3 خطوات لاستعادة تركيزك من لصوص الانتباه..

كيف نجد وقتاً للقراءة في عصر الملهيات؟!

يسير إنسان اليوم حائرًا في متاهة الشاشات، لافتًا انتباهه بين الفينة والأخرى ما يظهر عليها من إشعارات، وهكذا تمر الدقائق والساعات، فإذا حصيلتها ندم على ما انقضى وفات، وإذا لم يكن للبعض شوق لسلوك مدارج السعادات، وقنعوا بالثرى دون الثريا، فهم وشأنهم!

القراءة المعلبة

قبل أن نشرع في الجواب على سؤالنا، رغبنا في الرد على اعتراض شاع كثيرًا بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا الاعتراض مفاده: نحن نقرأ بالفعل على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات مفيدة، فلماذا نخصص وقتًا للقراءة؟! وهذا الاعتراض قد يبدو وجيهًا، إلا أنه عند تفنيده تجده ليس بشيء.

أولًا: كم نسبة تلك المنشورات المفيدة إلى إجمالي المنشورات التي تمر عليك؟

وثانيًا: كم من الوقت تقضي إجمالًا ريثما تحصل على تلك الفائدة المظنونة مقابل إنفاقه في كتاب فائدته متيقنة؟



وأخيرًا، فإن تصميم مواقع التواصل الاجتماعي مبني على هذا النمط من المكافآت غير المتوقعة، التي تبقيك في حالة تقليب مستمر، إلى أن يأتي المنشور الذي يكافئك على هذا الوقت والمجهود، وليفرز جسمك حينها جرعة من الدوبامين تبقيك راغبًا في المزيد.

وقد شرحنا هذه الآليات بالتفصيل في مقال «أسرار التلاعب السيكولوجي في مواقع التواصل الاجتماعي».

إعادة برمجة

أصبحت وسائل التواصل بمثابة الوجبات السريعة للعقل؛ سهلة الاستهلاك، لكنها لا تسمن ولا تغني من جوع، وبالضبط كما لا ينتقل الإنسان من اعتياد الوجبات السريعة إلى نظام غذائي صحي بين ليلة وضحاها، فكذلك أدمغتنا، فلا يمكننا ببساطة أن ننقلها من حالة قصر الانتباه التي برمجناها عليها طيلة فترة استعمالنا لوسائل التواصل إلى حالة من التركيز دون تشتت لمدة تكفينا لننهي كتابًا قبل أن نجتمع بمؤلفه في الحياة البرزخية.

فالتحدي الذي نواجهه إذن ليس مجرد نقص في الوقت، بل إعادة برمجة أدمغتنا التي اعتادت التنقل السريع بين محتويات التطبيق الواحد والتطبيقات المختلفة، واعتادت التمرير اللانهائي ريثما تصطدم بمنشور يصيبها بحالة من «الإشباع الفوري».

فهذه العادات أعادت تشكيل قدرتنا على التركيز؛ ما جعل الجلوس مع كتاب لساعة متواصلة يبدو كمهمة شاقة، وستكون كذلك في البداية لا شك.

نظرة في المرآة

يقول الله تعالى: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (القيامة: 14)؛ ولا شك أنك أدرى بوقتك من غيرك، خصوصًا ما تقضيه منه على الشاشة، وما أكثر التطبيقات التي تقيسه! فالبدء بتقليص هذا الوقت تدريجيًا وإعادة تخصيصه للقراءة الخطوة الأولى وقد تكون الوحيدة حتى لإيجاد وقت للقراءة في زماننا هذا، وقد نعيب زماننا كما شئنا، بيد أن مشيئة الله تعالى كانت سابقة لتواجدنا فيه، فلا تشكٍّ سيجدي، ولا سخط سينفع.

وفي كل زمان كانت زمام المجد تنتظر من يمسكها بحزم، وصحيح أن هناك من ولدوا وهي بأيديهم، لكن ذلك لم يمنعهم أن يلقوها بعيدًا ليرتموا في حياة الخمول والدعة، وكما وُجد هؤلاء، وُجد كذلك من عضوا على ما أوتوا وإن قل بالنواجذ، فأي الفريقين تفضل أن تكون في صفه؟!

لن تسير وحدك أبدًا

إن أجمل ما في القراءة أنها تصحبك في رحلة داخل عقول الرجال، إذ ما كتبوا خلاصة فكرهم وأحيانًا خلاصة أعمارهم، فهي تجربة فريدة قلما أن تضاهيها أخرى.

وإليك بعض النصائح لاختيار كتابك الأول:

1- اقرأ ما تحب لا ما اشتهر: قد تكون الرواية الأكثر مبيعًا جذابة، ولكن هل هي حقًا ما تروم أن تغوص في ثنايا صفحاته؟! ربما تجذبك حادثة تاريخية معينة لطالما رغبت في معرفة المزيد عنها، أو ربما قرأت اقتباسات لمؤلف فأعجبك رصانة أسلوبه، من هنا فابدأ.

وإذا لم يخطر في بالك شيء، فالاتكاء على أساطين الأدب العربي كالرافعي، والمنفلوطي، والعقاد، وأرسلان قد لا يكون أسهل بداية، وبالتأكيد سيستغرق منك الانتقال من ضحالة لغة منشورات «فيسبوك» إلى عمق لغة هؤلاء وقتًا، لكنه وقت كان سينفق على أي حال، فلتنفقه على ما يستحق أن يبذل من أجله.

2- أخرج هاتفك من الغرفة: لا شك أن مصدر الإلهاء الرئيس لمعظمنا هو هاتفه، وقد وجدت عدة دراسات بحثية أجرتها مجلة جمعية أبحاث المستهلك وجامعة شيكاغو وغيرهما أن مجرد تواجده معك في الغرفة نفسها يخفض من قدرتك على التركيز، حيث إن جزءًا من دماغك منشغل بالتأهب لإشعار قادم، وقد تكون هذه نصيحة بديهية، وبداهتها قد تكون سببًا كافيًا للبعض لتجاهلها، وقد يكون البديهي هو الحل الأمثل.

3- لا تجعل لوسائل التواصل مدخلًا: قد يحب البعض فكرة «نوادي القراءة»، ويجد فيها نوعًا من التشجيع، لكن من لم يعتد القراءة، قد ينتهي به المطاف ناسيًا أنه أمسك الهاتف لأجل مراسلة زملائه في نادي القراءة، ثم لا يدري متى وكيف وصل لـ«إنستغرام»، قد يصبح الانضمام لأحد هذه النوادي فكرة جيدة مستقبلًا، حينما تصير القراءة عادة وجزءًا لا يتجزأ من يومك، وحينما تعرف ما تميل إليه نفسك من صنوف التآليف.

خصوصًا وأنك لن تسير وحدك أبدًا طالما أنك برفقة كتاب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة