العناد الطبيعي عند الأبناء (9)

كيف نحوِّل عناد الأطفال إلى مهارة تفاوض؟

في قلب كل خلاف صغير بين الوالدين وأبنائهم يَكْمن درس مهمٌّ في فن الحياة؛ هو التفاوض، فحين يُصغي الطفل لكلماتك، وعندما تستمع إلى صوته؛ فأنت بذلك تفتح بوابة في نفسه للتعلم، ليست مجرد طاعة، بل مهارة تفاوض وحوار تظل معه مدى الحياة.

فالعناد الطبيعي الذي يبدو أحيانًا صِراعًا للسلطة هو في حقيقته مدرسة صغيرة يتعلم فيها الطفل بعض المهارات، مثل: كيف يُعبّر عن رأيه، وكيف يُصغي لوجهة نظر غيره، وكيف يَجد حَلًّا وسطًا بين ما يريد وما يُطلَب منه، فالتفاوض ليس فقط بحثًا عن نقطة مشتركة، بل هو فن التفاهم وإدارة الاختلاف، وهو مهارة حيوية يحتاجها طِيلة عمره.

التفاوض.. مهارة حيوية تنمو مع الطفل

منذ لحظات الاحتكاك الأولى بالعالم للطفل، تنمو مهارة التفاوض، فحين يختلف، ويُصِرّ، ويُجادل، لا يكون بصدد تحدّي السلطة بقدر ما يكون في طور تعلّم كيف يُعبّر عن حاجاته، وكيف يبحث عن حلّ، في هذه اللحظات تتشكّل لَبِنات مهارة التفاوض؛ الإصغاء؛ وعرض الرأي، وتقبّل الرفض، والبحث عن بدائل.

وحين يجد الطفل من يحاوره لا من يقمعه، يتعلّم أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن الوصول إلى اتفاق لا يتطلب كسر الإرادة، بل تهذيبها، هكذا ينمو التفاوض في داخله بوصفه أداة حياة، لا حِيلة جدل؛ مهارة تجعله لاحقًا أقدر على إدارة الخلاف، وأوعى بحقوقه وحدوده، وأكثر احترامًا لذاته وللآخرين.

فالعناد الطبيعي ليس رفضًا قاطعًا بلا معنى، بل أحيانًا هو علامة على رغبة الطفل في أن يُسمَع ويُفهم، ومن خلال هذه الاحتكاكات البسيطة، يبدأ الطفل في فهم جوهر التفاوض:

1- التفاوض يبدأ عندما يفهم الطفل أن له صوتًا:

التفاوض يبدأ حين يدرك الطفل أن لصوته وزنًا وقيمة، وأن رأيه لا يضيع في ضجيج الأوامر، فعندما يُسمَح له أن يقول: «لا» دون أن يُسحق، ودون أن يُسخَر منه، يتعلّم أول درس في فن التفاوض؛ أن التعبير حق، وأن الاختلاف لا يعني القطيعة، وفي هذه اللحظة يتحوّل العناد من قطع للحبل إلى محاولة تواصل، ومن مقاومة صامتة إلى لغة تبحث عن فهم.

إن الطفل الذي يشعر بأن صوته مسموع لا يحتاج إلى رفعه بالصراخ، بل يبدأ تلقائيًا في البحث عن كلمات، وعن حلول، وعن مساحات مشتركة، وهكذا تنمو مهارة التفاوض لا بالتلقين، بل بالتجربة الحيّة؛ حين يرى أن رأيه يُحترم، وأن الحوار طريقٌ آمن للوصول، لا ساحة صدام يجب النجاة منها.

2- التفاوض يتعلمه الطفل في المواقف اليومية:

لا يحدث التفاوض فقط في المواقف الكبرى، بل إنه يُتعلم في أبسط المواقف التي تتكرر في اليوم الواحد مرات:

  • في اختيار ألعابه التي سيلعب بها.
  • في تقسيم الوقت بين اللعب والواجبات المدرسية.
  • في تحديد كيفية ترتيب الأنشطة اليومية.
  • في إمساكه بالملعقة ليأكل بنفسه.
  • في اختياره لملابسه التي سيرتديها.

كل موقف صغير كهذا يُحفز الطفل على تجربة الحوار، والمحاولة، وإيجاد حل وسط، وهي خطوات أساسيّة في فن التفاوض.

كيف ينشأ التفاوض عمليًا من العناد الطبيعي؟

ينشأ التفاوض من العناد الطبيعي في اللحظة التي يكتشف فيها الطفل أن الرفض ليس نهاية الطريق، بل بداية حوار، فعندما يقول الطفل: «لا»، ثم يجد أمامه مُرَبِيًا لا يقمعه ولا ينسحب منه، بل يُصغِي إليه، ويشرح له، ويعرض له بدائل، يبدأ عقله في التحول من منطق الصدام إلى منطق المساومة الواعية.

فالعناد هنا يكون محاولة أولى لفرض الإرادة، لكن التوجيه الحكيم يُحوّله إلى تعلّم غير مباشر لفن التفاوض، ويتعلم الطفل أن رغباته تُسمَع ولكنها لا تُنفَّذ دائمًا، وأن الوصول لما يريد يمر عبر الكلام، والحوار، والاتفاق؛ لا عبر الإصرار الأعمى والصراخ والصدام، ومع تكرار هذه التجارب اليومية، يدرك أن التفاهم أقوى من العناد، وأن الحلول الوسطى لا تُنقص من قيمته، بل تثبتها.

العناد الطبيعي.. فرصة لتعلّم مهارات اجتماعية متقدمة

تشير الدراسات العلمية الحديثة إلى أن التفاوض في الطفولة يتعلق بعدد من القدرات الاجتماعية الأساسية؛ فهم مشاعر الآخرين، واستيعاب وجهات النظر المختلفة، وتقدير ما يحقق مصلحة الطرفين، وانطلاقًا من هذا السياق تبين أن:

أ- التفاوض يُنمّي مهارات الاستماع المتبادل: فعندما تستمع للطفل بهدوء وتردّ بتفهّم، فإنك تعلمه أن الحوار ليس حديثًا أُحاديًا، بل عملية تبادل احترام لأفكار متباينة.

ب- التفاوض يُرسّخ قيم الأخذ والعطاء: في مواقف العناد الطبيعي، يدرك الطفل أن بعض الرغبات يمكن تلبيتها، وبعضها يحتاج إلى ترتيب، هذا الفهم يَمنحُهُ قدرة على التنازل العقلاني حين يتطلب الموقف ذلك قيمة أساسية في التفاوض الحضاري والحياة الاجتماعية.

جـ- التفاوض يُعزّز احترام الذات لدى الطفل: عندما يرى الطفل أن رأيه يؤخذ بعين الاعتبار حتى لو لم ينفذ، تتعزز ثقته بنفسه، فهو لا يشعر بأنه خاسر، بل بأنه شريك محترم.

الاحتكاك اليومي.. مختبر التفاوض الصغير

الدراسات تربط بين التفاعل اليومي في الأسرة وتنمية مهارات التفاوض لدى الطفل، ففي تناول الوجبات أو تقسيم الأدوار، قد ينشأ خلافٌ صغير يتم تسويته عبر الحوار وليس بالقوة فحسب، هذا هو جوهر التفاوض؛ التفاهم ضمن اختلافات وآراء كاملة بين الطرفين.

فالاحتكاك اليومي مختبر التفاوض الصغير الذي يتدرّب فيه الطفل على مهارات الحياة دون أن نشعر، ففي تفاصيل اليوم العادية يخوض الطفل أولى تجاربه في عرض الرأي، والتمسك بالمطلب، ثم التراجع أو التعديل، وهنا يتحول العناد الطبيعي من شدٍّ للحبل إلى تمرين عملي على الأخذ والعطاء ينتج عنه تَعَلُّم مهارة حيوية يحتاجها طيلة عمره، ألا وهي التفاوض، وذلك إن أحسنا معه إدارة هذا الاحتكاك اليومي.

النظرة الإسلامية لتعليم الأبناء مهارة التفاوض

الإسلام لا يلغي صوت الطفل، ولا يُرَبّيه على الطاعة العمياء، بل يفتح له مساحة للحوار والتعلُّم داخل إطار الأدب والحدود.

وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج عمليًا حينما جاءه الشاب ليستأذنه ويفاوضه على القيام بشيء مُحرم شرعاً، ومرفوض عُرفاً وعقلاً، وغير مقبول اجتماعياً في المجتمع المسلم، ألا وهو الزنى، وقد قابله النبي صلى الله عليه وسلم بأبلغ معاني السُّمُو والمعرفة النفسية، فالحوار كان البداية، والحكمة كانت صلب اللقاء، والاتزان الانفعالي كان رفيع المستوى، واللمسة الحانية كانت الشعاع النفسي الذي يضيء النور في قلبه، والدعاء كان البداية في الهداية.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُقابل الشاب بالقمع، بل فتح معه مساحة حوار هادئ؛ وسأله، وسمعه، ثم فاوضه بالعقل والقلب معًا: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟»، فقاد الشاب للحكم بنفسه؛ وهكذا غرس النبي صلى الله عليه وسلم مهارة التفاوض عند الشاب؛ إقناع بلا إكراه، وحوار يحفظ الكرامة، ويحوّل الرغبة الجامحة إلى قناعة واعية.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة