كيف.. ولماذا خانوا؟!

عثمان الثويني

16 أبريل 2026

256


حين نتأمل في قصص الذين يخونون أوطانهم، لا نجد الخيانة قفزة مفاجئة، بل مسارًا يتدرج بصاحبه. تبدأ بفكرة عابرة، ثم تبرير صغير، ثم خطوة خفية، حتى يصبح ما كان مستحيلًا يومًا أمرًا عاديًا. يعتاد الإنسان التنازل، فيُسكت ضميره، ويعيد تعريف الحقائق داخل نفسه؛ فيرى الخطأ "ضرورة"، ويصور الخيانة "حكمة"، ويستبدل لغة القيم بلغة المصالح. وهنا تتشكل أخطر مرحلة: حين يقنع الإنسان نفسه أن خيانته ليست خيانة، بل تصرف ذكي، أو موقف شجاع، أو حتى “تصحيح لمسار”.

لكن الحقيقة المؤلمة أن الخيانة ليست مجرد موقف سياسي أو قرار عابر، بل انفصال عن أصل الوفاء. فكيف يخون الإنسان كسرة الخبز التي أكلها من أرض وطنه؟ وكيف يتنكر لشربة الماء التي سقت جسده ونمت عليها حياته؟ كيف ينسى الوجوه، والذكريات، والأمان الذي عاشه؟ إن من يخون، لا يخون وطنًا فقط، بل يخون تاريخًا، وذكريات، ونعمًا لا تُحصى… يخون نفسه قبل كل شيء.

والأعجب من ذلك أن بعض الخونة يظنون أنهم سيفلتون! وكأن التاريخ لا يكتب، أو أن الذاكرة تموت. ألم ينظروا إلى من سبقهم؟ ماذا بقي من أسمائهم إلا اللعنات؟ وماذا كتب عنهم إلا الخزي؟ ثم ألم يسأل نفسه لحظة: ماذا سيُكتب عني؟ وأين سيكون مآلي؟ فالتاريخ لا يرحم، والضمير لا يموت، والعدل الإلهي لا يغفل.

ومهما تعددت المبررات وتنوعت الدوافع، فإن الخيانة في حقيقتها ليست إلا خيار ناكري المعروف، وفاقدي المروءة، وأصحاب النفوس الدنيئة. فالمواقف الصعبة لا تبرر السقوط، والظروف القاسية لا تُسوّغ بيع الأوطان، فالقيم الحقيقية لا تُختبر في الرخاء، بل تثبت عند الشدائد.

ولهذا فإن الخيانة لا تنشأ من سبب واحد، بل من اجتماع ثلاثة أمور مترابطة: ضعف الانتماء، ودافع قوي، وفرصة يستغلها العدو. فأما ضعف الانتماء، فهو أصل الخلل؛ حين يتحول الوطن في نفس صاحبه من معنى يُحب ويُحمى إلى مجرد مكان يُستفاد منه، فتضعف الروابط، وتبهت معاني الوفاء، ويغيب الشعور بالمسؤولية. فإذا جاء الدافع القوي – من طمع في مال، أو حقد دفين، أو بحث عن مكانة، أو انحراف فكري – وجد أرضًا مهيأة للانزلاق. ثم تأتي المرحلة الأخطر: الفرصة، حين يفتح العدو بابًا، أو يمد يدًا، أو يخلق ظرفًا يُغري أو يضغط، فيلتقي الضعف الداخلي مع الإغراء الخارجي، فتقع الخيانة.

ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكون في وجود الأعداء وحدهم، بل في قابلية بعض النفوس للاختراق. فلو كان الانتماء راسخًا، والدوافع منضبطة، لما أغرت الفرص ولا أثمرت. لكن إذا غاب الوعي، وضعف الضمير، وتتابعت المبررات، أصبحت النفس تبرر لنفسها خطوة بعد خطوة، حتى تسقط. وهنا لا تكون الخيانة لحظة مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل من التنازل الداخلي، يبدأ بصمت الضمير، وينتهي ببيع الوطن.

وإذا نظرنا في أحوال الخونة عبر البلدان والتاريخ، وجدنا أنهم وإن اختلفت أسماؤهم وبيئاتهم، فإنهم يجتمعون في صفات واضحة: ضيق الأفق، وضعف الانتماء، وسهولة التبرير، واستعداد لبيع القيم عند أول اختبار. يعيشون لأنفسهم لا لأوطانهم، ويقيسون كل شيء بمقياس المنفعة لا المروءة، وتغيب عنهم معاني الوفاء والعهد. وإذا اشتدت المحن، انكشفوا سريعًا، لأن من لا جذور له لا يثبت عند العواصف.

وفي المقابل، فإن ما يحفظ الأوطان بعد توفيق الله هو يقظة أبنائها، ووعي مؤسساتها، ودعوات المخلصين الصادقين. فكم من مخططات أُحبطت، وكم من مكائد أُجهضت، حين اجتمعت الحيطة الأمنية مع الضمير الحي، ومعية رب العالمين. فالأوطان التي يُحيطها الوعي، ويحرسها الإخلاص، وتُسندها الدعوات الصادقة، لا تُهزم بإذن الله، مهما تكاثرت عليها محاولات الغدر والخيانة.

حفظ الله الأوطان من كل غدار وخوان.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة