كيف نحمي الصحة النفسية لأطفالنا في زمن الحرب؟
عندما تُذكر
الحروب، تتجه الأنظار عادة إلى أعداد الضحايا، وصور الدمار، والخسائر المادية التي
تخلّفها المعارك، لكنّ ثمة خسائر أخرى لا تظهر في نشرات الأخبار، ولا تُقاسُ
بالأرقام، بل تستقر بصمت في نفوس الأطفال، لترافق بعضهم لسنوات طويلة، حتى بعد أن
يتوقف صوت الرصاص، حيث تتشكل مشاعره وإحساسه بالأمان وثقته بالحياة، بينما يجد
نفسه محاطاً بأصوات الانفجارات، ومشاهد النزوح، واضطراب الوالدين، وانقطاع مظاهر
الحياة الطبيعية.
من هنا، لم تعد
حماية الأطفال في أوقات الحرب فقط توفير الغذاء والدواء والمأوى، على أهميتها، بل
تشمل أيضاً حماية صحتهم النفسية؛ لأنها تمثل الأساس الذي تُبنى عليه قدرتهم على
التعلّم، وتكوين العلاقات، والتعافي من التجارب القاسية، إن إدراك هذه الحقيقة الخطوة
الأولى للاستجابة لاحتياجات الطفل في زمن الحرب، استجابة لا تكتفي بإنقاذ حياتهم،
بل لحماية مستقبلهم، وإعادة إعمارهم وترميمهم كآدميين مكرَّمين قبل إعادة إعمار
البنية التحية.
الآثار النفسية للحرب على الأطفال
للحروب آثار
مدمرة على الأطفال، منها فقدان المأوى، والتعليم، والتعرّض للإصابات والأمراض وسوء
التغذية، وربما الانفصال عن الوالدين والتجنيد القسري.. إلخ، وتأتي الصدمات
النفسية في مقدمة هذه الأخطار، التي تهز شعور الطفل بالأمان، وتهدد عالمه الصغير، ومن
هذه الآثار:
1- اهتزاز
الإحساس بالأمان: إذ يشعر الطفل بأن البيت لم يعد مكاناً آمناً، ولا الشارع ولا
المدرسة، وأن الوالدين لا يستطيعان حمايته وهو يراهما خائفين فزعين، ويسمع أصوات
القصف، ويرى أشخاصاً مصابين ومباني مدمّرة، هذا يجعله في ترقب دائم، ينتظر حدوث
شيء سيئ في أي لحظة.
2- الخوف الدائم
من الفقد أو الانفصال: وهي من أكثر المخاوف شيوعاً لدى الأطفال في الحروب، فالطفل
يخاف من فقدان أحد الوالدين، أو أحد أفراد العائلة، ويُصابُ بالقلق عند ابتعاد
الأم أو الأب ولو لفترة قصيرة، ويخاف من ترك المنزل أو عدم العودة إليه، ربما لا
يفهم الطفل تفاصيل الحرب والصراعات، لكنه يلتقط التوتر من أصوات الكبار وتعبيرات
وجوههم.
3- اضطرابات في
المشاعر والسلوك: تتعدد طرق التعبير لدى الطفل عن شعوره الداخلي بعدم الأمان أثناء
الحرب؛ من البكاء المتكرر، وسرعة الغضب، واضطراب النوم، والتعلق الشديد بالوالدين،
أو الانسحاب والعزلة، والتبول اللاإرادي، وفقدان الشغف باللعب أو التعلّم، وفقدان
القدرة على التركيز.
دور الأسرة في تحصين الأطفال نفسياً وقت الحرب
إن ظهور الآثار
النفسية للحرب على الطفل لا يعني أنه فقَدَ قدرته على التعافي، فالبيئة الداعمة،
والعلاقة الوثيقة مع الأسرة، والمساندة المناسبة، كلها عوامل تساعد الأطفال على
استعادة توازنهم النفسي، لا تستطيع الأسرة أن تلغي الحرب، لكنها تستطيع أن تكون
مصدر حماية نفسية للطفل لتجاوز آثارها، وذلك من خلال:
1- حمايته من
آثار أخبار الحرب: ففي العصر الرقمي، لا يمكن إخفاء أخبار العالم عنه، ودور الأسرة
لا يكون بعزله عن مصادر الأخبار، بل بتنظيم التعرّض لها، وحمايته من المعلومات
التي لا تتناسب مع سِنّه، ومساعدته على فهمها بطريقة آمنة.
2- توفير الشعور
بالأمان: من خلال تعزيز الشعور بأن هناك من يحميه ويهتم به، وذلك بالقرب الجسدي
والعاطفي منه، ومحاورته بهدوء، وتجنّب إظهار الذعر أمامه، وطمأنته بأن الكبار
يبذلون ما يستطيعون لحمايته.
3- الاستماع إلى
مشاعره، واحترام مخاوفه: أي تُتاح له فرصة التعبير عن مخاوفه وأحزانه، دون التقليل
منها، فإن ذلك يساعد على تخفيف توتره.
4- الحفاظ على
الروتين اليومي قدر الإمكان: فإن ذلك يساعد على منح الطفل إحساساً بالاستقرار،
فوجود نظام يومي للنوم والطعام واللعب والتعلم يكون مصدراً مهماً للراحة النفسية.
5- تعزيز القدرة
على التكيف والصمود: بأن يتعلم الطفل مهارات مواجهة الضغوط، والتعبير عن مشاعره
بالرسم أو الكتابة، والتركيز على الأشياء الإيجابية من حوله.
6- دعم العلاقات
الأسرية والاجتماعية: فالتواصل مع الأقارب والأصدقاء، وتقديم الدعم المتبادل،
يساعد الطفل على تقليل الإحساس بالعزلة، حيث يشعر بأنه جزء من أسرة متماسكة.
دور المدرسة والمجتمع
يمثل دعم
الأطفال نفسياً في زمن الحرب مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، فكلُّ
جهدٍ يُبذل للرعاية وتوفير الأمان يسهم في حماية الطفل ومساعدته على تجاوز آثار
الحرب وبناء مستقبل أكثر استقراراً، وتساعد المدرسة على توفير بيئة آمنة تمنح
الأطفال شعوراً بالاحتواء، من خلال تنظيم اليوم الدراسي، ووضع روتين واضح، وإتاحة
الفرصة للتعبير عن أفكارهم ومخاوفهم، وتوفير أنشطة جماعية، واختصاصيين نفسيين،
وتنمية مهاراتهم في حل المشكلات، والمساعدة في استعادة ثقتهم بالمستقبل.
أما المجتمع،
فعليه عبء حماية الأطفال من العنف والاستغلال، وتوفير احتياجاتهم الأساسية، من
غذاء وتعليم ورعاية صحية، وعليه أيضاً دعم الأسرة ذاتها، ونشر ثقافة التكافل،
وتقديم الدعم العاطفي للأطفال، وإشراكهم في أنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية، بغرض
حماية حاضرهم، والحفاظ على قدرتهم على النهوض بعد زوال المحنة.
متى نطلب المساعدة من اختصاصي نفسي؟
يلجأ الوالدان
إلى اختصاصي نفسي لمتابعة أطفالهما في زمن الحرب عندما تظهر علامات تشير إلى أن
الطفل لم يعد قادراً على التكيف مع الخوف والضغوط، أو عندما تمنعه التجربة من
ممارسة حياته اليومية، ومن العلامات التي تستدعي طلب المساعدة:
1- اضطرابات
النوم: مثل الكوابيس المتكررة، والخوف من النوم، والاستيقاظ مفزوعاً.
2- تغيرات واضحة
في السلوك: مثل الانعزال، والعدوانية الزائدة، ونوبات الغضب المتكررة.
3- أعراض القلق
والخوف المستمر: مثل الخوف الشديد من الأصوات، والقصف، والقلق الدائم من حدوث
كارثة.
4- ظهور أعراض
جسدية دون سبب طبي واضح: مثل آلام البطن، والصداع، وفقدان الشهية، والتعب المستمر.
5- حالات أخرى
(ولو لم تظهر أعراض نفسية أو جسدية): في حال فَقَدَ الطفل شخصاً قريباً، أو تعرّض
لإصابة أو تهديد مباشر، نزح من منزله، عاش لفترة طويلة في أجواء الخوف وعدم
الاستقرار.
لا جدال أن
الحروب تترك ندوباً عميقة في نفوس الأطفال، وإنّ العلاقة الإنسانية بينهم وبين من
حولهم يمكن أن تكون عامل حماية قوياً للحيلولة دون حدوث هذه الندوب، وهي مهمة ليست
مؤقتة تنتهي بانتهاء المعارك، بل مسؤولية ممتدة تهدف إلى حماية أجيال كاملة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً