كيف نقترب من القرآن؟

كلُّ فعلٍ حسنٍ، أو قولٍ جميل سَيَفرح به صاحبه في هذه وتلك هذا بإطلاق الفعل الحسن والقول الجميل، أما من خصّصّ فعله وقوله أكثر حيث انفرد حديثه بكتاب الله ورسالته، فلا أعتقد أن فوزه يضاهيه فوز، أو ربحه يعادله ربح فرح ورب الكعبة.

من هنا نسعى ونطمح ونطمع فيما عند الله من خير فنجعل حديثنا يتخصّصّ عن موضوع في غاية الأهمية ألا وهو كيف نقترب من القرآن؟

لكن قبل أن نتحدث باستفاضة عن مكونات الموضوع نبين نقطة بأهمية ضمن مرصوص الأفكار بين تراكيب المقال، وهي أن الاقتراب من القرآن الكريم ليس كالتعامل معه ليس كمعاملته ولا تصفّحه، فهناك بون بين التعامل والقرب، وهذا الأخير هو إحدى غايات الموضوع أن نعرف سويًّا كيف نقترب منه كيف نَحمله بقلوبنا وعقولنا وجميع حواسنا.

الاقتراب هو القرب عكس البعد، فالاقتراب من القرآن الذي نقصد هو أن نقترب منه بكل معاني الاقتراب، تصبح بينك وبينه قرابة حقيقة، معرفة حقيقية، شعور خاص، جو يسكن الذاكرة، فالاقتراب من القرآن يختلف عن التعامل معه، فالقرب من القرآن كأن تعرفه أكثر من أي كتاب آخر تعرفه، وأن يفوق تقديرك له تقدير أي شيء آخر تقدّره مهما وجل، أن تكون قريباً منه فزيائياً ومعنوياً، القرب الذي يعني الحب، الاهتمام، التقدير؛ أي أن تحب هذا الكتاب حقّ الحب، تحبّه ولا شيء فوق حبّه وكيف ولا وهو رسالة الله لك أنت العبد والإنسان، خطاب الله لك من دون وسيط ولا حاجب.

الاقتراب من القرآن أن تهتم بحروفه، وآياتها وتعاليمه أيّما اهتمام، أن تعرف قدره حق المعرفة، كلام الله أتعرف معنى أن يكون بين يديك كلام الله فكّر في الأمر؟

تَخيَّل معي أنّ بين يدي أحدهم كتاباً لأفضل المفكرين الّذين يجلّهم، أو مغترباً وبين يديه رسالة من حبيب أنهكه الشوق إليه، أو مسؤولاً بمؤسسة بين يديه ملف من قمة السلطة.

يا ترى، كيف ستدير هذه النّماذج ما بيديها؟ ألن يكون الاهتمام والتقدير سيَّدَي الموقف؟ وتعالى الله وكتابه عن ذلك، هذا ربّ الأرباب وواجد الوجود، أتستشعر معنى وجلالة ذلك؟ هذا الكتاب ليس أيّ كتاب إنّه لله، إنّه لله فاقترب، اقترب بقلبك وعقلك، اقترب بما تملك من طاقة، اقترب بمنتهى الاقتراب، اجعله أقرب إليك من أي قريب، قرّبه قرابة الود، انظر إليه نظرة تتجاوز الجوهر، لا مثيل ولا شبيه، اقترب مسلحًا بالمحبة والهيبة والوجل، قرابة لا تفارق الشوق.

هكذا يجب أن نقترب من القرآن نجالسه وفق مبدأ القرب لا التعامل، أما التّعامل فيكون مع غيره ممّا أبْدَع البشرُ، وبالتالي الإشكالية المطروحة أن كثيرًا ما يَتعامل مسلم اليوم مع القرآن ويَتجافى مبدأ الاقتراب منه، ومنه سنلج بالمشكل، سؤال التعامل: كيف يتعامل مسلم اليوم مع القرآن؟ ومنه نتلمّس الجرح لغرض الدواء.

ما ننطلق منه أن الإشكال الناتج عن التعامل مع القرآن مركب الأثر؛ بمعنى أن فيه ما يتعلّق بالشكل والجوهر، وتبادل الأثرِ، سنباشر إشكالات بعينها ضمن أخرى عديدة لن يسع حجم المقال للحديث عنها جملة وتفصيلاً، ومنه أول إشكال أننا نتعامل مع القرآن كأيّ كتاب، فإذا ما أردنا قراءته على سبيل المثال نأتيه من أي جهة قرّرنا، في حين أن من الأدب معه فتحه من جهة اليمن، أول ما يُقرأ منه فاتحته من اليمين لا اليسار علّمنا أنّنا أمّةُ اليمنِ، لكن يصرّ بعضنا على فتحه من اليسار، يصر على إحداث قبلة اليسار!

ثانياً: عندما نتعامل مع القرآن فإننا نتعامل معه وفق مبدأ الكم لا الكيف، حيث تلحظ كبّارنا إذا ما تعلّق الأمر بتعليم النشء القرآن فإنهم يَعمدون إلى خاصية الحفظ مجرّدة، وهنا نجد أنفسنا في منهج الحفظ والتلقين بعيداً عن رسالة القرآن التدبر والتفكر والتفهم والتعقل.

أين هو الإشكال في أن نبدأ بالفهم كألا نُحفّظ آية إلا بعد أن تعبر من باب الشّرح والتّدبر والعبرة، لماذا لا نجرب مع كتاب الله طريقة الفهم ثم الحفظ بدل الحفظ ثم الحفظ أو حتى الحفظ ثم الفهم؟

الفهم من الاقتراب رسالتنا أن نأخذ مبدأ الاقتراب من القرآن بدل المعاملة الدارجة، والفهم مما يعني الاقتراب لنفهم القرآن كي نقترب منه أكثر فأكثر، كي نعرفه بحق ونعرف مكانته، ودوره.

ثالثاً: ممّا أحدثه إشكال التعامل مع القرآن أن البعض يتعامل معه شكلاً لا مضموناً بحيث تَرمقهُ أثناء القراءة يُركّز ويشدّدّ على كيفية إخراج الحرف بطريقة ما وكيفية ما، وعلى رونق النطق، وعلى أحكام وأشكال الكلم، كلّ هذا للأسف على حساب الجوهر والمعنى، هو متدبّر لكنه تدبّر النّحو الصرف إقامة الحرف إن صحّ اللفظ، هذا النوع من المعاملة يأخذ الدور على حساب جوهر ورسالة الحرف والكلم، وفاعلية النّص المقدّس، وما وراء الكلمات من معانٍ كالتدبر، والخشوع، والفهم العميق لمغزى الآيات، رسالتنا هنا أن نقرأ القرآن قراءة حقٍّ أن نوجّه الخلق لفعل القراءة لا لأصوات الحناجر، القراءة تصنع الخلد، الصوت يبح، ويصمت.

تمادى البعض في مسألة الحناجر هذه فأخذ القرآن كمادة تُطرب، كلحن يتغنى به يكهرب حاسة السمع حتّى وصل به الأمر إلى عقد لقاءات، ومسابقات تنافسية في من يُطرب بالقرآن أكثر من غيره، في من يملك صوتاً قرآنياً أحلى من غيره.

أعتقد أننا تجاوزنا خطوطنا نوعاً ما، وهذا التجاوز في حقيقة الأمر مردود علينا حيث أننا سنسأل في النهاية عن كيف اتخذنا القرآن؛ هل اتخذناه فهمًا يمشي أم لحنًا يُطرب؟! مسابقات أبرز فيها جانب على حساب آخر أدى هذا الإشكال إلى انحراف البوصلة.

يا صاحبي، الجمال نعمة يتقرب بها إلى المولى عز وجلّ سواء في ذلك جمال الشكل أو جمال الجوهر، بيد أن حقيقة الجمال تكمن في التوازن بين ما هو شكلي وما هو معنوي، أما فيما يتعلق بالقرآن فجانب المعنى أصل الحكاية لقوله تعالى: (كِتَابٌ أنْزَلْنَاهُ إليك مُبَارَكٌ ليَّدَّبَّروا آيَاتِهِ وليَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلبَابِ) (ص: 29)، القرآن رسالته واضحة التدبر والتعقل، المضمون هو أن نقترب من القرآن بفهمه وتدبره لا بأن نأخذه لحناً يطرب.

وفي هذا الصّدد، خير ما نستحضر ونختم به نصًا لسيد قطب في «ظلال القرآن»، حيث يبين ببلاغةٍ مبهرةٍ كيف نقترب من القرآن، كما أنّه يوضّح الفرق بين من يتّخذه لحناً يُطرب وكلاماً جميلاً وينتهي الأمر، ومن ينظر إليه أنه أنزل لأمر غير ذلك لحياة الإنسان كاملة ونجاته وفلاحه دنيا وآخرة يقول رحمه الله في ذلك: وأقل ما تنشئه هذه الحقيقة في النفس أن تُقبل على هذا القرآن بهذا الفهم وهذا الإدراك وهذا التصور أن تواجهه وهو يتحرك ويعمل وينشئ تصوراً جديداً، ويقاوم تصورات الجاهلية، ويدفع عن هذه الأمة ويقيها العثرات لا كما يواجهه الناس اليوم نغمات حلوى ترتل وكلاماً جميلاً يتلى وينتهي الأمر، إنه لأمر غير هذا أنزل الله القرآن، لقد نزله لينشئ حياة كاملة ويحركها ويقودها إلى شاطئ الأمان بين الأشواك والعثرات ومشقات الطريق التي تتناثر فيها الشهوات كما تتناثر فيها العقبات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة