كيف تكون ناجحاً اجتماعياً؟ (1)

رسمةـتعبر_عن_الوجاهة_الاجتماعية

في 19 أغسطس 2025م، كنا في لقائنا الأسبوعي مع الإخوة والأخوات، ودار الحديث حول الكتب الحديثة التي تتناول الصحة والغذاء، وكيف يحافظ الإنسان على جسده من خلال اختياراته اليومية، وتحدثت إحدى أخواتي عن كتاب يتناول الزيتون وشجر الزيتون وزيته وفوائده.

كتاب كامل عن الزيتون! وقد يبدو الموضوع محدوداً، لكنه يقودنا إلى معنى أوسع، فالزيتون حاضر في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَالتّينِ وَالزَّيتونِ) (التين: 1)، وقال سبحانه: (وَشَجَرَةً تَخرُجُ مِن طورِ سَيناءَ تَنبُتُ بِالدُّهنِ وَصِبغٍ لِلآكِلينَ) (المؤمنون: 20)، وفي السنة النبوية: «كُلوا الزَّيتَ وادَّهنوا بهِ فإنَّهُ مبارَكٌ».

لكن ما علاقة ذلك بالنجاح الاجتماعي؟

الإنسان وحدة متكاملة، ونجاحه الاجتماعي لا ينفصل عن نجاحه في إدارة ذاته، ومن يريد أن يكون حاضراً في حياة الآخرين، مؤثراً ونافعاً، يحتاج إلى جسد يعينه، وعقل متزن، ونفس مستقرة، فقد يمتلك الإنسان المال والشهادات والعلاقات، ولكن ماذا يبقى من متعة الإنجاز إذا غابت الصحة والعافية؟

النجاح الاجتماعي يبدأ من إدارة الذات

نخطئ عندما نختزل النجاح الاجتماعي في القدرة على الحديث أو تكوين الصداقات أو الحضور في المجالس، هذه مظاهر للنجاح وليست جوهره.

النجاح الحقيقي يبدأ عندما يعرف الإنسان نفسه، ويدرك نقاط قوته وضعفه، ويعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يقترب ومتى يترك للآخرين مساحتهم.

فإنسان لا يدير غضبه قد يخسر في خمس دقائق علاقة بناها في خمس سنوات، وإنسان لا يضبط لسانه قد يهدم بكلمة رصيداً اجتماعياً جمعه طوال عمره، ولهذا فإن إدارة الذات تسبق إدارة العلاقات.

المثقف اجتماعياً لا يدعي المعرفة

وفي اليوم نفسه، أرسلت مجموعة من الإجابات عن استشارات إلى الأخ مكرم، المسؤول عن بوابة للاستشارات على شبكة الإنترنت، وكنت معنياً بالمجال الإداري.

والاستشارة في حقيقتها اعتراف إنساني جميل بأن معرفتنا محدودة، قال تعالى: (وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ إِلّا رِجالًا نوحي إِلَيهِم فَاسأَلوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمونَ) (النحل: 43).

ومن النضج الاجتماعي أن تستطيع قول: لا أعلم، وأن تسأل المتخصص، وأن تغير رأيك عندما يظهر لك الدليل، وألا تعتبر الرجوع عن الخطأ هزيمة، فالإنسان الواثق لا يحتاج إلى الانتصار في كل حوار.

افهم الناس قبل أن تحكم عليهم

وفي 20 أغسطس، كنا نستعد للسفر إلى دولة أوروبية، وطلبنا عروضاً من وكالات سفر مختلفة للفنادق والمواصلات، فوجدنا تفاوتاً كبيراً في الأسعار والخدمات والخيارات.

وتذكرت أن البشر كذلك؛ لا يوجد نموذج واحد نقيس عليه الجميع، فلكل إنسان تجربته وبيئته وطريقته في رؤية العالم، وما يبدو لك بديهياً قد لا يكون كذلك لشخص عاش تجربة مختلفة.

وقد قرر ابن خلدون في «مقدمته» أن الاجتماع الإنساني ضروري، وأن الحياة تقوم على التعاون والتكامل، وإذا كان اختلاف البشر حقيقة، فإن الذكاء الاجتماعي ليس إلغاء هذا الاختلاف، بل تعلم كيفية العيش معه.

ليس مطلوباً أن توافق الجميع، وإنما أن تختلف معهم باحترام.

العلاقات لا تعني إرضاء الجميع

يظن بعض الشباب والشابات أن النجاح الاجتماعي يعني إرضاء الجميع، وهذا مستحيل، بل قد يكون مؤذياً.

أن تكون اجتماعياً لا يعني أن تقول «نعم» لكل طلب، أو تتخلى عن قناعاتك خوفاً من خسارة الآخرين، تستطيع أن تكون لطيفاً وحازماً، وأن ترفض بأدب، وتضع حدوداً واضحة دون إساءة.

العلاقة الصحية لقاء بين شخصيتين مستقلتين تجمعهما مساحة من الاحترام، وليست ذوبان شخص في الآخر.

المبادرة تصنع الإنسان المؤثر

وفي اليوم نفسه، سجلت «بودكاست» عن القيادة والنضج الاجتماعي، وكان من الموضوعات التي ناقشناها صفة المبادرة؛ والمبادرة ليست حكراً على القادة، إنها سلوك اجتماعي مهم؛ بادر بالسلام، والسؤال عن الغائب، وتهنئة الناجح، ومواساة الحزين، وخدمة من يحتاج إليك، لا تنتظر دائماً أن يبدأ الآخرون.

وفي الحديث: «النّاسُ كإبِلٍ مائةٍ، لا يَجِدُ الرَّجُلُ فيها راحِلةً»؛ وفيه معنى يستحق التأمل؛ أن الأشخاص الذين يمكن الاعتماد عليهم في المواقف المهمة ليسوا بالكثرة التي نتصورها، فاجعل نفسك ممن يعتمد عليهم.

الذكاء الاجتماعي أخلاق قبل أن يكون مهارة

هناك كتب كثيرة تتحدث عن التأثير والإقناع ولغة الجسد وكيف تكسب الناس، وقد تكون هذه المعارف مفيدة، لكن الخطأ أن تتحول العلاقات إلى حيل للحصول على ما نريد.

الإنسان ليس مشروعاً ينبغي أن نكسبه، والصديق ليس فرصة، والزميل ليس سلماً نصعد عليه، فالذكاء الاجتماعي الحقيقي أخلاقي قبل أن يكون مهارة؛ قال الإمام الغزالي: «اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق».

وقد يستطيع الذكي أن يخدع الآخرين بعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يبني بالخداع علاقة إنسانية عميقة تدوم.

تعلم فن الاستماع

ومن أكثر المهارات ندرة القدرة على الاستماع، نحن نعيش في زمن يريد فيه الجميع أن يتكلم ويعلق وينشر، لكن من الذي يستمع؟

عندما يحدثك صديق عن إنجاز، لا تسارع إلى إخباره بإنجاز أكبر حققته أنت، وعندما يشكو إليك إنسان ألماً، لا تحول الحديث إلى آلامك، بل استمع إليه.

فالاستماع رسالة غير منطوقة تقول للإنسان الذي أمامك: أنت مهم بالنسبة إليَّ.

النجاح الاجتماعي صناعة أثر

في 21 أغسطس، حضرت محاضرة عن العلم وفضله، وأعادني ذلك إلى سؤال مهم: ماذا صنعت بعلمك؟

ليس السؤال: كم كتاباً قرأت؟ أو كم شهادة حصلت عليها؟ وإنما من انتفع بمعرفتك؟ فقيمة الثقافة لا تظهر في عدد المعلومات التي يحملها الإنسان، وإنما في مقدار الخير الذي يصنعه بها.

وفي النهاية، النجاح الاجتماعي ليس مسابقة في جمع الأصدقاء، ولا رقماً بجانب اسمك في منصة اجتماعية، ولا أن تكون محور كل مجلس، إنه أن يطمئن الناس إلى وجودك، ويثقوا بكلمتك، وأن تحفظ السر وتفي بالوعد، وتختلف دون خصومة، وتنجح دون غرور، وتعتذر عندما تخطئ.

يا شباب ويا شابات، لا تجعلوا هدفكم أن يعرفكم أكبر عدد من الناس، بل أن تكون معرفتكم إضافة إلى حياة من يعرفكم، ابنوا عقولكم بالعلم، وأجسادكم بالعافية، وشخصياتكم بالقيم، وعلاقاتكم بالصدق.

فرب إنسان يعرفه الآلاف ولا يجد شخصاً واحداً يثق به، ورب إنسان لا يعرفه إلا القليل، ولكنه إذا غاب افتقدوه، وإذا حضر اطمأنوا إليه، وإذا تكلم وثقوا به، وإذا احتاجوا وجدوه.

وهذا من أجمل معاني النجاح الاجتماعي؛ أن تكون إنساناً يستطيع الناس أن يعيشوا من حوله بأمان، وأن تترك في القلوب بعد كل لقاء أثراً جميلاً.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة