«الشيخ البركة» من المشي حافياً إلى الفضائيات..

كيف يتحول الدجال لرمز روحي؟!

محمد العبدالله

10 ديسمبر 2025

294

تراه يسير في الشوارع بعفوية، ثيابه رثة وكلامه متداخل وحافي القدمين، تارة زاهداً في المال، وأخرى زاهداً في الطعام، يسير ليلاً في برد الشتاء، ونهاراً في قيظ الصيف، يحظى برعاية وعطف من أهالي قريته أو منطقته، لأنه صادف مرة أن أخبرهم بشيء فوقع كما كان، كغائب سيعود في يوم كذا أو مريض سيشفى، فظنوه من أولياء الله أو ممن يطلعون على الغيب والحُجُب، فأطلقوا عليه «صاحب البركة» و«الشيخ المبروك»، وهو في الحقيقة مشعوذ دجال!

«المجتمع» في رحلة قديمة حديثة تحاول إماطة اللثام عن «الشيخ البركة»، وكيف تسلل من واقع بسيط وحالة مزرية إلى رمز روحاني، وكيف تصنع السياسة الولي المزيف لتشبع نفوس العامة بكرامات وهمية، ويحظى صاحب الفكرة بالسلطة.

كيف ظهرت فكرة الولي

ارتبطت فكرة الولي بظهور الكرامات، وحدد العلماء فارقاً بين الأنبياء والأولياء، حيث خُصّ الأنبياء بالمعجزات والأولياء بالكرامات.

واختلفت طبيعة الكرامات باختلاف الأزمان والأشخاص، ولكن نشأ بين الكرامات خزعبلات وأوهام؛ ما دفع الإمام ابن الجوزي البغدادي أن يفرد لها باباً في كتابه «تلبيس إبليس»، وكشف فيه كيف يلبّس الشيطان على المتدينين بـأمور تبدو ككرامات خارقة، لإيهامهم بأنها من عند الله وليست من مكائد الشيطان، وبيّن فيه أن هذه الأفعال قد تكون ناتجة عن قلة العلم الديني أو الاعتماد على الظواهر دون الباطن الشرعي.

ولا شك أن أي بلد مرّ في عصر من عصوره بحالة من الجهل والحاجة إلى الطمأنينة والراحة، فكان للمشعوذين وأصحاب ضربات الحظ حظ وافر في الظهور والانتشار بين الناس بصبغة الشيخ البركة أو الولي.

السياسة.. وصناعة الولي المزيف

لم يخفَ على دهاة السياسة وصانعي الأمم الدور الذي يحظى به العرافون أو أصحاب الكرامات بين البسطاء، فروجوا لمبتغاهم وأهدافهم عبر دجالين ومشعوذين ساهموا في وصولهم إلى السلطة، ولعل أشهر مثال في ذلك ما قام به «ابن تومرت»، الأب الروحي وصانع دولة الموحدين في أفريقيا والأندلس، الذي بدأ حياته وصنع دولته بالحيل والخداع، حيث جعل رجلاً من أتباعه يتظاهر بالخرس بعد أن أتم حفظ القرآن الكريم.

وعندما دخل إلى القبائل وعامة البربر أقنعهم أنه معصوم ولديه كرامات ومنها هذا الأخرس الذي لا ينطق بعد أن عاش بينهم فترة وخالت عليهم حيلته فيمكنه النطق والكلام، وأنه قادر على ترتيل القرآن وأمره أن يقرأ فقرأ السور بسرعة مرتلة فدخلوا في طاعته وأسقط بهم دولة المرابطين السنيّة.

ومن القديم للحديث، اصطحب محمد علي باشا في وصوله للسلطة إلى مصر رواية أشبه بالكرامة، وأن ملك مصر هو علم مسبق حدثت به نبوءة، وذلك أن والدته رأت وهي حامل مناماً عجيباً، فسرّه لها بعض العرافين، وأن نجلها يبشر بمستقبل عظيم لثمرة بطنها، فلما كبر أخبرته بذلك المنام، لتجد في فؤاده الميل إلى عظائم الأمور، حتى صار إلى ملك مصر وولايتها.

وزير داخلية وعرافة شهيرة

العجيب أن بعض المسؤولين في عدة دول يصل إلى مناصب مرموقة، ولا يزال يؤمن بأمور الكهانة والعرافين، ومن ذلك ما نشرته مواقع مصرية حول الشيخة «جبريلة» التي كانت قبلة للمسؤولين، وأنها تنبأت بإقالة وزير الداخلية الأسبق «ز. ب»، ووزير الإسكان «ح. أ» من منصب الوزارة.

وفي التفاصيل، فإن معرفة اللواء «ز. ب» بالشيخة جبريلة كانت بمحض الصدفة، حيث كان رائدًا بمديرية أمن قنا في فترة السبعينيات، واصطحبه أحد الضباط لزيارة الساحة لمقابلة جبريلة، وبالفعل حضر مع زميله الضابط الذي كان من المريدين والمترددين عليها، وقد واظب على الحضور للساحة ومقابلة الشيخة، خاصة بعدما بشرته بأنه سيكون له مستقبل في البلد.

وبالفعل أصبح «ز. ب» وزيرًا للداخلية، ورغم المشاغل كان دائم الزيارة على زيارة الشيخة أو الولية من وجهة نظره.

العجيب ووفق ضربات الحظ، فإن هذه العرافة تنبأت أيضاً بإقالته هو و«ح. أ» من منصبهما، وقد وقع ذلك؛ ما أضفى نوعاً من التبجيل لها والتقدير بين المسؤولين.

سقوط بشار و«طوفان الأقصى» وكذب العرافين

السخرية من الدجل والشعوذة تأتي عند تشكيل الوعي وسطوع الحقيقة وقوة الإيمان، ولا يفوتنا هنا ما قام به الصحابي جندب الخير، حينما رأى ساحراً في الكوفة يحيي الموتى ويفسد على الناس دينهم، فقطع رأسه وقال له: «أحيِ نفسك».

ومن الخداع والسحر في الشوارع والطرقات تطورت الأمور إلى التوقعات وأبراج الحظ، وما سيحدث في العام المقبل عبر الفضائيات، وخصصت برامج يشاهدها الملايين.

ومن أشهر ما وقع في ذلك ما صرحت به «ل. ع» التي تقدمها مواقع التواصل بأنها سيدة التوقعات وخبيرة الأبراج، وما نالها من سخرية عقب آخر تصريحاتها عن الرئيس السوري بشار الأسد، حيث تنبأت قبل سقوطه بأنه سيظل صامدًا، وأن سورية لن تركع.

وعقب تصريحاتها المثيرة والمحبطة للشعب السوري معًا، هرب بشار ودخلت المعارضة المسلحة دمشق، وتمكنت من السيطرة على أراضي سورية، وتغير المشهد في صورة فاقت كل توقعات الدجالين أو المحللين السياسيين.

أيضاً توقعت في أحداث عام 2024م أن زعيم «حماس» يحيي السنوار سيكون حديث العالم، وهو أمر تحصيل حاصل، فالسنوار ببصمته وتخطيطه لـ«طوفان الأقصى» كان حديث العالم ولا يحتاج إلى نبوءات.

بابا نويل.. بين صراع التجارة والموروث الكنسي

في المجتمع الشرقي، تصنع شخصية العرّاف أو الولي عبر ما يظهره من كرامات وارتباط ذلك بالموروث الديني في المجتمعات الشرقية.

أما في الغرب، فالأمر خاضع لإشباع روحي وعاطفي ووسائل ترفيه، ومن ذلك ما يسوق ويروج له الغرب في الاحتفال بـ«بابا نويل» ليلة الميلاد، في 24 ديسمبر من كل عام، وارتبطت شخصية بابا نويل بـ«القديس نيقولا» التي ظهرت في العصور الوسطى، واشتهر بأنه كان حامياً للضعفاء والفقراء والأطفال في مختلف المدن والبلدان في جميع أنحاء أوروبا، واستقرت صورته في المخيال الأوروبي والأمريكي بالرجل ذي الهيئة البدينة المرحة مرتدياً زيه الأحمر، كما يقوم بقيادة عربة تجرّها 8 من حيوانات الرنة قادمة من القطب الشمالي ليخرج من المدفأة حتى لا يراه الأطفال ليلاً ويفاجَؤون بالهدايا في الصباح.

ومع دخول القرن العشرين، أصبحت صورته موحدة كشخص بالغ، يرتدي رداءً أحمر وله ذقن بيضاء ويدخن البايب، ويقوم بالمغامرات.

لكن شركة كوكاكولا قامت بحيلة ذكية حيث أنتجت شكلاً آخر بوجه رجل عجوز بدين وضاحك ذي لحية بيضاء يرتدي ملابس حمراء مقلمة بالأبيض، وحاولت الشركة في تلك الفترة الترويج عبر إعلاناتها بأن الاستمتاع بمشروبها ليس حكرًا على فصل الصيف والجو الحار، وإنما يصلح تناوله لجميع المواسم، وخاصة الشتاء.

ولإتمام التسويق لمشروبها العالمي، قامت بإجراء تصميم لشكل «بابا نويل» الذي يجمع بين الواقع والخيال، ونجحت في ذلك نجاحاً كبيراً وأصبح شكله معمماً حول العالم، وهو ما رفضته بعض الكنائس في بعض الدول الأوروبية التي أرادت الحفاظ على شكل بابا نويل القديم، وهددت بحرق الشكل المعتمد من كوكاكولا.



اقرأ أيضاً:

«المجتمع» ترصد حيل السحرة لاصطياد الضحايا

الباحث في السلوك الاجتماعي والحضارة الإسلامية عبدالقدوس القضاة: 3 طرق لمواجهة السحر والشعوذة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة