كيف يجعلنا الذكاء الاصطناعي أقل ذكاء؟!

كيف يجعلنا الذكاء الاصطناعي أقل ذكاء؟!

إن الناظر في حالنا اليوم لا يكاد يبارحه العجب من كون إنتاجنا المعرفي أقل جودة من أسلافنا رغم الفارق المهول في المعرفة المتاحة لدينا، كنوز من المعرفة عند أطراف أناملنا وقتما نحتاجها، وفي جيوبنا نحملها معنا أينما يممنا، فما السر إذًا والحال كذلك في قلة تركيزنا وضعف ذاكرتنا وقلة معلوماتنا! وهل تحمل ثورة الذكاء الاصطناعي في طياتها بداية النهاية لتفكيرنا المستقل؟

التاريخ يعيد نفسه، والسعيد من وعظ بغيره.

وقبل أن نشرع في الكلام على التأثير المباشر للذكاء الاصطناعي على عقولنا يجدر بنا الاستدلال على ما سنذكر بما حدث بالفعل من أضرار ألحقتها بنا التقنيات الحديثة بالفعل.

خرائط جوجل

في كتابها «إيجاد الطريق: العلم والغموض حول كيفية تنقل البشر حول العالم»، ستكشف الكاتبة م. ر. أوكونور كيف أن اعتمادنا المتزايد على تقنية نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) يؤثر على قدراتنا الطبيعية في التنقل وتكوين الخرائط الذهنية.

تطرح أوكونور سؤالاً جوهرياً: ماذا نخسر حين نفوض مهمة التنقل إلى الآلات؟ الجزء من الدماغ الأكثر تأثراً بهذا التحول التقني هو «الحُصين»، وهو بنية دماغية تقع في الفص الصدغي الأوسط.

يؤدي «الحُصين» دوراً محورياً في تكوين الذاكرة طويلة المدى، وبشكل خاص في الذاكرة المكانية والتنقل، عندما نعتمد على أنظمة تحديد المواقع، نتحول من التنقل النشط إلى التنقل السلبي.

في التنقل النشط: ننخرط في عمليات معرفية معقدة؛ نراقب المعالم، نقيّم المسافات، نتخذ قرارات بشأن المسارات، ونبني علاقات مكانية بين الأماكن.

أما التنقل السلبي: فيتطلب منا فقط اتباع التعليمات الصوتية خطوة بخطوة دون بناء فهم شامل للبيئة المحيطة، وعليه فإن الاعتماد على أنظمة «GPS» يقود مع الوقت إلى:

1- ضعف تكوين الخرائط الذهنية: عدم تطوير فهم شامل للعلاقات المكانية بين الأماكن المختلفة.

2- ضعف الذاكرة المكانية: صعوبة في تذكر الطرق والمسارات التي سلكناها سابقاً.

3- انخفاض نشاط اللوزة الدماغية: وهي بنية صغيرة على شكل لوزة في عمق الدماغ، وتعد المركز الرئيس لمعالجة المشاعر، خاصة الخوف والقلق والغضب، وتؤدي دورًا حاسمًا في ربط العواطف بالذكريات والتعلم، وقلة استخدام هذه المنطقة الدماغية قد يؤثر على صحتها ووظيفتها على المدى الطويل؛ ما يزيد الإصابة بأمراض الشيخوخة المرتبطة بالذاكرة كالزهايمر، عافانا الله والمسلمين منها.

كما قد يؤدي إلى ضعف «المرونة العصبية»؛ وهي قدرة الجهاز العصبي على التكيف مع الخبرات والمعارف الجديدة، وبصورة أكثر عملية فإن المناطق في دماغك التي يكثر استخدامها تقوى وتنشط، وما لا فلا، وتصير إلى الضمور أقرب.

وهذا الأخير لا يقتصر فقط على استعمالك خرائط جوجل التي تقلل من مرونتك العصبية الخاصة بالبعد المكاني، بل يمتد ليشمل استعمالك للآلة الحاسبة المقللة لمرونتك العصبية في الجانب الحسابي، واستعمالك الذكاء الاصطناعي المقلل لمرونتك العصبية بصورة أعم وأشمل منهما وسنتكلم عنه بتفصيل أكثر في موضعه إن شاء الله تعالى.

المعرفة المعلبة

أجرى باحثون في جامعة كولومبيا دراسة قرروا تسمية نتيجتها بـ«تأثير جوجل» أو «العَتَه الرقمي»؛ حيث وجدوا أن الناس أصبحوا أقل قدرة على تذكر المعلومات عندما يعلمون أنها متاحة على الإنترنت.

وربما تتساءل: وما المشكلة في ذلك طالما بإمكاني البحث عن المعلومة وقتما شئت؟

المشكلة تكمن في أن الإنسان يحتاج لحيازة قدر معين من المعلومات، في دماغه لا في جيبه، تمكنه من ربط المفاهيم بعضها ببعض، وبالتالي تكوين قاعدة معرفية مبنية على أساس من شبكة من المعلومات المترابطة، وأنى لمثل هذا البناء أن يشيد من تلقاء نفسه! وقديمًا قالوا: «من حفظ المتون فقد حاز الفنون».

هل يتناسب الذكاء الاصطناعي عكسيًا مع الذكاء البشري؟

يجيبنا عن هذا السؤال الباحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) في دراستهم التي أجريت على 54 شخصًا، تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عامًا، تم تقسيمهم إلى 3 مجموعات، وطُلب منهم كتابة مقالات في موضوعات معينة تهدف إلى إقناع القارئ بجدوى هذه الموضوعات.

المجموعة الأولى: ليس لها أن تستخدم أي وسيلة خارجية، وتعتمد بالكامل على نفسها.

المجموعة الثانية: لها أن تستخدم محرك البحث «جوجل».

المجموعة الثالثة: عليها أن تستعين بـ«شات جي بي تي» (ChatGPT).

استخدم الباحثون مخطط كهربية الدماغ لتسجيل نشاط دماغ الكتاب في 32 منطقة، ووجدوا أنه من بين المجموعات الثلاث، كان لدى مستخدمي «ChatGPT» أدنى نشاط دماغي،  كما أصبحوا أكثر كسلاً مع كل مقال يكتبونه، وانتهت بهم الحال في نهاية المطاف إلى النسخ واللصق دون بذل أي مجهود حتى في التعديل على ما ينسخونه.

وهذه لم تكن تلك الدراسة الوحيدة التي أجريت، فقد سبقها دراسة نُشرت في مجلة «الطبيعة» (Nature) أظهرت أن الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي يضعف قدرتنا على اتخاذ القرارات المستقلة، بل ويقلل من قدرتنا على تقييم جودة توصيات الذكاء الاصطناعي نفسها، وهذا يخلق حلقة مفرغة: كلما اعتمدنا أكثر على الذكاء الاصطناعي، قلَّت قدراتنا النقدية، مما يزيد اعتمادنا عليه أكثر.

ويتضح مما سبق أنه لا حاجة لنا إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي ليجيبنا عن سؤال المقال.

التأثير الأخطر للذكاء الاصطناعي على عقولنا

يكمن هذا التأثير في تقويض قدرتنا على التعلم حيث يسهّل علينا الحصول على إجابات فورية، وملخصات سريعة، وحلول جاهزة، مما يدرب أدمغتنا على توقع الإشباع المعرفي الفوري، نيكولاس كار، في كتابه «السطحية: ما الذي يفعله الإنترنت بعقولنا؟»، يشير إلى أن الإنترنت أعاد تشكيل أدمغتنا لتفضل القراءة السريعة والسطحية على التركيز العميق ولفترات مطولة، ويضاعف الذكاء الاصطناعي هذا التأثير، فعندما يمكننا الحصول على ملخص لكتاب في دقائق، فما الداعي لقراءته كاملاً؟

وإذا كان الشرح المبسط لأعقد المفاهيم على بعد سؤال، فما الحاجة للإحاطة بهذه المفاهيم بأنفسنا، فيصير المتعلم باستخدام الذكاء الاصطناعي كالباحث عن حتفه بظلفه؟! هذا غير التبعية الخطيرة التي يخلقها، إن لم يكن خلقها بالفعل، لدى جيل نشأ بين أحضانه، واعتاد الاتكال عليه في كل شيء، وهم بذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

ربما يحسب قارئ هذا المقال أنه كُتب على آلة كاتبة، وأن هذه دعوة لمعاداة لكل ما هو تقني ومتقدم، والواقع على خلاف ما يتصور، بيد أنه وجب تسليط الضوء على السلبيات لفيض حديث الناس عن الإيجابيات، وغروهم بها، وليتخذ المستخدم لهذه الوسائل حذره، ولا يترك حبله على غاربه، فيورد عقله مهالكه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة