كيف فقَدَ الزواج جاذبيته لدى الشباب الخليجي؟!

د. فاطمة حافظ

21 سبتمبر 2026

37

كيف فقَدَ الزواج جاذبيته لدى الشباب الخليجي؟!

تأخر سن الزواج ظاهرة اجتماعية ظهرت أولاً في مجتمعات الحداثة الغربية، وأخذت في التمدد والانتشار شرقاً وغرباً، حتى باتت ظاهرة لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات الإنسانية، كما تشير إلى ذلك الإحصاءات والتقارير الأممية.

ووفقاً لتقرير حالة الزواج في العالم العربي (2019م)، فإن تأخر سن الزواج -أو ما يسمى العزوبة أو العنوسة- هو التأجيل الطوعي للدخول في دائرة الحياة الزوجية إلى ما بعد نهاية العقد الثالث من العمر، وهناك من عرفه بأنه الإعراض المؤقت عن الزواج؛ ولذلك يعد من تجاوز الثلاثين من العمر متأخراً عن الزواج.

وقد تفشت هذه الظاهرة في البلدان العربية خلال العقدين الأخيرين، بغض النظر عن مستوى الدخل الفردي فيها؛ فهي حاضرة في الدول ذات الدخل المنخفض والمرتفع على حد سواء، كما تنتشر في المجتمعات التقليدية التي تفتقر لفرص التعارف، وفي المجتمعات الأكثر انفتاحاً التي تلاشت فيها القيود على الاختلاط.

وفي هذا السياق، تمثل الدول الخليجية نموذجاً يمكن التوقف أمامه لدراسة هذه الظاهرة وفهم كيف تؤثر الحداثة في اتجاهات الزواج في مجتمع قبلي تقليدي.

اتجاهات الزواج في دول الخليج

تُجمع التقارير والبيانات الإحصائية على أن دول الخليج تشهد تراجعاً ملموساً في معدلات الزواج؛ إذ يشير تقرير المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون (2025م) إلى أن إجمالي السكان الخليجيين في سن الزواج (15 عاماً فأكثر) بلغ 45 مليوناً؛ أي ما يعادل 78.2% من إجمالي السكان عام 2023م.

كما يوضح التقرير ارتفاع نسبة من لم يسبق لهم الزواج لتصل إلى 39.2% عام 2020م، وانخفاض عقود الزواج المسجلة عام 2022م بنسبة 11.7% مقارنة بعام 2014م، ومن جهة أخرى، تراجعت نسبة المواطنين المتزوجين من 55.6% عام 2010م إلى 53.6% وفقاً لتعداد عام 2020م.

وهذه النسب تتفاوت في البلدان الخليجية، ففي السعودية، على سبيل المثال، يؤكد تقرير إحصاءات الشباب السعودي لعام (2023م)، أن الشريحة الأكبر للشباب السعودي هم من فئة غير المتزوجين؛ إذ تبلغ نسبتهم 65.3%، بينما تبلغ نسبة المتزوجين منهم 32.3 بالمائة فقط، وأن متوسط سن الزواج ارتفع ليصبح في الشريحة من 25 إلى 29 عاماً، بعد أن كان في الشريحة 20 - 25 عاماً. 

أما في الكويت، فقد انخفضت عقود الزواج المسجلة في الفترة بين عامي 2021 و2022م بنسبة 16.7% عن السنوات السابقة، وبلغت نسبة الشباب الذين لم يسبق لهم الزواج 37.1%.

وتوضح الأرقام السابقة عمق التحولات الحاصلة في البنية الاجتماعية والديموغرافية في منطقة الخليج، حيث لم يعد الزواج أولوية للشباب -من الجنسين- بل أصبح خياراً قابلاً للتأجيل لمدد تطول أو تقصر وتقدمته خيارات أخرى، مثل: التعليم، والهجرة، والتفوق الوظيفي، وارتفعت معدلات سن الزواج ارتفاعاً ملحوظاً، وقد أفضت إلى ذلك جملة من العوامل والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية.

التعليم.. من تأجيل الزواج إلى إعادة تعريفه

تجمع الدراسات على أن التعليم أدى الدور الأكبر في رفع سن الزواج؛ ما أسهم في ظاهرة «العزوبة»؛ وذلك لأن انخراط الإناث في التعليم العالي (الجامعي وما بعد الجامعي) جعل خيار الزواج المبكر متعذراً، إذ تفضل معظمهن تأجيل الزواج حتى الانتهاء من التعليم أو قطع أشواط بعيدة فيه، ويبدو ذلك تعبيراً عن قناعتهن بأن الزواج قد يمثل عائقاً أمام إتمام تعليمهن.

ولا يقتصر دور التعليم عند حد التأجيل، بل يتعداه إلى ما يمكن تسميته «إعادة تعريف الزواج»؛ فالفتيات اللواتي حصلن على تعليم جيد صرن ينظرن إلى الزواج نظرة مغايرة لنظرة الجدات والأمهات؛ فلم يعد الزواج السبيل الأوحد لممارسة دورهن في الحياة أو اكتساب الاعتراف المجتمعي، بل صار سبيلاً ضمن سبل أخرى لتحقيق الذات كالتعليم والعمل والسفر وغيرها.

وقد انعكس ذلك على الزواج، إذ أصبحت هناك شروط موضوعية أو معايير تستبق الارتباط، ينبغي توافرها في الزوج المفترض، وعلى رأسها السماح للزوجة بالانخراط في سوق العمل بما يمكنها من استكمال عملية التحقق الذاتي، وهو ما جعل عملية البحث عن شريك تستغرق وقتاً أطول.

وسائل التواصل.. من الفرد الاجتماعي إلى الفرد الانعزالي

أفضت الطفرة النفطية إلى التحول عن نظام الاقتصاد الرعوي والاندماج في النظام الرأسمالي العالمي، وساعدت عوائد النفط الضخمة في اقتباس منتجات الحداثة (تلفزيونات، هواتف..)، وهي ليست منتجات أسهمت في زعزعة التصورات التقليدية المتوارثة حول الأسرة ودور الفرد الاجتماعي.

ولعل وسائل التواصل الحديثة أهم المنتجات الحداثية؛ إذ أدت الدور الأكبر في ذلك؛ حيث كرست من الدور الانعزالي للفرد الذي صار بمقدوره أن يحيا منعزلاً عن محيطه الاجتماعي مكتفياً بعالمه الافتراضي دون أن يشعر بالغربة أو الوحشة اللتين تدفعان إلى البحث عن زوج يؤنس المرء.

من جهة أخرى، أدى انتشار وسائل التواصل إلى خلق صور مثالية للحياة الزوجية رفعت سقف التوقعات لدى الشباب؛ ما جعل البعض يتردد في القبول بالزوج المقترح خشية عدم الوصول إلى تلك الصورة المثالية؛ ما أدى إلى تأخير الزواج بحثاً عن هذه النماذج الافتراضية التي لا تتحقق في الواقع.

وأخيراً، لا يمكن غض الطرف عن أن وسائل التواصل يسرت سبل الرذيلة، فانصرف بعض الشباب عن الزواج اكتفاء بما تحققه له هذه الوسائل من متعة، كما أدت إلى إخفاق بعض الزيجات مع اكتشاف الخيانة الإلكترونية من قبل أحد الزوجين.

وعلى هذا ينبغي وضع خارطة طريق أو إستراتيجية غايتها جعل الزواج أولوية لدى الشباب، وهذا يقتضي تيسير سبل الزواج المادية بالحد من المغالاة في المهور، وتأسيس الجمعيات التي تعين راغبي الزواج، وإطلاق حملات توعوية للشباب تبين سلبيات العزوبة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة