من الاستهلاك إلى الابتكار..‏

كيف نشكل عقلية المسلم لبناء مجتمع تكنولوجي؟

لا شك أن الكون من حولنا يبعث على التأمل والتفكير، ‏يكفي أن ننظر إلى السماء الصافية في ليلة صيفية، فنرى ‏نجوماً لا تحصى، ونشعر أننا أمام كتاب مفتوح من آيات الله ‏في هذا الوجود الواسع.‏

ومن خلال هذه النظرة البسيطة، يمكن أن نتأمل مجرتنا التي ‏تعرف باسم «درب التبانة» (‏Milky Way)، وهي مجرة هائلة ‏تضم قرابة 100 مليار نجم، وتمتد لآلاف السنين ‏الضوئية من طرف إلى طرف.‏

ومع تقدم العلم الحديث واستعمال المراصد الفلكية، بدأ ‏الإنسان يكتشف مزيداً من أسرار هذا الكون، ففي عام ‏‏1924م تمكن عالم فلك أمريكي إدوين هابل ‏من إثبات وجود مجرات أخرى غير مجرتنا، ‏ففُتحت آفاقٌ جديدة لفهم هذا الفضاء الفسيح، وقدر العلماء ‏أن في الكون ملايين المجرات.‏

والقرآن الكريم يربط بين الإيمان والنظر في الكون، ويدعونا ‏إلى التفكر فيما حولنا، كما قال تعالى:‏ (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13).‏

ومهما بدا الكون واسعاً بلا حدود، فإن الأرض التي نعيش ‏عليها ليست إلا نقطة صغيرة في هذا الفضاء الهائل، ومع ‏ذلك فإن الإنسان، على صغره، منح عقلاً وقدرة على التفكير ‏والتعلم، ومن هنا يسأل نفسه سؤالين مهمين: هل يستطيع ‏هذا المخلوق الصغير أن يستفيد من القوى الكونية الهائلة؟ ‏وهل يستطيع أن يوظفها في خدمة حياته وبناء حضارته؟

ولكي يقترب الجواب، يكفينا أن نتذكر أن الله سخر بعض ‏مظاهر القوى الطبيعية لأنبيائه، ومن ذلك ما ورد عن داود ‏وسليمان عليهما السلام: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ: 10)، وقوله ‏تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) (سبأ: 12)، ‏وفي هذا إشارة واضحة إلى أن التسخير سُنة من سنن الله، ‏وأن الإنسان مأمور بأن يتعلم ويحسن استخدام ما سخر له.‏

ويؤكد بعض الكتَّاب في هذا الباب أن الإنسان حين يفهم ‏قوانين الطبيعة ويتعامل معها بوعي وتجربة وعلم، يستطيع ‏أن يكتشف كثيراً من أسرارها، ويوجهها نحو الخير والبناء، ‏ولهذا فالإسلام لا ينظر إلى قوى الطبيعة نظرة خيالية أو ‏سلبية، بل يدعو إلى التفكر في الكون واكتشاف قوانينه ‏وتسخيرها لخدمة الإنسان.‏

أولاً: لماذا التفكير في إنشاء مجتمع تكنولوجي:

إذا كان الإسلام رسالة عالمية، فإن تبليغها للناس يحتاج إلى ‏وسائل قوية، وإلى أمة تمتلك القدرة على التأثير في العالم ‏بلغته وأدواته، وقد دلت النصوص على عالمية الإسلام، ومن ‏ذلك قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) (الأعراف: 158).‏

كما أن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن موجهة ‏لفئة محدودة، بل خوطب بها البشر كلهم، وقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم ‏قادة عصره وأرسل إليهم الرسائل، وهذا يدل على أن الإسلام ‏يريد للمسلم أن يكون حاضراً في الساحة العالمية، لا منزوياً ‏على هامش التاريخ.‏

ومن هنا يصبح التفكير في بناء قوة المسلمين ضرورة، والقوة ‏لا تعني السلاح فقط، بل تشمل العلم والاقتصاد والإدارة ‏والإعلام والتقنية، وأحد أهم أهداف هذه القوة بناء مجتمع ‏تكنولوجي يحمل صفة واضحة، وهي خدمة الإسلام ‏والمسلمين والإنسانية بالحق والعدل.‏

وليس هذا المسار جديداً على المسلمين، فحين كانت الأمة ‏في صعودها الحضاري جمعت بين الإيمان والعلم، وبين ‏العبادة والعمران، وحين انتشر الإسلام في البلدان، لم يقتصر ‏المسلمون على الدعوة، بل أسهموا في الصناعة والبناء ونقل ‏المعرفة وتنظيم المدن، ومن الشواهد ما وقع في مصر حين ‏أنشئت مدينة الفسطاط، فصارت مركزاً علمياً وعمرانياً مهماً.‏

ثانياً: قدرة المسلم على الابتكار والتصنيع:

التاريخ يشهد أن المسلمين أبدعوا في عصورهم الزاهية إبداعاً ‏واضحاً في العلوم والصناعات، حتى أصبحت منجزاتهم ‏أساساً لكثير من الحضارات اللاحقة في العالم، وقد ابتكروا ‏آلات وأدوات، وكتبوا مؤلفات في مجالات متنوعة، ووضعوا ‏قواعد للبحث العلمي تقوم على الملاحظة والتجربة.‏

ولم يكن أثر المسلمين في العلم نظرياً فحسب، بل امتد إلى ‏الزراعة والصناعة والتجارة، فطوروا أساليب الري والتسميد، ‏واهتموا بتربية الحيوانات، وتوسعت لديهم زراعة محاصيل ‏كثيرة، وانتشرت المصانع والمعامل للمنسوجات والصباغة ‏والحرير والقطن، وكان لهم دور في صناعة الورق وانتشاره.‏

وفي الرياضيات مثلاً، يبرز اسم محمد بن موسى الخوارزمي ‏‏(ت 850م)، الذي أسس علم الجبر وأسهم في تطويره، ‏وكانت كتبه جسراً عبرت عليه المعارف إلى أجيال لاحقة، ‏كما تطور علم المثلثات والحساب، وانتشرت الرموز والأرقام ‏التي أسهمت في تنظيم المعرفة وتيسيرها.‏

والخلاصة هنا، أن العقل المسلم قادر على الابتكار حين ‏تتوفر له بيئة التعليم والبحث، وحين يدار العلم إدارة ‏صحيحة، وحين تتقدم الأمة برؤية واضحة تتبنى التخصص ‏وتستثمره.‏

ثالثاً: دعوة الإسلام لنبذ الجمود العقلي:

من أكبر آفات الأمم أن تتجمد في أساليبها، وتكتفي بتكرار ‏الماضي دون أن تحسن قراءة الحاضر، والإسلام في جوهره ‏يدعو إلى اليقظة العقلية، وإلى النظر في سنن الله، وإلى ‏العمل وفق الأسباب.‏

وقد مرت الأمة الإسلامية بمراحل قوة وضعف، وكان من ‏أسباب الضعف في بعض العصور الاعتماد على أساليب ‏تقليدية لا تواكب تغير الزمن، بينما كانت أمم أخرى تتقدم ‏بالعلم والتنظيم والصناعة، ومع ذلك يبقى باب النهوض ‏مفتوحاً دائماً إذا عادت الأمة إلى العلم والعمل، وإذا فهمت ‏أن القوة اليوم تبنى بالتعليم والبحث والتخطيط، لا بالأماني ‏وحدها.‏

إن نبذ الجمود لا يعني الانفلات من القيم، بل يعني الحركة ‏داخل القيم، والتجديد في الوسائل، وتطوير أدوات العمل، ‏وترقية العقل ليكون قادراً على مواجهة تحديات العصر.‏

رابعاً: نظرة المسلم للحضارات الأخرى:

الحضارات الإنسانية؛ شرقية كانت أم غربية، تركت آثاراً ‏وإنجازات في الفكر والصناعة والعمران، والعقل المسلم في ‏أفضل حالاته كان عقل تفاعل وانتقاء، يأخذ النافع ويترك ‏الضار، لم يكن المسلم أسيراً لما عند غيره، ولا منغلقاً يرفض ‏كل جديد، بل كان يزن الأمور بميزان العقيدة والأخلاق ‏والمصلحة.‏

واليوم أمام المسلم ركام كبير من التقنية الحديثة، وليس ‏المطلوب رفضه كله أو قبوله كله، بل التعامل معه بوعي؛ ‏نأخذ ما ينفع، ونطوع ما يمكن تطويعه، ونحذر مما يهدم ‏القيم أو يفسد الإنسان، فالتكنولوجيا ليست بريئة دائماً، وقد ‏تستخدم للخير أو للشر، والواجب هو حسن التوجيه.‏

خامساً: مجالات الاستفادة من حضارات الغرب والشرق:

بلغت دول كثيرة في عصرنا مستوى عالياً من التقدم ‏التكنولوجي، والسؤال العملي الذي ينبغي أن نطرحه هو ‏كيف نستفيد من هذا التقدم لبناء نهضتنا، لا لمجرد ‏الاستهلاك والإعجاب.‏

يمكن تقسيم المجالات التي تحتاج إلى تركيز واضح إلى ‏عدة ميادين رئيسة:‏

‏1- مجال الاتصالات والإعلام والمواصلات:

هذا المجال أصبح عصب الحياة الحديثة، فوسائل الاتصال ‏السريعة، من شبكات إعلامية وأقمار صناعية وتقنيات بث ‏ونقل معلومات، جعلت العالم متصلاً على مدار الساعة، ‏وهذا يفرض على المسلمين أن يمتلكوا أدواتهم الإعلامية ‏والتقنية، وأن يحسنوا استخدامها لنشر المعرفة والوعي ‏والقيم، وألا يتركوا تشكيل الرأي العام لغيرهم.‏

‏2- مجال العمران وإدارة المدن:

العمران اليوم ليس مباني فقط، وإنما تخطيط ذكي، وإدارة ‏خدمات، ونظم نقل، وبيئة مستدامة، وأمن مجتمعي، ‏وتطبيقات تقنية تسهل حياة الناس، وهذه ميادين تحتاج إلى ‏تخصصات هندسية وإدارية وتقنية.‏

‏3- مجال الزراعة والأمن الغذائي:

التقنية الحديثة في الزراعة رفعت الإنتاج، وحسنت إدارة ‏المياه، وطورت أساليب الري، وفتحت مجالات جديدة في ‏حماية الغذاء، والاستفادة من ذلك ليست خياراً، بل ضرورة ‏لأمن المجتمعات واستقرارها.‏

‏4- مجال الطب والصحة:

التقدم الطبي قائم على البحث العلمي والأجهزة والتقنيات ‏الحيوية ونظم البيانات، والنهضة الصحية لا تكون إلا بتعليم ‏متين واستثمار في المستشفيات والبحوث والوقاية.‏

‏5- مجال الحاسوب والبرمجيات:

الحاسوب لم يعد أداة مساعدة فقط، بل صار لغة العصر، ‏تدخل في التعليم والإدارة والاقتصاد والتجارة والصناعة، ‏ويمكن تسخيره في خدمة اللغة العربية والعلوم الشرعية ‏وتيسير التعليم، كما يمكن أن يكون رافعة اقتصادية إذا ‏وجدت صناعة برمجيات محلية قوية، ولا سيما في ظل ‏تطوير تقنية الذكاء الاصطناعي.‏

سادساً: دعوة للاستفادة من التخصص:

إن بناء مجتمع تكنولوجي لا يتحقق بالشعارات، بل بخطوات ‏عملية، وأول هذه الخطوات احترام التخصص، وإعداد كوادر ‏علمية في مجالات الهندسة والطب والعلوم والتقنية والإدارة ‏والإعلام.‏

نحتاج إلى تعليم قوي يبدأ من المدرسة، ثم جامعات تركز ‏على البحث والتطبيق، ثم مراكز متخصصة تتعاون مع ‏القطاعين العام والخاص، ثم بيئة عمل تشجع الابتكار ‏وتحمي الأفكار وتحولها إلى منتجات وخدمات.‏

كما نحتاج إلى ثقافة عامة تحترم العلم، وتقدر الباحث ‏والمخترع، وتربط الشباب بهدف واضح؛ أن يكون التقدم ‏العلمي طريقاً لعمارة الأرض وخدمة الإنسان، لا طريقاً ‏للعبث أو الاستعلاء.‏

إن الدعوة إلى إنشاء مجتمع تكنولوجي إسلامي لا تعني ‏إهمال القيم الإسلامية أو إضعاف الهوية، بل تعني توظيف ‏العلم لخدمة الحق والعدل والإنسان، فالتكنولوجيا أداة، وأثرها ‏يتحدد بحسب من يملكها وكيف يستخدمها.‏

ومن الواجب علينا أن نسعى إلى مجتمع قوي يقوم على ‏العلم والعمل، ويجعل التخصص قيمة علياً، ويحول المعرفة ‏إلى إنجاز، فإذا أحسنا الفهم والتخطيط، وأخذنا بالأسباب، ‏وفتحنا مجالات جديدة للعلم، أمكن للأمة أن تستعيد دورها، ‏وأن تسهم في الحضارة الإنسانية بوجه يليق برسالتها.‏

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة