كيف نستعيد زمام النفس في زمن الفراغ والإنترنت؟
لم يعد الفراغ
في عصرنا مجرد وقت خالٍ من العمل، بل تحوّل إلى ظاهرة نفسية معقّدة تُلقي بظلالها
على معنى الحياة وجودتها، ففي عالم تغمره الشاشات، وتفيض فيه المعلومات ووسائل
الترفيه، يبدو الإنسان أكثر انشغالًا من أي وقت مضى، ومع ذلك يشعر كثيرون بفراغ
داخلي عميق لا تملؤه كثرة الأنشطة ولا وفرة المحتوى.
متلازمة الفراغ والخواء
يقضي كثير من
الناس أيامهم في دوّامة من الالتزامات الروتينية، ويشتكون في الوقت ذاته من ضيق
الوقت، غير أن المفارقة تظهر بوضوح عند حلول لحظات الفراغ -كإجازة طويلة مثلًا- إذ
يشعرون بثقل مفاجئ، وملل خانق، وربما قلق غير مبرر، تُعرف هذه الحالة في الأدبيات
النفسية بـ«عُصاب يوم الأحد» أو «أزمة العطلة»(1)، حيث يواجه الإنسان
فجأة حقيقة خواء حياته حين تتوقف القوالب الجاهزة التي كانت تنظّم يومه.
والسبب الجوهري
هنا ليس الفراغ الزمني، بل الفراغ المعنوي، فحين يفتقر الإنسان إلى رؤية واضحة لما
يريد أن يفعله بحياته، وإلى اهتمامات نابعة من ذاته، يصبح الفراغ مرآة تكشف له هذا
الخواء، عندها يلجأ إلى التسلية المفرطة -كالتصفح اللانهائي أو استهلاك المحتوى- لا
بوصفها ترفيهًا، بل كوسيلة للهروب من مواجهة الذات.
الحرية تعني تحمّل المسؤولية عن الذات
الفراغ في جوهره
مساحة حرية، لكنه في الوقت نفسه اختبار للمسؤولية، فمع غياب الأطر الخارجية
(الدراسة، العمل، الالتزامات)، يبرز سؤال صعب: ماذا أفعل بنفسي؟ هنا تتجلى الأزمة
الحقيقية التي تجعل من الفراغ أزمة في تقدير صاحبها؛ ضعف القدرة على إدارة الذات، إذ
لم يتعلم كثيرون كيف يوجّهون أنفسهم بأنفسهم، أو كيف يصوغون أهدافًا ذاتية ذات
معنى، فيتحولون إلى مستهلكين للوقت بدل أن يكونوا صانعين له.
والحقيقة التي
لا مهرب منها أن نفسك مسؤوليتك أنت، وأفكارك، وعاداتك، وقراراتك، وحتى طريقة قضائك
لوقتك؛ كلها تقع ضمن نطاق اختيارك، مهما أوحت الظروف بغير ذلك.
ومن ثم لا يفيد
تعليق إصلاح الذات على عوامل خارجية؛ صديق ملهم، أو بيئة مثالية، أو ظرف أفضل، فإذا
غابت هذه العوامل عاد الإنسان إلى نقطة الصفر، وكذلك لا يفيد الإغراق في دراما جلد
الذات المستمر على الشعور بالتقصير، دون بذل أي جهد فعلي في دفع التقصير نفسه!
فيتحول النقد الداخلي إلى حرب تستنزف طاقته بدل أن تصلحه، هذا الأسلوب لا يبني
عادة ولا يغيّر سلوكًا، بل يزيد النفور الداخلي ويعمّق الشعور بالعجز.
الإصلاح الحقيقي
يبدأ بالوعي، ثم بالفعل التدريجي، لا بالتوبيخ المستمر.
الجدّية في بناء علاقة طيبة مع الذات
تخيّل أنك جمعت
جميع مكونات كعكة، ثم ألقيتها دفعة واحدة في وعاء دون ترتيب أو منهج، وخلطتها
عشوائيًا، ثم قدّمت الناتج على أنه كعكة! هل يُتوقع أن يخرج شيء يشبه الكعك؟
بالتأكيد لا، لأن إعداد الكعك يتطلب ترتيبًا وخطوات محددة، وتعاملًا دقيقًا مع كل
مكوّن.
وكذلك حال
التعامل مع النفس، فهناك فرق بين السباحة العشوائية داخل الرأس والتنقل بين
الخواطر بلا هدف ولا ترتيب، والتفكر الجاد والحوار البنّاء مع الذات.
النوع الأول هو
الغالب، رغم أنه لا يعدو كونه التفافًا على مواجهة النفس مواجهة حقيقية، أما
التفاعل الجاد مع الذات، فيعني فهمًا واعيًا لطبائعك، ودوافعك، ومشاعرك، ومخاوفك،
عبر محاورتها بصدق، والسعي إلى البناء أو الإصلاح بناءً على ذلك، وبناء علاقة صحبة
مع الذات ليس مهمة تُنجز مرة واحدة، بل رحلة ممتدة تتطلب التعلم والتجربة والصبر،
حتى يصل الإنسان إلى طريقته الخاصة في فهم نفسه والتعامل معها.
وأولى خطوات
إصلاح العلاقة مع النفس يكون بالتصالح معها، أي بتقبّلها بوصفها نفسًا بشرية تخطئ
وتصيب، ولا يعني هذا التبرير للأخطاء، بل تسميتها بأسمائها، مع الإقرار بالمسؤولية
والسعي للإصلاح، تقبّل أنك تخطئ كما يخطئ البشر، وأن الطريق هو الاعتذار والتوبة
والاجتهاد في عدم التكرار، لا تحوّل الخطأ إلى صواب، ولا تعتبر نفسك قالبًا يجب أن
يُقبل بكل عيوبه، بل اعترف بالعلل واسْعَ لعلاجها، وتقبّل أن الآخرين كذلك.
كذلك يعني
التصالح مع النفس التوقف عن العيش بعقلية الصراع الدائم؛ داخليًا وخارجيًا، فالنفس
المستنفرة التي تبحث عن متهم في كل موقف لا تصلح أرضية للاستقرار أو البناء، وكثير
مما نعدّه مشكلات ليس كذلك في الحقيقة، لو نظرنا إليه بهدوء، وكثير من التهم التي
ندافع عنها أو نلصقها بغيرنا لا أصل لها، لو تريثنا قليلًا.
أفكار سريعة للتطبيق الفوري
1- إعادة تعريف الفراغ:
الفراغ لا يعني
الوصول لنقطة نهاية الحياة، بل هي ببساطة تعني فرصة أو فسحة أتيحت أمامك، وهذا أمر
في صالحك وليس عبئًا عليك، وما أصدق مقولة مصطفى صادق الرافعي في «وحي القلم»: «إن
يوماً باقياً من العمر هو للمؤمن عُمرٌ ما ينبغي أن يُستهانَ به».
2- بناء اهتمامات حقيقية:
جرّب كل ما يتاح
أمامك من فرص ومهارات، حتى تجد ما يشدك فعلًا؛ فالاهتمام يُكتشف بالسعي والطلب ولا
يهبط عفوًا.
3- أهداف صغيرة قابلة للتنفيذ:
الاستمرارية أهم
من المثالية؛ صفحتان يوميًّا من القرآن الكريم خير من تعيين جزء ثم التهرّب من
أدائه حتى ينقضي اليوم فتؤجله إلى الغد، وهكذا تمضي الأيام فالأسابيع فالشهور
فالسُّنون!
4- إدارة الاستهلاك الرقمي:
حدّد استخدامك،
واستبدل بالاستهلاك الوقتي للمقاطع السريعة، المواد الأثقل مادة والأبقى أثرًا،
كالمواد الوثائقية والسلاسل المرئية التي تتناول موضوعًا متكاملًا.
5- تنمية الانضباط الذاتي:
افعل ما تعلم
أنه ينبغي، لا فقط ما ترغب؛ واعلم أن المسؤولية ليست بطعم الفراولة لكن عواقبها
أحلى من العسل! ومن أنجع الوسائل لذلك الإكثار من ذكر الله تعالى، خاصة الحوقلة «لا
حول ولا قوة إلا بالله».
6- التوازن بين الترفيه والعمل:
الترفيه ليس إلا
استراحة مؤقتة؛ لا تتخذه أسلوب حياة.
7- صحبة واعية دون اعتماد كامل:
استفد من
الآخرين، لكن لا تجعل تواجدهم لك شرطًا لتقدمك.
ليس الفراغ هو العدو، بل طريقة التعامل معه، التي تنبع من طريقة تعاملك مع ذاتك ومع شعورك بقيمة حياتك، وفي زمن تتزاحم فيه الملهيات، إذا لم تبذل من نفسك بجدّية لصياغة حياة ترتضيها لنفسك؛ ستُصاغ لك حياة تنقاد فيها انقياد النائم ولا تفيق حتى يكون الأوان قد فات، مصداق ما جاء في الأثر: «الناس نيام؛ فإذا ماتوا انتبهوا، وإذا ماتوا ندموا، وإذا ندموا لم تنفعهم ندامتهم»(2).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً