كيف نفهم حديث «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم»؟

كيف نفهم حديث «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم»؟

روى البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ».

قال الشيخ ابن عثيمين: قوله: «خير الناس» دليل على أن قرنه خير الناس، فصحابته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من الحواريين الذين هم أنصار عيسى، وأفضل من النقباء السبعين الذين اختارهم موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وهذه الأفضلية أفضلية من حيث العموم والجنس، لا من حيث الأفراد، فلا يعني أنه لا يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل من التابعين، أو لا يوجد في التابعين من هو أعلم من بعض الصحابة، أما فضل الصحبة، فلا يناله أحد غير الصحابة ولا أحد يسبقهم فيه، وأما العلم والعبادة، فقد يكون فيمن بعد الصحابة من هو أكثر من بعضهم علماً وعبادة(1).

قوله: «ثم يجيء قوم»؛ أي: بعد القرون الثلاثة.

وقوله: «تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»، قال القاري: قِيلَ: ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ شَهَادَةِ الزُّورِ وَالْيَمِينِ، فَتَارَةً يَحْلِفُونَ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ، وَتَارَةً يَعْكِسُونَ.

وَقَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَثَلًا فِي سُرْعَةِ الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ، وَحِرْصِ الرَّجُلِ عَلَيْهِمَا، وَالْإِسْرَاعِ فِيهِمَا، حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَنَّهُ بِأَيِّهِمَا يَبْتَدِئُ، وَكَأَنَّهُ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ مِنْ قِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ(2).

وقال ابن الجوزي: يعني أنهم لا يتورعون في أقوالهم، ويستهينون بالشهادة واليمين(3).

وقال المناوي: قال البيضاوي: هم قوم حراص على الشهادة مشغوفون بترويجها، يحلفون على ما يشهدون به، تارة يحلفون قبل أن يشهدوا، وتارة يعكسون(4).

بعد هذا الشرح الموجز لهذا الحديث أقول معلقاً: إن هذا الحديث الصحيح دائماً ما يستوقفني في طريقة الاستشهاد به من بعض الدعاة إلى الله، حتى إن بعضهم قد يستدل به لتبرير ضعف النشاط والعمل الدعوي، وإن هذا الضعف واقع لا محالة، وإن على الدعاة أن يتكيفوا مع ضعف المجتمع من حولهم؛ فلا يتطلعوا إلى واقع أفضل مما نحن فيه حيث إننا نتقدم نحو الأسوأ.

حقيقة، إن فهم الحديث بهذا المنظور ضار للأمة والدعاة إلى الله، فهو يكرس السلبية والانسحاب من أن يكون الدعاة فاعلين في المجتمعات التي يعيشون فيها.

إن علينا أن نفهم هذا الحديث من ضمن مجموعة أحاديث أخرى مثل الأحاديث التي تبين فضل الأجيال اللاحقة، وتنوِّه بصبرها وثباتها في عصور الفتن والأزمات التي يمتحن فيها أهل الإيمان، وحملة رسالة الإسلام، ويغدو القابض على دينه فيها كالقابض على الجمر، حتى ذكر الحديث أن للعامل فيها أجر خمسين! قيل: منَّا أو منهم يا رسول الله؟ قال: «بل منكم»، وكذلك الأحاديث الصحيحة التي تبشِّر بغدٍ مشرق، ومستقبل زاهر لدعوة الإسلام.

ومن الأحاديث التي يجب فهمها من ضمن حديث «خير الناس قرني» حديث: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

وفي هذا الحديث إشارة كافية على استمرار الخير في سائر أجيال الأمة المحمدية.

قال الحافظ ابن حجر: لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة (يعني قد تكون جماعة) وهو متجه، فإنَّ اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعى ذلك في عمر بن عبدالعزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها، ومن ثم أَطلَقَ أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي -وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة- فإنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفاً بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا(5).

إن إيماننا بفضل القرون الأولى لا يعني أن باب الله قد أغلق أمام سائر القرون إلى يوم القيامة، وأن الأجيال القادمة محرومة من استباق الخيرات، فقد حازتها تلك القرون، ولم يعد أمامها إلا الفتات إن بقي الفتات، بل الحق الذي لا ريب فيه أن باب الله تعالى مفتوح للجميع إلى أن تقوم الساعة، واستباق الخيرات مأمور به لجميع الأمة في كل العصور: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) (المائدة: 48).

وفي الحديث الشريف: «مثل أمتي كالمطر، لا يدري أوله خير أم آخره» (رواه الترمذي).

فدل هذا الحديث في العموم على دوام خير هذه الأمة إلى قيام الساعة، وفيه شبه النبي صلى الله عليه وسلم نفعهم في الدين بنفع المطر في الزرع، وفي هذا الحديث إشارة لأولى الألباب بأن باب الله مفتوح، وفيوضاته متسعة وممدودة، فكل طبقة من طبقات الأمة لها خاصية وفضيلة، توجب خيريتها، كما أن كل نوبة من نوبات المطر لها فائدتها في النشوء والنماء لا يمكن إنكارها، فإن الأولين آمنوا بما شاهدوا من المعجزات، وتلقوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإجابة والإيمان، والآخرين آمنوا بالغيب، لما تواتر عندهم من الآيات، واتبعوا من قبلهم بالإحسان، وكما أن المتقدمين اجتهدوا في التأسيس والتمهيد، فالمتأخرون بذلوا وسعهم في التقرير والتأكيد، فكل ذنبهم مغفور، وسعيهم مشكور، وأجرهم موفور.

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه يكون في آخر الأمة من يقارب أولها حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير، كما يشتبه على بعض الناس طرفا الثوب مع القطع بأن الأول خير من الآخر، ولهذا قال: لا يدري.

إن أمة الإسلام قاطبة سابقها ولاحقها، أولها وآخرها؛ موصوفة بالخير، وأنها ملتحمة بعضها بعضاً، مرصوصة كالبنيان، فلنجتهد جميعاً بالدعوة إلى الله ونسارع ونبادر بالإصلاح ولنبتعد عن عما يطفئ جذوة همتنا وحماسنا.

الهوامش
  • 1 مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (10 - 1057 - 1058).
  • 2 من مرقاة المفاتيح (6/ 2444).
  • 3 كشف المشكل (1/ 291).
  • 4 من فيض القدير (3/ 478).
  • 5 فتح الباري (13/ 295).
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة