ربنا لا تزغ قلوبنا..
كيف نحمي قلوبنا من الانحراف؟
يخاف الراسخون
في العلم والمؤمنون في هذه الدنيا من الزيغ بعد الإيمان، والضلالة بعد الهدى،
فالدنيا مليئة بالشهوات والمغريات، والنفس تميل إلى الهوى، والشيطان يبذل جهوده في
إضلال المهتدين وإغواء المؤمنين، لذلك أرشد الله المؤمنين إلى الدعاء بقوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا
بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ) (آل عمران: 8)، وداوم النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء
بقوله: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».
وقال الطبري في معنى
قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا): يقول الراسخون في العلم والمؤمنون،
يا ربنا لا تجعلنا مثل هؤلاء الذين زاغت قلوبهم عن الحق فصدوا عن سبيلك، ولا تزغ
قلوبنا؛ أي لا تُمِلْها فتصرفها عن هُدَاك بعد إذ هديتنا له، فوفقتنا للإيمان
بمحكم كتابك ومتشابهه(1)، وقال ابن كثير: لا تملها عن الهدى بعد إذ
أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن
ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم(2).
هل الله هو الذي يزيغ القلوب؟
الناظر في آيات
القرآن الكريم يجد أن الله تعالى يبين للإنسان طريقي الخير والشر، ثم يختار
الإنسان طريقه، ويمده الله تعالى فيه بناء على اختياره، حيث قال تعالى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ
يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً {18} وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا
سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً {19} كُلاًّ
نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ
مَحْظُوراً) (الإسراء).
أما مسألة إزاغة
القلب، فالله عز وجل يزيغ قلب عبده إذا اختار العبد ذلك، حيث قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ
قُلُوبَهُمْ) (الصف: 5)، ولهذا يدعو المؤمن ربه بعد اختيار طريق الهداية أن
يثبته الله عليه، ولا يترك قلبه للهوى، حيث قال تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل
عمران: 8).
سبب اهتمام النبي بهذا الدعاء
في سنن أبي داود
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا
اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ،
اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ
زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي
مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».
وفي سنن الترمذي
بسند صححه الألباني عن شَهْر بْن حَوْشَبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ: يَا
أُمَّ المُؤْمِنِينَ، مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: «يَا
مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِأَكْثَرِ دُعَائِكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ
قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ
إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ
أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ».
لماذا نهتم بحماية القلب؟
القلب ملك
الأعضاء والجوارح، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده، ففي صحيح البخاري، ومسلم، عن النُّعْمَان
بْن بَشِيرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ
كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
كيف نحمي قلوبنا من الانحراف؟
1- التمسك بالوحي وتعظيمه:
المؤمن يوقن أن
الله أعلم به من نفسه، وأنه أنزل كتبه وأرسل رسله لهدايته، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي
هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9)، وقال عز وجل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25)، فإذا كان الله تعالى قد أرشد إلى التمسك بكتابه
لتحصيل الهداية، فإن الاستجابة له وتعظيمه هي الواقي الأول من الانحراف، قال
تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ
بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الزخرف: 43).
2- الدعاء بالهداية والثبات:
الله تعالى هو
الذي يملك الهداية والتثبيت عليها، قال عز وجل: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ) (البقرة: 213)، وقد أرشد القرآن الكريم إلى الدعاء بالهداية
والثبات في قوله تعالى: (رَبَّنَا
لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ
رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 8)، وكان من أكثر دعاء
النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى
دِينِكَ» (رواه الترمذي)، ففي الدعاء اعتراف بالعجز والحاجة، واستمداد لمعونة
الله، وحصن للقلب من الغرور والكبر.
3- تجديد النية:
قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) (البينة: 5)، وتجديد
النية يعني إخلاصها لله تعالى، فكلما أقدم العبد على عمل؛ استحضر إخلاصه وتجرده
لله عز وجل، فإذا أخلص لله؛ تقبل الله منه، وإذا تقبل منه؛ وفقه لغيره من الأعمال
الصالحة، وإذا وفق الله عبده لعمل الصالحات؛ فإنه يحميه من الفتن والمضلات.
4- الحذر من الشبهات والشهوات:
القلب يضعف أمام
الشبهات والشهوات؛ لذا دعا الإسلام إلى الحذر منهما، ووضع الحواجز الكبيرة بينه
وبينهما، ففي صحيح البخاري، ومسلم، عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْحَلَالُ
بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهَا
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى
يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى
اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا
صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ
كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
5- صحبة الصالحين:
قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا
تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ
أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28)، فالصحبة معينة على الصلاح والهداية، كما
تعين على الفساد والغواية، ففي صحيح البخاري، ومسلم، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ
الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ
فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ،
وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ
يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً».
6- كثرة ذكر الموت:
فالموت يخلع
القلب من الدنيا، ويضعف ارتباطه بها، إذ المؤمن يوقن أن الحياة الحقيقية والسعادة
الأبدية في الآخرة، وليست الدنيا إلا دار ابتلاء، لذا كان ذكر الموت معيناً على
التوبة والاستقامة ومواجهة الشهوات والأهواء.
اقرأ
أيضاً:
_________________
(1) تفسير
الطبري (6/ 212).
(2) تفسير ابن
كثير (2/ 13).
(3) تفسير القرطبي (4/ 20).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً