كيف نبني ملاجئ نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟
تجلس الأم ممسكة
بهاتفها، تتابع بذهول تسارع الأحداث الإقليمية، لا تدرك أن أنفاسها المتسارعة
وقبضة يدها المشدودة ترسل رسائل خوف غير مشفرة لطفلتها التي تراقبها بصمت من زاوية
الغرفة، نحن نظن أننا نحمي أطفالنا طالما أننا لم نتحدث معهم عن الحرب، لكن
الحقيقة أن أطفالنا يقرؤون أخبار العالم في ملامح وجوهنا قبل أن يقرؤوها في
العناوين العريضة.
في زمن أصبحت
فيه الشاشات نوافذ مفتوحة على أدق تفاصيل الصراعات والحروب، لم يعد الطفل بمنأى عن
شظايا القلق الناتج عن هذه التوترات الإقليمية والعالمية، وإن حماية الطفولة من
هذه الآثار يعد من أهم الواجبات التربوية والشرعية لبناء المرونة النفسية التي
تمكن أجيالنا من العيش بسواء، ومن هنا تبدأ مسؤولية الأسرة في بناء الحصانة
النفسية للطفل.
أولاً: الوالدان.. المرساة وسط العاصفة:
تبدأ الحماية
النفسية لأطفالنا من ذواتنا نحن كأولياء أمور؛ فالطفل يمتلك راداراً دقيقاً يلتقط
ذبذبات الخوف في صورة والديه وصوتيهما، والسكينة الأسرية الملاذ الأول والوسيلة
الأمثل؛ لأن الطفل يستقي أمانه من استقرار والديه لا من استقرار العالم الخارجي من
حوله.
ولقد وجهنا
الخالق سبحانه إلى ضرورة الصبر والثبات، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)،
وقال الشاعر العربي في الحث على الصبر والجلد:
وإِذا بليتَ
بنكبةٍ فاصبرْ لها صبرَ الكريمِ فإِنَّ ذلكَ أمثلُ
لا تشكونَّ إِلى
العبادِ فإِنما تشكو الرؤوفَ إِلى الذي لا يرحمُ
ثانياً: إستراتيجية الفلترة الذكية والصدق المطمئن:
هنا يجب التفريق
بين مراحل الطفولة؛ فالصغار دون العاشرة يحتاجون إلى حماية تامة من المشاهد
الصادمة التي تسبب مفاجأة كبيرة لوعيهم، وقد لا يستطيعون تجاوز آثارها مهما تقدم
بهم العمر، أما اليافعون فيحتاجون إلى نقاش واعٍ يصحح مفاهيمهم ويتفهم مشاعرهم،
وبيوتنا هي واحة الأمان للجميع، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ
لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإن لعينك عليك حقاً» (رواه البخاري).
فإذا سألك طفلك
عما يجري حوله؛ فأجب بصدق لا يخيف وبتبسيط لا يسطح الحقيقة، وعندما يطرح عليك
سؤالاً صعباً كقوله مثلاً: لماذا يموت الأطفال هناك؟ لا تتهرب، بل قل بصدق
واهتمام: هناك أناس يتألمون، لكننا نفعل ما بوسعنا لنساعدهم بالدعاء والعمل، ودورك
أنت أن تكبر لتكون قوياً وتنشر العدل والخير بين الناس.. حوّل المأساة إلى رسالة
وهدف وبث في روعه الأمل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب «الفأل الحسن»،
وتذكر قول الحكيم:
أعللُ النفسَ
بالآمالِ أرقبُها ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ
ثالثاً: قوة الروتين في بناء الأمان النفسي:
عندما يضطرب
العالم في الخارج، يجب أن يزداد الانضباط في الداخل، فالروتين اليومي هو اللغة
التي يقرأ من خلالها الطفل أن الحياة مستمرة، وأن الأمان موجود، حافظ على مواعيد
الوجبات ووقت اللعب وقصة ما قبل النوم، وتذكر أيها المربي مفهوم الأمان كما جاء
على لسان نبينا الكريم، نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ
مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ،
فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (رواه الترمذي).
ولطرد الشعور
بالعجز حوّل قلقهم لعمل إيجابي كالدعاء أو المساهمة في إغاثة بسيطة، وفق قاعدة
الإيمان العامة: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ.. مَثَلُ الْجَسَدِ
الواحد».
رابعاً: المراهقون.. إدارة الوعي الملتهب:
التعامل مع
المراهق مختلف؛ لأن له مصادره الخاصة وتفكيره الحر، هنا يبرز دور الحوار العقلاني
كوسيلة محببة وفريدة في توجيهه؛ لا تمنعه من المتابعة بل علمه معايير التربية
الإعلامية وكيف يميز بين الخبر الصادق والشائعة، وامنحه مساحة كافية للتعبير عن
غضبه، ووجّه هذه الطاقة الإنسانية نحو الوعي التاريخي العميق بدلاً من الانغماس في
«ترندات» الذعر الإعلامي التي تستنزف طاقته النفسية دون أن تمنحه فهماً حقيقياً
للأحداث.
خامساً: التفريغ باللعب والرسم:
الأطفال يعبرون
عادة بالرمز لا بالتصريح، فإذا رأيت طفلك يرسم نيراناً أو طائرات فلا تمنعه، بل
شاركه اللعب، وساعده على أن تنتهي القصة في خياله بنهاية آمنة أو بانتصار الخير،
هذا النوع من التفريغ النفسي يساعد الطفل على التعبير عن مخاوفه بدل كبتها وتحولها
لاحقاً إلى توتر أو أعراض جسدية.
سادساً: متى نقرع ناقوس الخطر؟
رغم كل الجهود
التربوية المبذولة من قبل الوالدين، قد تتجاوز الصدمة قدرة الطفل على الاحتمال،
فراقب العلامات التحذيرية التي تستوجب تدخلاً من مختص؛ كعودة سلوكيات قديمة مثل
التبول اللاإرادي، أو اضطرابات النوم الحادة، أو الانعزال الاجتماعي، أو الشكوى
المستمرة من آلام جسدية دون سبب عضوي، هنا تصبح استشارة اختصاصي نفسي تربوي ضرورة
قصوى.
إن حماية الطفل
من شظايا القلق لا تعني تعمية بصيرته، بل تعني تزويده بسترة نجاة نفسية، فالطفل
الذي ينشأ في بيتٍ يفيض بالسكينة، يتعلم أن العالم -رغم كل ما فيه من اضطرابات-
يمكن مواجهته بقلب ثابت وعقل واعٍ، وكما قال الشاعر:
وإنَّما أولادُنــــــــــــــــــــــــــــــــا
بيننـــــــا أكبادُنا تمشي على الأرضِ
لو هبَّتِ
الريحُ على بعضِهم لامتنعت عيني من الغمضِ
فلنكن نحن
السكينة التي تظلل هذه الأكباد، ولنجعل من بيوتنا واحات طمأنينة تخرج للعالم جيلاً
قوياً، قادراً على مواجهة تحديات أمته بقلب مطمئن وروح تأبى الانكسار.
اقرأ
أيضاً:
حماية أطفال
الحروب.. تحديات وحلول
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً