْأَوْلِيَاءِ(2).
4- تحقيق
الصلاح:
وهو يعني
الاستقامة على طريق الله سبحانه وتعالى. فمن فعل ذلك تولاه الله، قال تعالى: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (الأعراف: 196). وعن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما قال: قيل: يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رؤوا ذكر
الله تعالى». أي لحسن سمتهم وإخباتهم(3). والمعنى أن صلاحهم واضح للعيان،
وتحقيق الصلاح يكون بالتمسك بالكتاب والسنة، قال الإمام الشافعي: إذا رأيتم الرجل
يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
فلا ولاية إلا للمؤمنين المتقين الصالحين المتمسكين بالكتاب والسنة(4).
(1) تفسير الطبري، (11/ 159).
(2) فتح الباري: لابن حجر العسقلاني، (11/ 343).
(3) تفسير الألوسي، (6/ 141).
(4) طبقات الشافعيين، ص: 32.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً