كيف صاغت دروس التحرير دبلوماسية الكويت الاستثنائية؟

مع إطلالة السادس والعشرين من فبراير، تقف دولة الكويت على أعتاب الذكرى الخامسة والثلاثين لتحريرها، في محطة تتجاوز طابعها الاحتفالي لتتحول إلى قراءة سياسية ووطنية عميقة.

فهذا التاريخ يمثل الركيزة الأساسية التي تستند إليها الدولة في صياغة واقعها الحالي ومواجهة تحديات المستقبل.

وفي رصد لملامح هذه الذكرى اليوم، تتجلى بوضوح عدة دلالات ورموز وطنية ارتبطت بمرحلة التحرير، وانعكست بشكل مباشر على موقع الكويت وحاضرها المشرق.

صمود الداخل.. درع الوطن الجيوسياسي

تتصدر هذه الدلالات أهمية الجبهة الداخلية التي تعتبر بمثابة الدرع الجيوسياسي للبلاد، ففي الذاكرة الوطنية، جسد التحرير النتيجة الحتمية لصمود الكويتيين منذ فجر 2 أغسطس 1990م، حيث سطروا أروع أمثلة العصيان المدني والمقاومة طوال 7 أشهر عجاف، معلنين رفضهم القاطع لأي مساومة على سيادة وطنهم.

وتُترجم هذه القيمة اليوم في متانة هذه الجبهة كأهم حصن للكويت وسط إقليم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية، لتكون صمام الأمان الذي يحفظ استقرار الدولة ويحصنها من الاستقطابات الخارجية.

دبلوماسية التحالفات.. من «عاصفة الصحراء» إلى الحضور العالمي

وعلى الصعيد الخارجي، يمثل التحرير شهادة نجاح تاريخية لمدرسة الدبلوماسية الوقائية والاستثمار في التحالفات الإستراتيجية.

فقد كان تحرير الكويت ثمرة لصدور قرارات حاسمة من مجلس الأمن، أبرزها القرار (678) الصادر في 29 نوفمبر 1990م الذي أجاز استخدام القوة العسكرية، ليتشكل بناءً عليه أكبر تحالف دولي في العصر الحديث ضم 34 دولة.

وانطلقت على إثره عملية «عاصفة الصحراء» في 17 يناير 1991م، التي توجت بإعلان التحرير وعودة الحق لأصحابه في 26 فبراير 1991م.

وتواصل الدولة اليوم ترسيخ هذا النهج الدبلوماسي عبر بناء شراكات إستراتيجية متينة مع القوى العالمية؛ ما يضمن بقاء الكويت رقماً صعباً ومؤثراً في الخارطة السياسية الدولية.

قوة الكويت الناعمة.. من الدعم الدولي إلى ريادة العمل الإنساني

وقد انسحب هذا التأثير الدولي إلى تعزيز القوة الناعمة للبلاد؛ فبعد أن كان وقوف المجتمع الدولي مع الحق الكويتي محطة فاصلة لاستعادة الأرض، حولت الكويت هذا التضامن إلى عقيدة راسخة في سياستها الخارجية.

وتكللت هذه الجهود التاريخية في 9 سبتمبر 2014م بتسمية الأمم المتحدة لدولة الكويت «مركزاً للعمل الإنساني»، هذه الأيادي البيضاء الممتدة لإغاثة المنكوبين حول العالم تمنح الكويت اليوم حصانة أدبية ودولية لا تقدر بثمن.

إرادة الإعمار.. من إطفاء آخر بئر نفطية إلى آفاق المستقبل

ولم تتوقف عجلة الإرادة عند حدود التحرير والدبلوماسية، بل امتدت لتشمل إرادة الإعمار والتنمية، فبعد الدمار الممنهج الذي طال البنية التحتية وإشعال النيران في أكثر من 727 بئراً نفطية، سطرت الكويت ملحمة جديدة للانبعاث من تحت الركام؛ إذ تمكنت في 6 نوفمبر 1991م من إطفاء آخر بئر نفطية مشتعلة في وقت قياسي أذهل الخبراء حول العالم.

وتستمد الكويت من هذا الإنجاز التاريخي اليوم عزيمتها لدفع مسيرة التنمية المعاصرة، متجسدة في مبادرات «رؤية كويت جديدة 2035م» الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل والتحول إلى مركز مالي وتجاري عالمي.

إن الذكرى الخامسة والثلاثين للتحرير ليست مجرد عودة للوراء، بل هي عدسة دقيقة نقرأ من خلالها واقع الكويت اليوم، إنها قصة دولة أثبتت أن مساحتها الجغرافية تتسع لتشمل العالم بأسره من خلال حكمة قيادتها، وعمق دبلوماسيتها، وصلابة جبهتها الداخلية.


اقرأ أيضاً:

تحرير الكويت.. مدرسة وطنية ودبلوماسية وخيرية

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة